عندما ننظر إلى السرد، ونبحث عنه في خضم مرحلة التأسيس والتكوين في العصر الجاهلي، بوصفه العصر الأساسي لتكوين الثقافة العربية، الذي تُوّج بالإسلام، فإن الشاهد فيه أنه مستخدم على نطاق يومي وأيضا إبداعي بشكل واسع، وأحيانا يتداخل اليومي مع الإبداعي حين يعبر المبدع سرديا عن مواقف وأحداث عايشها، وأحيانا يكون التعبير اليومي إبداعيا، عندما يقص العربي ما شاهده أو قرأه أو سمعه، فيعيد إنتاج الإبداع بطريقته الخاصة، وبأسلوب يخالف، أو يوافق ما تلقاه، ونحن نرنو لكل هذا بأعين عديدة: عين جمالية تبحث عن التشكيل الجمالي لتلك السرديات، وعين إخبارية حسبان أن السرديات الواردة من العصر الجاهلي تمثّل أخبارا في حد ذاتها، تفيد المؤرخ واللغوي وغيرهما، وعين ثقافية تدرس النفسية الفردية والجماعية، والأبعاد الفكرية والاجتماعية، إلخ.
ربما يقول البعض إن هذه خاصية إنسانية، يشترك فيها عموم الناس تقريبا، ونجدها في سائر المجتمعات، حيث بداياتها شفاهية، ثم تحولت إلى الكتابية، وهذا صحيح قطعا، لكن تأسيس الثقافة العربية في أصولها، ليس كما يظن البعض أن الشعر أساسه، وإنما الشعر أحد أعمدته، أو بالأدق النموذج الإبداعي المتبنى ثقافيا من قبل العرب في جاهليتهم، فقد رأوه الشكل الإبداعي الأمثل للتعبير عن تصورتهم للوجود، وأحداث حياتهم، ومشاعرهم، ويومياتهم، وهذا لا يمنع من وجود أشكال أخرى عبّرت عن حياتهم، وببلاغة عالية، مثل المسرودات، والخطب، والأمثال، وقصص أيام الجاهلية، ورحلات القبائل، ومعاركها وطرائفها ومتمرديها من الصعاليك، وحكايات العشق، وكثير منها مختلط بالشعر.
غير أن الشواهد والأخبار التي تثبت أن الإسلام لم يهمش التراث الجاهلي برمته أكثر من أن يتسع لها هذا المجال، صحيح أن الشريعة الجديدة والعقيدة الجديدة كانت في بؤرة الانتباه حتى ترسخ في الأذهان، فالقرآن الكريم الذي تنزل في مكة طيلة ثلاث عشرة سنة، كان يعالج مواضيع العقيدة كالتوحيد والإيمان بالله بقدرة الله المطلقة والاعتبار من الأقوام السابقين الذين كذّبوا رسلهم وحكاية الأخبار عن الأنبياء السابقين، لذلك فإن الذي هُمّش هو فقط التراث الوثني، فليس في الشعر المروي عن عهود الجاهلية ما يشيد بالآلهة والعادات المرتبطة بالديانة السائدة في الجزيرة العربية، وأمر التراث الوثني ومحوه أغلبه، أمر مشكوك فيه، فما ذكرته كتب الرواة التي وصلت إلينا كثيرة وليست قليلة، ما يجعلنا نتعرف على صورة شبه مكتملة عن الحياة الدينية والعقيدية في الجاهلية، وإن كانت نُقِلت إلينا دون تفاصيل كثيرة، خاصة الأشعار والقصص الدالة المادحة للأوثان، ويظل الحكم رهينا بما توافر إلينا من كتب، فالمفقود كثير، حيث تحدثنا الكتب مثلا أن رجلا مثل هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي، ألّف حوالي (141) كتابا، في مختلف جوانب الحياة في الجاهلية، فله كتب في المآثر والبيوتات والموؤدات، ثم في أخبار الأوائل السابقين ومن قارب الإسلام في الجاهلية، ثم في أخبار الإسلام والبلدان والأشعار وأيام العرب، ثم في الأحاديث والأسمار، وغير ذلك من موضوعات العربية، ومع ذلك لم يصل إلينا من هذه المصنفات إلا كتاباه: «الخيل في الجاهلية والإسلام» و«كتاب الأصنام».
غير أن الشواهد والأخبار التي تثبت أن الإسلام لم يهمش التراث الجاهلي برمته أكثر من أن يتسع لها هذا المجال، صحيح أن الشريعة الجديدة والعقيدة الجديدة كانت في بؤرة الانتباه حتى ترسخ في الأذهان.
ووجدنا معلومات منقولة عن كتبه مبثوثة في ثنايا كبار المؤلفين والمؤرخين القدامى أمثال، المسعودي، والجاحظ، وكذلك طائفة من شيوخ الأخلاف مثل: ياقوت الحموي، وعبد القادر البغدادي، وإن تحفظ عليه كثيرون من علماء الحديث والسنّة، لكن الذهبي صاحب كتاب «طبقات الحفاظ» وابن العماد الحنبلي صاحب «شذرات الذهب» يشيران إلى أن الكلبي متروك الحديث (أي لا تؤخذ عنه رواية الأحاديث النبوية الشريفة) لكنه حافظ إخباري علامة، فهو من جهابذة العلماء والرواة، وموسوعة تاريخية وجغرافية، وكان يحتاط في النقل والرواية، كما يقول عن نفسه، وأنه حفظ ما لم يحفظه أحد من قبله، ويروي أنه حفظ القرآن في ثلاثة أيام، ما يدل على حدة ذكائه وقوة ذاكرته.
أما كتاب «الأصنام» لابن الكلبي، فهو يتتبع تاريخ دخول الأصنام إلى بلاد العرب، على يد عمرو بن لحي، وكيف استقدم صنما من بلاد الشام إلى مكة، فنصبه فيها، وتطرق إلى أمر إساف ونائلة، وكيف مُسخا إلى حجرين عندما فجرا في الكعبة، ويعرض ما وصل إليه من شعر العرب وأقوالهم، ويحدد مواقع الأصنام، وكيف جُلِبت، وكل هذا من منظور الإسلام، فيشير دوما إلى النعمة العظمى التي منّها الله على العرب بالإسلام، مقارنا بما عبده السابقون من أحجار مثل هبل، ومناة، ويغوث ويعوق ونسرا، والعزى، وما استقسموا من أزلام، كما يشير إلى دخول اليهودية والمسيحية إلى بلاد العرب، ومن آمن بها، ويعرض لما رواه المسلمون عن أنفسهم وما اعتقدوه في الجاهلية. فالكتاب السابق يحوي معلومات موثقة بالرواية الشفاهية، تستقصي المواقف والأشعار والحكايات والقصص، ما يجعلنا نكوّن صورة مكتملة عن الحياة الدينية قبل الإسلام، لا تشمل الأصنام فقط، فالعنوان قاصر عن تغطية مضمون الكتاب، وإنما يشمل كل المعتقدات والخرافات السائدة في الجاهلية. وهذا لا يمنع من وجود وعي بالكتابة لدى أهل الجاهلية، خاصة الشعراء والخطباء، أو بالأدق النخبة من أهل الجاهلية، فقد استعملوها على نطاق ضيق في الحواضر للبيوع والمكاتبات، بل إن هناك من الشعراء من عرف الكتابة ودوّن بعض قصائده، مثلما روي عن عدي بن زيد، لكن الشفاهية ظلت أساسا في الحياة الأدبية عامة، وكانت السبيل الوحيد لانتقال نصوص الشعر والخطبة بين القبائل، إما في الترحال عبر القوافل والمرور بمضارب القبائل، أو بفضل الأسواق التي كانت تعقد على هامشها مهرجانات شعرية مثل، سوق عكاظ، أو عبر آليات الحفظ الزمنية، بفضل الرواة الذين امتلكوا ذاكرة قوية للحفظ الشفاهي، جمعت بين سرعة الحفظ، ودقته، وكان من هؤلاء الشعراء أنفسهم، وكما تحدثنا بعض المرويات، فقد كان لكل شاعر راوية معجب بشعره شديد الحفظ له، أو عدة رواة تابعون، وقد ورد أنه كان لزهير راويته ونجله كعب الذي أدرك الإسلام وأسلم، وأن زهيرا نفسه كان راوية لأوس بن حجر وكان الحطيئة راوية لزهير وآل زهير، والأمر نفسه نجده في كثير من النصوص الأدبية مثل، الخطبة والحكم والأمثال، مثلما كانت لديهم المقدرة على حفظ الأقوال، وسرد الأحداث والوقائع بدقة، ومعرفة الأنساب والشخصيات، وكثير من العلوم والمعلومات التي احتاجتها الحياة الجاهلية.
فلما جاء التدوين، اعتمد على آليات عديدة للتوثيق، وإن حافظ على الطبيعة الشفاهية المنقولة، وهذا ما جعل المسرودات والأيام والأخبار تبدأ في كثير منها بكلمات دالة على السرد مثل: حكى لنا، يحكى أن، حدثنا، روى عن، روى لي، يُروى أن، سمعنا، أخبرنا، قص لنا، قص عن.. إلخ، ما يؤكد طبيعة الحكائية المميزة للحياة العربية قبل الإسلام وبعده، وكذلك في سائر العصور التالية، فالشفاهية كانت وظلت واستمرت ومازالت جزءا أساسيا من حياتنا.
فليس من المقبول علميا أن كلاما شفاهيا يتحول إلى كلام كتابي بمجرد تدوينه، فللكلام الشفاهي سماته الخاصة، التي من أهمها التلقائية والعفوية والترقيعية، أما الكتابي فهو فكر مقنع مؤثر في لغة متماسكة فنيا.
٭ كاتب مصري