السحر والشعوذة آفة اجتماعية تنتشر في لبنان مع تصاعد الأزمات المعيشية

عبد معروف
حجم الخط
1

يعيش اللبنانيون حالة من الذهول والعجز أمام ما يتعرضون له من انهيارات على مختلف الصعد الاقتصادية والمعيشية والسياسية والأمنية، ما دفع قطاعات واسعة إلى السحر والشعوذة لفهم ما يجري ومعالجة أزماتهم ومعرفة مستقبلهم.
وتشير تقارير قوى الأمن الداخلي اللبناني أن حالات السحر والشعوذة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة خطيرة، تتفشى في مختلف القطاعات الشعبية إلى جانب طبقات رفيعة المستوى تلجأ إلى السحر لمعرفة الطالع والمستقبل.
وتعتبر ممارسة السحر والشعوذة والاعتقاد بهما خاصة لدى الفئات الفقيرة والمهمشة أمرا مقبولا ومألوفا، فكلما كان مستوى الوعي والتقدم الحضاري منخفضا كلما زادت الخرافات في البنية الاجتماعية.
وتعد أعمال السحر والشعوذة من أقدم المعتقدات والظواهر التي عرفتها البشرية، وتشير كتب التاريخ إلى أن الإنسان مارسها على مر العصور، وربما كان جهل الإنسان آنذاك بما حوله وخوفه منه هو الذي دفعه إلى التعامل مع هذه الماورائيات، ولكن المستغرب أن الإنسان في العصر الراهن، ورغم تقدم العلوم والتكنولوجيا ما زال يمارس أعمال السحر والشعوذة، الأمر الذي دفع إلى تجريمها بنصوص واضحة.
وقد انتشرت في الفترة الأخيرة على بعض القنوات الفضائية إعلانات عن برامج عن السحر وجلب الحبيب والسعادة والمتوفى وغيرها من الخرافات وتقوم تلك القنوات أيضاً باستضافة دجالين، لجذب متابعين لهم أو لتحقيق أرباح مالية لأنها تجارة رابحة على حساب خداع المشاهدين البسطاء وتدمير المجتمع.
كثير من اللبنانيين يؤمنون بالتبصير والتنجيم وما شابه ذلك ويلجأون إلى البصارين والعرافين لقراءة مستقبلهم والبحث في أزماتهم مهما بلغ مستواهم الثقافي والاجتماعي. وطرق كشف الطالع والمستقبل كثيرة، منهم من يستخدم الورق ومنهم أسم الشخص ومنهم القراءة في فنجان القهوة، والتبصير في فنجان القهوة عادة قديمة لا تحتاج إلى تعليم، أما التبصير بواسطة أسم الشخص فيعتمد عملية حسابية خاصة تبدأ بمعرفة اسمه واسم والديه. ليال.ح (45 عاماً) من سكان شارع عفيف الطيبي محلة الطريق الجديدة في بيروت، أكدت أن أحد المشايخ ساعدها على استعادة زوجها من طاولات القمار والكحول. لا تنكر أنها دفعت مبالغ طائلة من المال عبر بيعها معظم ما تملك من ذهب، لكن في نهاية الأمر، زوجها توقف عن ممارسة القمار وشرب الكحول.
قصة ليال مثيرة وشبيهة بالأفلام السينمائية، فقد حضّرت لزوجها مشروباً يتكوّن من مواد لا تعرف عنها شيئاً، وخلطتها بالكحول التي يشربها. استغرق الأمر وقتاً، تقول بثقة واللهفة تملأ عينيها الصغيرتين. «لم يكن يشعر بمفعول الوصفة لأنه كان ثملاً كعادته» وتردف بلهجة فيها الكثير من الإصرار والتحدي «منذ ذلك الوقت، كره الكحول، لكنه يشرب البيرة من وقتٍ إلى آخر». أمّا بالنسبة إلى القمار فزوجها أفلس بعد أشهر، وتوقف عن اللعب، وهي تعتقد أن إفلاسه «كان نتيجة الوصفة بالطبع». لكن، عندما سألتها «القدس العربي» إن كان زوجها سيعاود المراهنة إذا توافر لديه المال كما في السابق، تسكت ليال لبرهة، ثم تقول «أعتقد أنه لن يعود إلى ذلك، الوصفة مضمونة مئة في المئة».
أما هبة وتبلغ من العمر 43 عاما، فزادت أعباء الحياة عليها نتيجة ضعف عمل زوجها وبدأت المشاكل تتفاقم بينهما ثم صارت ترى أمورا غريبة في البيت، والحالة الأصعب حين تغضب تبدأ بالصراخ وتكسير كل ما تراه أمامها، ولا يستطيع أي إنسان إمساكها أو ثنيها عما تقوم به، ثم تجلس في الزاوية وتنظر إلى السقف وتتمتم بكلمات وكأنها تتحدث مع أحد ما، ما جعل أولادها يبتعدون عنها ويخافون منها.
حين تتعرض هبة للتوتر تطلق صرخات عالية، يحضر الشيخ إلى بيتها على عجل ويبدأ بتلاوة بعض من آيات القرآن الكريم، ولا يتراجع الشيخ عن تلاوته للقرآن إلى أن تتعب وتنام. بقيت على هذه الحالة مدة سنتين، ومع تكرر زيارات المشايخ لاحظ زوجها أن عدد نوبات الغضب بدأت تتراجع.
أما كارولين وتبلغ من العمر 35 عاما، وتعمل نادلة في أحد مطاعم مدينة صيدا، وتمتهن أيضا قراءة طالع الأشخاص من خلال فنجان القهوة. تقول لـ«القدس العربي» إنها بمجرد النظر إلى وجه زبائن المطعم تستطيع معرفة القليل عن ماضيهم ومستقبلهم، كما تعتمد على كسب ودهم من خلال محادثتهم عند تقديم الطعام لهم، تخبرهم أن باستطاعتها قراءة فنجان القهوة، ثم ترمي كلمة عن واقعهم ربما تكون قد سمعتها وهي تقوم بتقديم الطعام، وتستغل أن الناس عادة تحب معرفة تفسيرات عن واقع حياتها وتبدأ بفتح مواضيع معهم وتجالسهم على الطاولة بعد انتهائهم من شرب القهوة، أصبح هناك عدد من الزبائن يقصدون المطعم فقط للاستماع إلى ما تقوله وتراه كارولين في فنجان قهوتهم.

المادة 768 من قانون العقوبات

يؤكد الدكتور نزار صعب المتخصص في البارابسيكولوجيا لـ« القدس العربي»ان مخاطبة الموتى والكتيبة ومعرفة الغيب وفتح المندل وفك المربوط من أنواع السحر مشددا على أنها أمور كاذبة وباطلة. مضيفا، البارابسيكولوجيا تدحض هذه الخرافات وتكذب طرق المبصرين الكاشفين لأمور الغيب والمستقبل واعتقاد الروحانيين باستحضار الموتى ومخاطبتهم وتعتبرها ضربا من الشعوذة والسحر.
وفي ظلّ التصدي الخجول لمنع أعمال التنجيم، يطالب الدكتور صعب السلطات الرسمية بإيجاد رادع لمواجهة هذه الآفة التي تتهدّد المجتمع اللبناني، وذلك من خلال تعديل جذري للمادة 768 من قانون العقوبات، وإزالة عبارة «بقصد الربح» منعاً للتحايل على القانون وثانياً عبر تحويل هذه الجريمة إلى جنحة، ليس فقط في حالة التكرار كما ذكرت الفقرة الثانية من تلك المادة، بل من المرة الأولى.
الطبيب في الجامعة الأمريكية الدكتور محمد وهبي اختصاصي الأمراض العصبية، يعيد لجوء الناس إلى هؤلاء المشّعوذين إلى حقائق تاريخية متعددة أسهمت في تكوين هذه الثقافة. وباعتقاده أن أبرز هذه العوامل هي «القهر الذي يتعرض له الإنسان نتيجة العوامل الطبيعية من جهة، ومن جهة ثانية أكثر أهميةً في العصر الحديث، السلطة المستمرة وعلاقتها السلبية بالأفراد». لهذا «يلجأ الأفراد للردّ على هذا العجز التاريخي أمام القوى الخارقة إلى وسائل دفاع تقليدية، أهمّها محاولة السيطرة على الحاضر عبر البحث عن قوى خارقة، تتخطى حدود العقل والطبيعة، كالسحر وتأويل الأحلام والتوسّل بالأولياء وأصحاب الكرامات».
وهو يؤكد أن «جزءاً كبيراً من المشّعوذين صار يمتلك من الخبرة ما يكفي لتجنب العوارض السلبية ليصبح محترفاً في خلق المشهد الذي يجمع بين العناصر الدينية والعلمية، عدد منهم يستعمل موادّ علمية كالفاليوم والليكزوتانيل، ويتلو آيات وتراتيل دينية في الوقت عينه.
ويصف هذا النوع من السحر بعملية استعادة لمشهد طفولي حيث تؤدّي التربية دوراً أساسياً في خلق شخصية الفرد، وبالتالي، شخصية الجماعة. ويقول: «في عملية التربية في الشرق، ينمو المرء عاجزاً واتكالياً، وفي أغلب الأحيان فاقداً للطموح، وذلك نتيجة العوامل القهرية التي ذكرناها سابقاً. في الطفولة يصوّر للأطفال أن الأب والأم قادران على أن يفعلا أشياء عجائبية، فيستعيدون هذا المشهد في الكبر نتيجة العجز الباطني المختزن في داخلهم، بلجوئهم الغريب إلى أحضان المشعوذين».
المخيف في الأمر أن الدكتور وهبي يتوّقع تفشي هذه الظواهر بشكل أوسع، «كل المؤشرات تدل على ذلك. على صعيد عام، العالم كله يعيش حالة حنين إلى الماضي والموروثات القديمة، أمّا في لبنان، فالأمر أصعب بكثير، ابتداءً من غياب السلطة القادرة على الردع، وانتهاءً بالإعلام، الذي يسمح لنفسه بالترويج لهذا النوع من الخرافات، على حساب الجسم الطبي». ويحمّل الإعلام مسؤولية كبرى، ويشير إلى جريدة للإعلانات أمام مكتبه طالباً منا أن نحصي عدد «المشايخ والعلماء الروحانيين» على صفحاتها، إضافةً إلى المحطات التلفزيونية التي صارت فيها حلقات الأبراج والتبصير ضرورية كنشرات الطقس والأخبار، كما تبث مجموعة منها إعلانات لمستحضرات وتركيبات غير مضمونة أو متوافق عليها طبياً، لأسباب تجارية بحتة. «كل هذا يسهم في تعبئة العقل بالغيبيات، واتجاهه نحو قوى يجهلها» يتابع الدكتور، محمّلاً نقابة الأطباء جزءاً من المسؤولية، لكون تقاعسها في مرحلة ما، قد أسهم في خسارة ثقة الناس بمحطات معينة، إلا أنها بدأت برفع الدعاوى وتقديم الشكاوى على كمية من التجاوزات، إلى المراجع المختصة، ويأمل أن تتحرك وزارة الصحة وتأخذ المبادرة بنفسها لإقامة حملات توعية شاملة، «لكن الإعلام يبقى الأساس» مطالباً بحملة إعلامية مضادة وناشطة ضد انتحال صفة الطب.
وحول الدوافع النفسية يعتقد طبيب علم النفس الدكتور إيلي دمج أن الإنسان يرى مخاوفه بأم العين، ويرى هواجسه وما هو مهووس به، ويشعر بأنه يتعاطى مع أمر أقوى من طاقته، غير مدرك لحقيقة مشاكله، وهو بحاجة إلى إجابات مباشرة، لأن الإنسان المصغي للعرافين والبصارين ضعيف الذكاء التفاعلي، ضعيف الطاقات الإدراكية وضعيف الطاقات التحليلية.
ويؤكد دمج لـ«القدس العربي» أن «ما يتعرض له الإنسان في تلك الحالات هو مرض نفسي وهدفه من اللجوء إلى التبصير والشعوذة، هو الراحة والطمأنينة القصيريتين في المدة الزمنية، وهما كافيتان لإقناع الإنسان بتكريس الوقت والمال للمبصرين والعرافين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية