رواية «حدائقهن المعلقة» لنجمة إدريس، من الروايات اللافتة في طرحها لعدد من القضايا الإنسانية المهمة، مثل المنفى والاغتراب والذاكرة، والفضاءات والأمكنة المتعددة، بين الشرق والغرب.
من العنوان يتضح أن الرواية تشتغل على القضايا النسوية، وتعالج الهم النسوي بشكل مكثف، ومن منظور نسوي، ولا سيما أن نجمة إدريس من الناقدات اللاتي يهتممن بالنسوية، ولديها وعيها وإدراكها الخاص الواضح في مقالاتها النقدية ونصوصها الشعرية ودراساتها الأدبية. ولكن بعد القراءة اتضح أنها عرضت لحياة نساء الشرق بطريقة اعتيادية، تبتعد قليلا عن توظيف الإشكاليات السوسيوثقافية التي تمر بها المرأة العربية بخلاف ما يوحي به العنوان.
اللافت في رواية «حدائقهن المعلقة» أنها تسرد يوميات المغتربين العرب، وتوثق لتحولات إدراكهم وتصوراتهم وأوجاع المنفى اليومية، التي تجعل من أي عربي فرد من أفراد أسرتك ترتمي عليه ليحمل معك هموم الغربة، وصعوبة الحياة. وفي الوقت نفسه، نجدها لم تقدم رؤية حالمة للغرب، بل رؤية موضوعية للبريطانيين: «يظلون ينظرون إلى المغتربين العرب أمثالها على أنهم «غير مستوفين لشروط الجودة البريطانية العالية» مهما أظهروا من مهارة وتفان».
هنا، سوف يتم تسليط الضوء على السرد والذاكرة وهوية المرأة والهوية الهجينية: الاقتلاع والشتات. لقد عاد بطل رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى قريته النائية حاملا سره وتفاصيل غربته بوعيه، وذاكرته المثقلة، وهكذا اكتشف غربته من خلال اكتشافه لحكاية مصطفى سعيد، إذ يقول السارد عن غريمه مصطفى سعيد في نهاية الرواية: «إنه الحقد ها أنذا أقف الآن في دار مصطفى سعيد أمام «باب الحديد». باب الغرفة المستطيلة المثلثة السقف الخضراء النوافذ، المفتاح في جيبي ، وغريمي في الداخل على وجهه سعادة شيطانية لا شك؟ أنا الوصي والعاشق والغريم». (الرواية) عودة سارد رواية «موسم الهجرة إلى الشمال هي عودة كل طالب منا، كل طالب يعود من الغربة، وأنا من بينهم، لا يعود كما كان وتبقى رحلته مسجلة في الذاكرة، وقد تكون حديقة معلقة إلى حد ما. كما أنه يعود ليس كما كان صافيا نقيا، بل يعود بينيا مختلطا مثل اختلاط البرتقال بشجر الليمون فيكون شجرا هجينا، الذي يعاني من الاختلاط والاقتلاع والازدواجية، إما بمعنى التعدد والتنوع الغني الخصب أو بمعنى البحث عن الخلاص.
بطلات رواية «حدائقهن المعلقة»، منال وسهام ونجوى وأروى وسمحية، نساء شرقيات من أوطان عربية متعددة: الكويت، مصر، الأردن، ليبيا، فلسطين واليمن. يحملن هوية عربية ذات تقاسيم واحدة متشابهة وإشكاليات ومآزق واحدة.
لقد مثل بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» حالة مثقف ما بعد الاستعمار، الذي يحاول أن ينتقم من تلك القارة البيضاء، من خلال غواية نسائه وقتلهن، بينما كانت رواية نجمة إدريس تعالج موضوع الغرب والشرق، برؤية أكثر تصالحية، بعد ما يزيد على الستين عاما من استقلال بلدها عن الوصاية البريطانية، فلم تكن تحمل في نفسها على المجتمع الإنكليزي، ما حملته بلدان أخرى في الوطن العربي ذاقت ويلات الاستعمار البريطاني، لذلك نجد الرواية تتبنى وجهة النظر المابعد حداثية في موضوعات الهوية التي تكون بين هنا وهناك.
بطلات رواية «حدائقهن المعلقة»، منال وسهام ونجوى وأروى وسمحية، نساء شرقيات من أوطان عربية متعددة: الكويت، مصر، الأردن، ليبيا، فلسطين واليمن. يحملن هوية عربية ذات تقاسيم واحدة متشابهة وإشكاليات ومآزق واحدة. الحب والزواج والطموح، والعيش بحرية وانطلاق. تمثل النساء حالة من الهجنة، والتعلق بين الشرق والغرب، بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية. نساء غريبات لا ينتمين إلى الشرق أو الغرب، إذ يشبه سلمان محبوبته أروى بطبيعة مدينة لندن: «طبعا. لندن مدينة غامضة ومغرية. لا أدري أيكما تشبه الأخرى». أما شخصية سهام فترد على أنها المرأة المحبة للسفر والتنقل بين الأمكنة، محبة للسفر والحرية والانطلاق: «هي بروحها المتطلعة إلى الذهاب بعيدا، الهائمة بالسفر والترحال والاكتشاف، وإنضاج العقل والحواس على مهل».
بين أزمنة وأمكنة متعددة، ترصد الرواية للتطورات التي مرت بحياة الصديقات اللاتي جمعتهن حياة لندن قسرا وجعلتهن يتعايشن ويخلقن أجواء الأسرة الواحدة. يلاحظ أن الرواية هي رواية يوميات مغتربات، يتطورن بفعل الزمن تطورا إنسانيا طبيعيا، بعيدا عن التطور الفكري والأيديولوجي، وكأن نجمة إدريس في «أسلوبها المتأخر» تتخفف كثيرا من الأفكار والأيديولجيا، وأرادت بحق أن تبحث بعمق عن المواطنة العربية البسيطة، التي تريد أن تتخفف من كل هذه التركة الثقيلة التي ورثتها من الأسلاف. تبدو هذه الرواية مشغولة بالهموم الإنسانية اليومية، ولم ترصد للتطورات الفكرية والمعرفية، لهن، أو تحول وجهات النظر، بناء على التجارب التي تمر بها النساء. ومن المفارقة الحادة، أننا نجد منال الأكاديمية بينهن من الكويت، وهي التي كانت أكثرهن حظا في فرص التعليم والظروف الاجتماعية والاقتصادية، لا تختلف عنهن في الوعي والإدراك، يبدون جميعا كنساء متشابهات في الأحلام والآمال والطموحات، يبحثن عن الحرية المسؤولة، والزواج غير التقليدي، ولكنهن يبدون بعد هذه السنوات من العيش في بلد الحرية، وكأنهن يخضعن لشروط حياة مجتمعاتهن التقليدية، فمنال الأكاديمية، تخضع للطقوس والعادات والتقاليد نفسها، وتتزوج بطريقة تقليدية، كما سيتضح في جزء لاحق من هذه الدراسة.
السرد والذاكرة والاستدعاء
كانت الذاكرة هي حجر الأساس في كتابة الرواية، من خلال الحوار بين شخصيتين أساسيتين في الرواية بفكرة بدأت بها منال، تطلب من سهام تحديدا، وسهام بالذات لأنها هي التي جمعت شمل الرفاق والفرقاء بظروفهم الحياتية المتعددة وشتاتهم من بلدان متعددة وذاكرة محملة بآثار الحروب والصراعات. اجتمعت الصديقتان لنبش تفاصيل الماضي، تلك الفترة التي كانت رائعة واستثنائية بالنسبة لمنال، حيث تعودان إلى فترة الدراسة، مثل أي طالب درس في الخارج، تبقى هذه التفاصيل عالقة في ذاكرته، مثل الحديقة المعلقة عند نجمة إدريس، التي تقارب تلك الفترة التي درست فيها الروائية التي حاولت أن تستبدل باختيار تخصص مخالف للبطلة، وهو علم الأحياء البيولوجي، الذي لم نر تأثيره حقيقة على شخصية البطلة كثيرا، فمنال ينشط عندها الفص الأيمن أكثر بكثير من الفص الأيسر.
يبدو أن ضمير الغائب يتوافق مع قضية أنهما تتحدثان عن نفسيهما في الماضي، انقسام الذات إلى آخر، عند محمود درويش، تريان نفسيهما في الماضي، بهذا الانقسام.
ولكن هذه قضية أخرى، فإن كانت البطلة نجمة أم منال، فنحن نصل في المحصلة، إلى رؤية طالبة كويتية مغتربة، آثرت أن تستدعي تجربتها في الغربة، والبحث عن تقاطعات الأمكنة والأزمنة، والعلوق بين مكانين وثقافتين، شكلا الفضاء الثالث للهوية «Hybrid Identity» لبطلات الرواية، اللاتي علقن بين مكانين حالهن حال درويش عندما يقول:
«أنا من هناك. أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا»
تبدأ فكرة الرواية برسالة تبعثها منال إلى سهام تقول منال في بداية الرواية: «الآن أفكر في أن أكتب عن شيء آخر لا يمت إلى ذلك بصلة؛ أن أكتب عنا وعن سير حيواتنا وهي تعبرنا بلا رجعة. أحاول أن أصطاد الأيام وأجمعها في شبكة؛ أحصيها وأصفها في ذاكرتي كمسبحة». تبحث منال فكرة العودة إلى الذات من خلال الكتابة، لكأن الكتابة سلمها اللولبي نحو الغيمة، ولكن هذه العودة لن تكون عودة انفرادية، بل الساردة تستعين بصديقتها سهام من خلال الرسائل، وهي نقطة لها دلالة مهمة. من أكثر من جانب: الجانب الأول هو: إن منال ليست واثقة من ذاكرتها فتريد من صديقتها أن تلم الشتات قائلة لسهام: «حكايات تحتاج إلى جسور وخيوط تلم شتاتها كما تلم آصرة النسب المنفيين في الأرض». والأمر الثاني: هو إن سهام على دراية كبيرة بتفاصيل أكثر عن الأصدقاء، لذا ستنطلق في السرد بموثوقية أكبر بكثير من منال التي كانت طالبة تقضي أغلب يومها في الجامعة، في المختبرات العلمية، بينما سهام لطبيعة عملها، واستقرارها في لندن، لديها قدرة أكبر على لملمة شتات الحكايات الهامشية للأصدقاء، كما أن شقتها الصغيرة المتواضعة مكان حاضن للرفاق، كما تقول الساردة: «في شقة سهام تحضر الجذور بقوة، وتحضر إربد وعمان والسلط سهام لاتزال تبقى رهن أعراف العشيرة والعائلة، هكذا من دون صدام أو مساءلة».
إذن ساهمت الرسائل بين الصديقتين في استدعاء وكتابة الحكاية. من اللافت أن يكون عدد المراسلات بينهما ست رسائل إلكترونية عبر البريد الإلكتروني، يعلقان ويؤكدان المعلومات والتفاصيل، بتوافق كبير ورؤية مشتركة لأحداث الماضي، بحنين لتلك اللحظات الهاربة، وبخوف أعظم من نسيان تلك المرحلة المشكلة لذاكرة الأصدقاء. ونجد السرد رغم حداثة الأسلوب واستخدام التقنيات، مثل تقنية الإيميل، قدم من خلال ضمير الغائب، وفيه دلالة مهمة تحتاج الفهم والتفسير، ربما يكون استخدام ضمير الغائب وجيها ومناسبا، عندما يتحدث السرد عن شخصية كل من نجوى وسميحة وهشام وأروى، ولكن عند الحديث عن منال وسهام يفترض أن يكون السرد من خلال ضمير المتكلم، لكن يبدو أن ضمير الغائب يتوافق مع قضية أنهما تتحدثان عن نفسيهما في الماضي، انقسام الذات إلى آخر، عند محمود درويش، تريان نفسيهما في الماضي، بهذا الانقسام. أما السبب الثاني، فهو العلاقة الحميمية مع متعلقات وتفاصيل الماضي المرتبط بالذاكرة وعلاقتها الحميمة بـ»الهو» الفرويدي الشهير.
ختاما، من يقرأ رواية «حدائقهن المعلقة» لنجمة إدريس، وروايتي «صمت يتمدد»، و«الورد لك الشوك لي» لسليمان الشطي يتساءل عما فقدته الرواية الكويتية بسبب تأخر كتابتهما للرواية زمنيا، أظن أن الرواية الكويتية حتما كانت ستكتسب المزيد من وهجها وتألقها على المستوى الفني والموضوعاتي.
٭ كاتبة كويتية