السرد الآن: تحولات أنساق الثقافة العربية وعدم مجاوزة الأفق الروائي

تحيل عبارة «السرد الآن» إلى لحظة رمادية، فكلمة «الآن» تبدو معلقة في الطارئ، هذا الذي يبدو شديد القتامة، متفسخ، ومتشظّ، كما أن مفردة «الآن» تحيل إلى مدونة سردية متباينة يمكن أن تنهض بالكثير من الدلالات، والتمثيل لكل من التاريخ، والبنى الاجتماعية والسياسية. فهل نقصد بها السياق الزمني القائم على عصر انحطاط؟ أم هل نعني السرد العربي المتصل بالقطاعات الجغرافية ذات الخصائص المتماثلة؟ أم المتباينة؟ فثمة السرد المقصور على الخطاب المتلفظ أو المنتج من قبل ذوات ثقافية ضيقة، أو الذي يخضع لمنظور شمولي متجانس يمكن أن يحدث تحولاً في البنى والأنساق الثقافية للإنسان العربي.

تحولات البنى الثقافية

لعل المؤشرات التي لدينا تحيل هذه الظاهرة إلى العديد من العوامل؛ أهمها فضاءات التحول في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم العربي، فنحن إزاء تطور تعليمي في بعض مناطق، ومنه الوعي بالقيم التعبيرية التي ينطوي عليها الأدب، وهذا تزامن مع التحولات في البنى الدينية التقليـــدية، التي تقاطعت مع الفضاءات الثقافــــية، التي عملت على صوغ خطابها الخاص، فنحن إزاء خطابات متوازية، فثمـــة الخطابات الليبرالية التي ميزت الكتابة العــــربية في القرن العشرين، بيد أن الانفتاح المعرفي، وقيم التواصل مع الآخر، ونبذ الحدود الثقافية نتيجة هيمنة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، وظهور منصات جديدة للتعبير في القرن الواحد والعشرين، أسهمت مجتمعة في تغيير بنى العقل، وتفكيك الأنساق المغلقة إلى أنساق مفتوحة، وفي بعض الأحيان تمارس قيم المواجهة نحو المزيد من الجرأة في التطرق لقضايا التعبير عن الذات، والهوية، وحرية المرأة، ونبذ القيم القبلية، وهيمنة العقلية الذكورية.

السرد والتحولات الاجتماعية

إن ما تعنيه الرواية في تكوينها المعاصر يتصل بمحورية الإنسان بوصفه مركز العمل، وهذا يفارق المنظور الذي جاء به كل من ألتوسير وشتراوس، حين نزعا دور الإنسان من صناعة التاريخ، ومن هنا، فنحن أقرب إلى تبني منهجية تكوينية لوسيان جولدمان، ولا سيما من وجهة نظر السرد الذي يسعى إلى عكس بنى التحول، وبوجه خاص حين توقفت بعض البنى عن العمل أو توفير اللازم، ونعني تلك الخطابات السردية التي مثلتها حقبة نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، حنا مينه، جبرا إبراهيم جبرا، صنع الله إبراهيم، وإدوارد الخراط. أي إننا إزار دينامية التغير، وكما يقول جولدمان: «إن البشر يصنعون البنى التي تمنح التاريخ معنى»؛ إذن نحن إزاء تعارض، ولكنه ليس تعارضاً طبقياً، أو اقتصادياً، بل إنسانياً يتصل بمنظور قيمي اجتماعي لمنظومة فكرية ثابتة، وأخرى متغيرة، وهكذا فإن ثمة خلخلة في القواعد المعرفية والاجتماعية والثقافة في العالم العربي، التي بدأت غير بعيدة عن كافة نطاقات التغيير، مع أن عدة اتجاهات أو تيارات، تقاوم هذا النهج الجديد في تكوين العقل العربي الجديد.

ما تعنيه الرواية في تكوينها المعاصر يتصل بمحورية الإنسان بوصفه مركز العمل، وهذا يفارق المنظور الذي جاء به كل من ألتوسير وشتراوس، حين نزعا دور الإنسان من صناعة التاريخ.

لقد باتت مساحات الحرية أكثر ظاهرياً، غير أن مساحات الرفض والتفكير، والمساءلة والمنع ما زالت قائمة، ولعل هذا يفسر واقع الرواية العربية التي تبدو وجلة خشية الاصطدام بالمنظومة المهيمنة المقاومة للتغير، غير أن الذي تغير وجود الثورة التي قادتها التيارات المهمين عليه سابقاً، ونعني الاتجاهات الدينية، والمحافظة الوطنية، حيث بات أقل جرأة في التصدي للتفكير المنغلق، فثمة البحث عن صوت في عالم جديد لم يعد يتقبل الإقصاء والنبذ، ما أسهم في وعي جدلي في الكتابة السردية، وهذا الحراك لا بد أن ينعكس على الأدب عامة، والسرد خاصة؛ ولهذا سنجد أن الكتابات السّردية في منطقة العالم العربي، كما كانت نشأتها متباينة، فإن قيمتها وأثرها الحاليين الآن باتا شديدي التباين والاختلاف تبعا للفهم، وكيفية الممارسة السردية التي صاغت السرد العربي المعاصر الفائض كمياً، والقلق نوعياً، وأعني من حيث التباين في هذا النتاج، الذي يبدو وجهه خلاصة حقيقية لواقع اجتماعي نفسي، حيث أن عقوداً طويلة من الهيمنة على مفاصل العقل نتيجة القيم والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى بعض التيارات الدينية المتشددة التي شكلت مجتمعة لعقود سداً اختزن خلفه مكبوتا هائلاً من الأفكار والمشاعر والقهر والرغبة بالتحرر من القيود التي مورست على الفرد الاجتماعي تحديداً، ما يعني أن هذا الانفجار يحمل معه الكثير مما هو جيد، بالإضافة إلى الكثير مما هو سيئ، أو متواضع، نضيف إلى ذلك الرغبة في الالتحاق بركب الشعوب والأمم التي توفرت على مناخات داعمة للتعبير والحرية.

الفيض السردي

لا ريب في أن هذا الموقف أسهم بفيض سردي بدا في بعض الأحيان أشبه بردة فعل على مناخات التكميم، على الرغم من أن ثمة أسماء تنتمي لما قبل الثورة التقنية بدت وقتها حاملة لعمق في التشكيل والرؤية السردية، أسهمت في شيوع كتاباتهم عربياً. إن الظاهرة التي تشكلت في العقدين الأخيرين، حيث بتنا نشهد كتابات استلهمت مناخاتها من الحداثة السائلة غير المستقرة أو الثابتة التي تنهض على كتابات عابرة وسريعة، تستوحي فضاءات لمناخات الرقمية، كما المكبوت في وعي الشعوب والأفراد أو في الوعي الجمعي، ومع أن هذه الروايات ضئيلة القيمة فنياً، غير أنها تصلح لمقاربة ثقافية كي تحيل إلى فهم وعي الجماهير، وقياس معدلات الإدراك، والانحراف في التلقي، التي تنهض على تبديد، وهتك المكبوت في مجتمعات ميزتها عبارات المجتمع المحافظ. إن السعي إلى معانقة مناخات التخلص من القيود والوصاية الفكرية، وصدمة التحول، وتبدل البنى الاجتماعية والاقتصادية أنتج هذا القدر الكبير من السرديات التي لا تصلح إلا إلى استهلاك مرضي، ولكنه شديد الأهمية للبحث في خطوات الوعي المجتمعي من هيمنة ردة الفعل إلى التأمل والنقد، وهي مرحلة لا بد منها من أجل تحقيق وعي متقدم للشعوب. إلا أن معظمها سنجده يشتغل على مضامين وقضايا مجتمعية داخلية تهدف إلى توصيف الواقع، لا إلى طرح أسئلة ذات طابع تأملي، على عكس الرواية العربية التي بدأت في القرن العشرين، والتي بدت أكثر ارتباطا بصيغة الواقع العربي السياسي العام والشمولي، من منطلق أثر هزيمة يونيو/حزيران، ومن قبلها النكبة، وغير ذلك من الأحداث، لقد كانت روايات حيدر حيدر، إلياس خوري، نجيب محفوظ، غالب هلسا، وعبد الرحمن منيف وغيرهم متصلة بمنظور كلي، فمشهد البدايات كان معنيا ًبالتعبير عن القضايا الكبرى في العالم العربي، إذ كان يسعى لأن يكون جزءا من المشهد الكلي، لما كان يعرف بالهم القومي العربي، والقيم النضالية الكبرى، بيد أن الكتابة المعاصرة بدت منشغلة بقضاياها الخاصة الضيقة على مستوى القطر الواحد، فالسرد يذهب إلى البحث في مشاكله التي صاغها تقييد مجتمعي وسياسي لعقود خلت، وهذا ما يعلل بانفجار الكتابات التي تحاول أن تبدو شديدة العناية بتقديم العوالم الداخلية للإنسان العربي في بعض البلدان التي تبحث عن هويتها الخاصة، وترغب في التخفف من الرؤى الكبرى، ولعله يفسر محدودية الكتابة السردية العربية على المستوى العالمي.

فالرواية العربية ما زالت أسيرة نزعتها الأخلاقية القيمية، التي تعلي من القيمة الداخلية، أو تحاول أن تعدل فيها، وعلى الرغم من محاولة التجريب إلا إنها تبقى أسيرة المكون الداخلي الذي تسعى إلى بحثه.

روايات البوكر

ولنتأمل على سبيل المثال الروايات العربية الحاصلة على جائزة البوكر، حيث سنجد أنها روايات مناطقية منغلقة إلى حد ما، باستثناء روايتين لكل من إبراهيم نصر الله، ويوسف زيدان. لا شك في أن الرواية العربية قد تمكنت من تحديد إشكالياتها المعاصرة، ولكنها في المجمل إشكاليات ذات طابع داخلي، مجتمعي، لم تتمكن إلى الآن من التعالي لتحديد منظور إنساني رحب، وهذا ما ينسحب على أعمال تسعى إلى توجيه سهام النقد إلى الممارسة الاجتماعية، إنها رواية مباشرة تنهض على مستوى توصيفي في المقام الأول، وهي تحاول أن تبحث في القيم، أو كيف يمكن أن تعيد صوغ القيم التي لطالما نظرنا إليها بوصفها أمراً ثابتا، غير أنها سرعان تذهب إلى الارتداد نحو الداخل، إلى معاني الماضوية، والتوجس من العوالم الطارئة، والحرص القيمي، والبنى الأخلاقية، وهيمنة الذكورة. فالرواية العربية على الرغم من محاولتهـــــا أن تتقصى مضامين جديدة، غير أنها ما زالت أسيرة نزعتها الأخلاقية القيمية، التي تعلي من القيمة الداخلية، أو تحاول أن تعدل فيها، وعلى الرغم من محاولة التجريب إلا إنها تبقى أسيرة المكون الداخلي الذي تسعى إلى بحثه، وتعديله؛ لأن المجتمعات العربية لم تنضج بعد.

السرد المعاصر

وهكذا نستنج بأن السرد العربي المعاصر، ولاسيما موجة الكتاب الناشئين في ظلال التقنية، تميزت كتابتهم بعدة ملامح، منها الاتصال بالبوح، أو التعبير الفائض عن واقعية الطرح، وقيمته الفكرية وتمثلها روايات متهافتة تجارية تسعى إلى تمثيل مجتمع ينطوي على الكثير من المسكوت عنه والمجهول، ولكن هذا لا ينكر وجود روايات أخرى متقدمة على صعيد التشكيل والفكر، غير أنها بدت أسيرة واقعها الداخلي، والمنتج القيمي الذي صاغ خطابها، وهذا لا بد أن يقود إلى انحراف في تطور المعالجة، والموضوعات، ولكن بعد أن تستنفد الرواية واقعها المتصل بالثابت، وهذا لن يتحقق إلا بخلخلة البنى السائدة التي جاءت نتيجة تراكم ثقافي اجتماعي نفسي، سعى بكل ما أوتي من قوة إلى المحافظة على النسق القيمي، ومقاومة التهديدات الطارئة، ولكن ضمن موضع جدلي اشتغل على نسق معاكس مما يعني جدلية الكتابة السردية المفرغة، أو التي في ظني ما زالت غير مفارقة للكتابة التقليدية بشكل عام، حيث تنساق نحو التوصيف والتمثيل عن القضايا، ومحاولة طرحها، ولكنها في المجمل تبدو غير معنية بتأمل ذاتها، والانطلاق من فلسفة واضحة، تحمل قدرا كبيرا من الفكر، ولاسيما في عالم تخلص من معضلة التحولات، وتوصيفها.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية