في حياتنا اليومية أنماط من الخطابات متنوعة منها ما يتطور سريعا كالخطاب الإشهاري، ومنها ما يحافظ على طابعه التقليدي كالخطاب الغرامي والخطاب الديني. سنهتم في هذا المقال بالحديث عن الضرب الأول من الخطابات المتطورة سريعا، بالتركيز على شكل من أشكال تطورها وهو الذي يسمى Storytelling الذي نعربه في هذا المقال باسم السرد الإشهاري.
الحق أن عبارة سرد إشهاري ليست تعريبا حرفيا للعبارة الإنكليزية، فتعريبها الحرفي هو السرد القصصي أو الحكي، وما جعلنا نميل إلى ربط عبارة سرد بالإشهاري (أو الإعلاني أو الدعائي ) هو أن هذا المصطلح راج في سياق تجاري مخصوص، هو سياق الإعلانات التي تشهر السلع أو المنتجات، أو ما شابهها من أشياء أو أفكار يسعى الساهرون على صناعة الدعاية لها، إلى نشرها في سياق التسويق Marketing لغرض ربحي في الغالب.
تعرّف المعاجم الأجنبية السرد الإشهاري على أنه أسلوب قصصي يعتمد في سياق تجاري، ويتكون من سرد قصة لها علاقة بالمنتوج المعلن. فهو إشهار لا يسرد وقائع بغرض المتعة الفنية، بل تروى أحداث خيالية أو حكايات يتداخل فيها الواقعي بالخيالي والفني بالنفعي، وقد تؤدي بالمستمع/ المشاهد إلى أن يتردد بين أن يؤمن بواقعيتها، أو أن يردها إلى مرجعية خيالية ممكنة الوقوع. يمكن أن يكون المنطلق في هذا القص الإشهاري تجربة معيشة لكن يضفى عليها شيئا من الاستعارات أو التخييل يجعلها تغادر واقعيتها وتسافر بالخيال إلى عوالم أخرى قد تصل حد العجيب. السرد في هذا السياق أسلوب يعتقد أنه يخدم البضاعة ويؤثر في المشتري المستهلك أكثر مما يؤثر فيه الخطاب البسيط. منطلق السرد الإشهاري أمران أحدهما عام والثاني تقني أو علمي. يتمثل الأول في أن السرد خطاب محبوب يعشقه الصغار والكبار، ونجده في كل تفاصيل كلامنا اليوم فما من حديث إلا وتخرقه حكاية، أو يكون في أصله حكاية. وأما المبدأ العلمي فيعود إلى سبعينيات القرن الماضي حين دخل إلى الخطاب العلمي مصطلح نظرية السردية مع غرايماس Greimas وأمبرتو إيكو Eco . وعلى الرغم من اختلاف غرايماس وإيكو في تحديد هذه النظرية السردية، إلا أن الجامع بينهما هو الاقتناع بأن السردي ليس نوعا مخصوصا من الخطابات، أو ليس كما نقول اليوم في نقدنا العربي المتسامح جنسا أدبيا؛ بل هو شكل عميق يمكن أن نجده في كل خطاب.
بناء على ذلك فإن الخطاب الإشهاري يمكن أن يحوي شكلا عميقا هو الشكل السردي، وبهذا فإن إخراج هذا الشكل من عمق الخطاب إلى سطحه هو مسألة إعادة توزيع أو استغلال وليست عملية مبتدعة. لنضرب مثلا على ذلك قصة إشهارية لعلامة عصائر بريطانية تستعمل الحكاية الموالية: «نحن نصنع مشروبات لذيذة وطبيعية 100٪ ونحاول أيضا أن نمتعكم بالطرائف (كقولنا إن نسبة النجاح المحققة للمشروب 53.99٪). لقد بدأ كل شيء في عام 1999 في مهرجان موسيقي مع ثلاثة فتيان ممن يلهث شعرهم عند مهب الريح، كانوا قد تخرجوا حديثاً. ابتاع الفتيان خمسمئة رطل من الفاكهة الطازجة. وبها طوروا عصائرهم الأولى وعرضوها على الجمهور للتذوق، وكتبوا على معلقة كبيرة: «هل ينبغي لنا أن نترك وظائفنا الحالية كي نبعث (مؤسسة لبيع) المشروبات الصحية؟». طلب من كل متذوق للعصائر أن يلقي بالكأس في إحدى سلتين للمهملات واحدة تحمل علامة (نعم) والثانية علامة (لا). امتلأت سلة مهملات نعم وهكذا استقال الشبان من أعمالهم وأسسوا شركة للعصائر الطبيعية التي حملت اسما تعريبه (بريء: لن نذكر العلامة الأصلية لأسباب إشهارية).
الخطاب الإشهاري يمكن أن يحوي شكلا عميقا هو الشكل السردي، وبهذا فإن إخراج هذا الشكل من عمق الخطاب إلى سطحه هو مسألة إعادة توزيع أو استغلال وليست عملية مبتدعة.
كان من الممكن أن تعتمد الشركة خطاب إشهاريا عاديا يعرف بالشركة بكلمات عادية أو محايدة من نوع أنها شركة مشروبات استهلت نشاطها عام 1999 وأنها تختص في صناعة العصائر الطبيعية الخالصة، أو غير ذلك من المعلومات. إلا أن السرد الإشهاري منح لهذه المعاني الأساسية قيمة إشهارية إضافية. وقد حافظت هذه الحكاية الإشهارية على عناصر السرد كالفواعل (الشبان الثلاثة) والعلاقات بينها ووضعية الانطلاق، لكنها لم تحتو عناصر سردية أخرى كثيرة من نوع العقدة، أو وضع الختام، وهذه عناصر غائبة عمدا، كأن القارئ/ المستهلك وهو المسرود له مطالب بأن يقبل على الشركة وكأنها مؤسسة وراء حكاية وفي هذه الحكاية عناصر مهمة منها ما ذكر، ومنها ما سكت عنه، وهو مطالب بأن يتمم هذه العناصر الغائبة كي يشارك في بناء الحكاية بالاقتراب لا بالقراءة، بل بالاستهلاك والمواكبة. فعلى سبيل المثال يمكن أن يعرف أن شركة عالمية كبرى للمشروبات الغازية ابتلعت هذه الشركة إذ اشترت 90٪ من أسهمها يمكن للقارئ في هذه الحالة أن يتأثر بأن يعجب ويواصل الاستهلاك، أو أن يتخذ موقفا في لحظات عصيبة كلحظاتنا العصيبة العربية بأن يقاطعها مثلا.
يعتقد بعض الدارسين أن صناعة الحكاية الإشهارية تعتمد على عناصر الإشهار الرباعية التي ضبطها المختص الأمريكي في الإشهار إلياس سانت إلمو لويس Elias St. Elmo Lewis في نهاية القرن التاسع عشر. وهي الانتباه Attention والفائدة Interest والرغبة Desire والعمل Action. وتعرف هذه الطريقة بطريقة آيدة AIDA وهي تركيب بين الحروف الأولى من المصطلحات السابقة ويمكن أن نعربها نحن أيضا بالطريقة نفسها بـ(إفارع). (أيدا أو إفارع) طريقة في التسوق قديمة إلياس لويسElias St. Elmo تبدأ بجلب انتباه المستهلك وهو القارئ هنا للسرد حين يعرف أن هناك قصة تحد وتغيير مسار لشباب مغامر روح مغامرته أنه يريد صناعة مشروبات لا عناصر كيميائية أو غازية فيها، فهو تصنيع يريد أن يعيد الشراب إلى طبيعته هذه هي المغامرة؛ والفائدة الحاصلة وراء ذلك تعني هذا القارئ المسرود له مباشرة، ففي الأمر صحة وحياة. والقص مع ذلك يحرك رغبة القارئ/ المستهلك في أن يجرب شرابا جديدا تعود أن يجده غازيا.
وأخيرا فإن الحكاية التي تشده ستحرك فيه روح العمل بأن يشتري؛ وأن يشتري بناء على حكاية يعني أن يشتري بناء على رد فعل بالتأثر بنص سردي لا يجعله يصفق للممثلين، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى جمهور المسرح، أو أن يخاف من مشهد مرعب إن كان يشاهد فيلما على الشاشة الكبيرة الصغيرة، أو أن يعجب بأداء ممثلة بديعة أو بجمالها؛ هو سيتأثر ويذهب إلى المحلات التي تبيع البضاعة ويشتريها. إن السرد الإشهاري في هذا السياق يقيم علاقة بين البضاعة ومن يسعى إلى اقتنائها، هي علاقة عاطفية لا مع البضاعة مباشرة، بل عبر قصة صناعتها.
لهذا التصور بعد عرفاني تحدث عنه ديفيد هارمان Herman في كتاب عن السرد الإشهاري عنوانه «السرد الإشهاري وعلوم الذهن» وفي مقال له عنوانه «الحكايات أداة للتفكير» وفيهما يرى الباحث أن السرد يساعد على بناء تصوراتنا عن العالم، وهي هدف لفهم تجاربنا في الحياة، خصوصا إذا علمنا أن القصص، وعلى الرغم من بعدها الخيالي تساهم في تشكيل الأكوان لا الخيالية وحسب، بل حتى الواقعية. أنا على سبيل المثال وحين أشرب قنينة من المشروبات الغازية قد لا أفكر في أنها مشروبات غير طبيعية بل لا يوجد شيء في ذهني اسمه شراب طبيعي أو غير طبيعي، ربما كان في ذهني أنه شراب حلال أو حرام بحكم انتمائي إلى ثقافة دينية محافظة، وربما لا أعرف على سبيل المثال أن النسب التي تقدم لنا عن بيع هذا الشراب هي نسب يمكن أن تكون خيالية أو فيها نكته أو مزحة، أو قل ضحك على الذقون. حين أقرأ السرد الإشهاري سوف تحدث لديّ انطباعات جديدة عن الشراب الطبيعي الحقيقي، وغيره من الشراب وسوف أراجع قلة شكي أو عدمه في النسب التي تقدم إليّ على أنها أرقام مقدسة سوف أقبل الكذب على أنه كذب حلال.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية