د. علي الص
كربين الفنانين العراقيين المبدعين جواد سليم ومحمد غني حكمت الكثير من الصفات المشتركة. تخرج كلاهما من معهد الفنون الجميلة بفترة متقاربة فهما من جيل واحد تقريبا (ولد جواد عام 1921 ومحمد عام 1929) وسيسافر كلاهما إلى ايطاليا ثم إلى فرنسا لإكمال الدراسة والاطلاع عن كثب على معطيات الحداثة في مهدها وسيؤسسان معا جماعة بغداد للفن الحديث عام 1953مع شاكر حسن آل سعيد ونزيهة سليم وآخرون. وسيعاني كلاهما نفس الحيرة والتردد بين الرسم والنحت ليجد نفسه أحيرا في النحت حيث سيرتبط اسم جواد ب ( نصب الحرية ) الشهير الذي ينتصب في ساحة التحرير في قلب بغداد تخليدا لثورة الرابع عشر من تموز 1958 ولكن الفارق الزمني بين موتهما غير يسير إذ أن جواد سليم سيرحل مبكرا ( عام 1961حتى قبل أن يرى نصبه قائما على الأرض ) بينما سيستمر محمد غني حكمت يزين ساحات بغداد بنصبه وتماثيله وجدارياته ويدرس مادة النحت في أكاديمية الفنون الجميلة حتى رحيله في الثاني عشر من سبتمبر من عامنا هذا.
في أكثر من مناسبة يبدي محمد وجواد انبهارهما و تأثرهما بالتراث النحتي الثر في العراق القديم متمثلا بالرقم والنقوش والجداريات السومرية والبابلية والآشورية ثم العمارة الإسلامية الفريدة المتمثلة في آثار الدولة العباسية المزدهرة ما بين بغداد وسامراء وأنحاء أخرى من العراق وقد لاحظ نقاد التشكيل العراقي بوضوح أن هذا التأثر والانبهار سيكون أحد أبرز المشغلات لفنهما الحديث. تقوم النقوش و المنحوتات العراقية القديمة بتسجيل الوقائع الحربية والانتصارات و يتميز الشخوص فيها بالقوة البدنية والحركة العسكرية مثلما تتميز بحضور لافت للحيوان كرمز ايجابي للتفوق والقوة الهائلة والانتصار على الخصم ( أسد بابل والثور المجنح مثلا، وسيوظف جواد هذا الرمز في الحصان الجامح في نصب الحرية كرمز لجموح الشعب الثائر ) . وسيبقى محمد غني حكمت مشغولا ببغداد التاريخ عاصمة الخلافة العباسية والدولة الإسلامية الشاسعة على مدى خمسة قرون معمقا صلته بتراثها الحكائي الوفير حيث تدور أحداث حكايات ألف ليلة وليلة. وسيرتبط اسمه أيما ارتباط بما يعرفه العراقيون اليوم ب ( الأربعين حرامي ) وهو تمثال لفتاة تحمل جرة وتصب منها سائلا على مجموعة من الجرار تحيط بها في تجسيد لأحد أكثر حكايات ألف ليلة وليلة شهرة وهي حكاية ( علي بابا والأربعين حرامي ) و هي حكاية عن حطاب فقير يسمع بالصدفة كلمة السر التي يستعملها اللصوص لفتح المغارة التي تحتوي على الكنز ( افتح يا سمسم ) فيفتح المغارة ويستولي على الكنز، يستدل اللصوص على بيت الحطاب ويقرر كبيرهم قتله فيخبئ اللصوص بالخوابي ( الجرار ) ويتنكر كتاجر يحل بضيافة الحطاب تدخل الجارية مرجانة المطبخ لتعد العشاء للضيف وتكتشف أن الجرار تخبئ رجالا وليس زيتا فتقضي على جميع اللصوص بصب الزيت المغلي على الخوابي ثم تطعن كبير اللصوص فتقتله وتنقذ سيدها الذي يكافئها بتزويجها من أبنه. يقتنص الفنان محمد غني حكمت ذروة السرد في الحكاية ( حادثة صب الزيت على الجرار ) ليسجلها تسجيلا أخاذا يتمثل في حركة الجارية الرشيقة المتناسقة. ويعبر انسياب الماء ( الزيت ) المتواصل ليل نهار عن تواصل السرد وتدفقه اللانهائي المشوق الذي سيبقي على حياة شهرزاد وبالتالي بنات جنسها. يتوفر للتمثال فضاء بصري وفيرو تزينه الأزهار بإطار دائري في تقاطع شارع السعدون مع مدخل حي الكرادة.
غير بعيد عن ساحة الأربعين حرامي، في شارع أبي نؤاس وعلى ضفة نهر دجلة سيعود الفنان محمد غني حكمت لتمثيل شهرزاد الراوية نفسها في عمل برونزي آخر هو ( شهرزاد وشهريار ) حيث يتكأ شهريار بهيبة ملوكية على أرضية أنيقة من المرمر بينما تقف شهرزاد قبالته محركة يديها كعادة المتكلم ( الصوت كان حاضرا أيضا على جهاز تسجيل ) وسيكون جريان الماء في دجلة الخالد هو المعبر عن تدفق الحياة الموصوفة في السرد هذه المرة. و غير بعيد أيضا لكن في جانب الكرخ ( عند مدخل فندق الرشيد ) سيعود النحات أيضا إلى حكاية شهيرة أخرى من حكايات ألف ليلة وليلة في جداريه ( السندباد البحري ) . في الجانب’الواقعي من أعماله أيضا يلجأ الفنان حكمت إلى توظيف حركة الجسم البشري كناية عن السرد. في تمثال المتنبي مثلا ( الذي أزيح الستار عنه في ألفية المتنبي في حديقة المكتبة الوطنية في الباب المعظم أولا ثم نقل إلى إحدى ساحات حي الأعظمية ) تكون تقاطيع الوجه حادة و يشير المتنبي بيده إلى صدره معبرا عن الغرض الشعري الأثير لديه والذي امتاز به عن باقي شعراء العربية: الفخر بينما تتطاير عباءة الشاعر بفعل الريح العاتية وهو يقف على أرضية من الحجر المتراكم في غير انتظام كرمز للفترة السياسية المضطربة التي عاشها الشاعر و وكرمز لقلق الشاعر نفسه وهمومه التي أفصح عنها مرات عديدة في شعره. التجريد بكل إغراءاته لم يجتذب الفنان حكمت كثيرا فظل لصيقا بالواقعية واتخذها منهجا لإخراج مشروعه الفني و رؤيته لتراث بلده إلى حيز الوجود إذ يقول عن نفسه: من المحتمل أني’نسخة أخرى من روح نحات بابلي أو سومري أو آشوري… أو عباسي كان يحب بلده.
كاتب من العراق[email protected]