نجت أجيال النقد السابقة من كثير من أفانين الانتحال، لما كان للكتاب الورقي من دور في استقصاء المعلومة والبحث عنها. ومن ثم لا يستطيع أيُّ دارس أن يقفز على الأفكار فينتحلها، ومن يفعل ذلك، يعد سارقا. واليوم تنوعت وسائل البحث الإلكترونية، وتعددت أفانين السرقة من لدن دارسين يتبعون طرقا غير مشروعة، استسهالا حينا ورغبة في بلوغ الأهداف بأيسر السبل حينا آخر، معتاشين طفيليين يصعدون على أكتاف الباحثين الأصلاء من أصحاب الجهود الحقيقية. ولا شك في أنَّ أكثر الباحثين الذين يتعرضون لآفة تحوير الأفكار وتدويرها هم أوفرهم نتاجا، وأكثرهم همةً في ملاحقة الجديد. فتجد مقالاتهم معروضة على مواقع الويب لمن هبَّ ودبَّ. هذا يأخذ ما يشاء من دون إحالة، وذاك يسطو من دون وازع من ضمير. ويزيد الطين بلة التراجع الخطير والمستمر في قيم النزاهة الأدبية والأمانة العلمية.
وقد كابدت صاحبة هذه السطور من بعض أفانين التحوير والتدوير، وهو ما وصفه ياسين معيزو بالفيض (نزوعها المتكرر نحو اتهام الجميع بالسرقة والسطو. فما إن يدون المرء اسمها في محركات البحث مرفقا بكلمات مثل «سرقة»، «سطو»، أو «اعتياش»، حتى يفاجأ بفيْضٍ من المقالات) أين هو الفيض في هذا الجانب، بل هي مقالات في المجادلة النقدية، حاورنا فيها عددا من الباحثين في قضايا علمية ومعرفية، وتضمنها كتابنا (في الجدل النقدي). أما في باب السرقة فهو بخصوص مشروعنا في تأسيس منتدى نسوي وإصدار مجلة له، ولكنه صودر من قبل الجهة التي كلَّفتنا بذلك بعد أن قدمناه إليها. وقد أقرَّ عدد من مسؤولي تلك الجهة بمشروعية مطالبتنا بحقنا في ملكية ذلك المشروع، ولكن التعنت هو ما يؤخر البت في الموضوع حتى الآن.

وحادثة ثانية اكتشفنا فيها سطو إحدى الكاتبات على دراسة لنا في إحدى مقالاتها، ولقد وعدنا مسؤولو الموقع الذي نشرت فيه بعدم النشر لها مرة أخرى. ومن الطبيعي أن تنتهز هذه الكاتبة الفرصة لتدعم موقفها، بالزعم أن اتهامها باطل. علما أنها صرفت النظر عن المقالة المعنية بالسطو، وأحالته إلى أطروحتها التي كانت آنذاك لم تناقش كما لم نكن نعلم بها إطلاقا.
وإذا كان ياسين معيزو يصف تجربتنا هكذا، فلمَ إذن قال عنا في رسائله على الخاص، حينما طلب معونتنا لإتمام بحثه موضع الخلاف (ممتن جدا لك أستاذة لأنك فتحت هذا الأفق المعرفي في عالمنا العربي). و(ألغيت فصلا كاملا كان مبرمجا، حيث يتصل هذا الفصل بالتعريف بمساهمة الناقدة نادية هناوي في محاورة المنجز الغربي وأقلمته، خاصة ما يتعلق بالسرديات غير الطبيعية). أما ما زعمه بالقول: (توجه من خلالها أصابع الاتهام لكل باحث) فمردود لأننا لم نتهم، بل كاشفنا من كاشفناه بالسطو، وحددنا من حددناه بالاعتياش على جهودنا. وهدفنا تقديم الدروس والعبر للآخرين كي لا يسلكوا مثل هذه السلوكيات.
ياسين معيزو الذي كان مهذبا جدا حين راسلنا يطلب معونتنا، انقلب في مقالته الدفاعية الهجومية إلى استخدام مفردات غير مهذبة بدءا من العنوان، حيث استخدم الافتراء والادعاء و(غرورٍ، وأنانيةٍ مفرطةٍ، وهوسٍ بالريادة) بينما لم نستخدم في مقالنا حتى كلمة سطو ولا سرقة، بل قلنا اعتياش ابتداء من العنوان مرورا بكل فقرات مقال (الملكية الفكرية..) المنشور في جريدة «العرب» بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2024 لكن ياسين معيزو لم يكن دقيقا ولا أمينا بالنقل، حين زعم أننا ذكرنا في مقالنا كلمات «السرقة والسطو والانتحال» لا لتعذر إثباتها، بل تقديرا لتهذيبه الذي أبداه في مخاطبتنا، وهو يطلب معونتنا وأيضا لعدم إحراجه.
وكلمة الاعتياش التي وصفنا بها فعلته لا تعني السرقة ولا السطو، وحسب رأيه لا ضير فيها، لأنه استخدمها في توصيف كتاباتنا (وأن الباحثة أعادتْ، فقط، تدوير تصورات كل من برايان ريتشادسون ويان ألبر وشانغ بيو) فلم إذن تثور ثائرته من مقالنا، الذي استعمل كلمة الاعتياش ما دام لا يرى فيها بأسا، بل استخدمها إزائنا أيضا. ويبدو أن مجرد الإشارة إلى التشابه والتماثل بين بحثه وأبحاثنا أثار لديه الحفيظة والهلع من كشف المستور.
وإذ يقول: (حيث يتعلق الأمر برغبة شديدة في إثبات قصب السبق في تناول أسماءٍ ونظرياتٍ غرْبيةٍ، وتقديمها إلى القارئ العربي.. إلا أن الباحثة تبدو غير مطلعة على كتابات نقاد عرب كبار كتبوا، إلخ)، فإنّ له رأيا مختلفا فينا حين راسلنا على الخاص يقول:( أنتِ لا تزالين أول من نقل السرديات غير الطبيعية إلى العالم العربي وحاول أقلمته) و(إن كل باحث شاب سيتمنى مثلي أن تقرأ له الناقدة الكبيرة نادية هناوي).
ولا نستمد قناعتنا في كتاباتنا من أقواله هذه، فلنا رصيدنا في هذا الجانب من آراء كتّاب كبار عراقيين وعرب، يؤكدون أسبقيتنا في الجوانب التي ذكرها وأخرى سواها. ومن ذلك ما قاله الناقد فاضل ثامر (يحق لنا هنا أن نحتفي بولادة منظِّرة أدب عربية تدخل هذا الميدان بثقة وشجاعة).
أما ما سماه ياسين معيزو (مزاعم يفترض أن تستند إلى أدلة تنهي الجدل حول الموضوع، تقطع دابر القول فيه)، فإليك إياها أيها الدارس:
– ادعيت أنك لم تطلع على كتبنا، وهذا لا يعني أنك لم تقرأ مقالاتنا المنشورة في صحيفة «القدس العربي» وغيرها، وهي التي تضمنها كتابنا (علم السرد ما بعد الكلاسيكي) بأجزائه الثلاثة. ثم أنك استشهدت بمقالات لنقاد مغاربة منشورة في صحيفة «القدس العربي».
– دوّرتَ المفاهيم الآتية (السرد غير الطبيعي/ تجاوز الأعراف السردية/ استراتيجيات غير طبيعية/ اللامحاكاة/ ضد المحاكاة/ سيناريوهات غير طبيعية/ السرد المضاد/ الاستحالة/ الوهم المرجعي/ الخرق والتعطيل)، وكلها من نتاج ما توصلت إليه كاتبة السطور من دراسة المدونات النقدية الغربية الحديثة، ومنجز الباحثين الغربيين، الذين كررتهم أنت، ولم تأت بجديد يخرج عما تناولته هي في كتاباتها، أي أنك لم تأت بغير ما أتت هي به واستعملته.
– جحدت أمر السبق كي تنسبه إلى نفسك في مواضع كثيرة، منها قولك في صفحة 7 (لنصل في آخر المدخل النظري إلى رتق بعض الفرضيات.. محاولين في ذلك استجلاء ما نعتقد أنه استراتيجيات سردية غير طبيعية)، أو في صفحة 35 (سنحاول في هذا الجزء أن نستعرض بعض الأفكار التي تفتقت عن طريق متابعتنا لطروحات السرديات غير الطبيعية) فمتى وأين استعرضتها كي يتفتق ما تفتق؟ ويضيف: (ونحسب أنها تؤول إلى تصور إجرائي.. نعتقد أنها … الامر الذي يدفعنا إلى اقتراح فرضيات.. عما يفترض أنه استراتيجيات.. وسنعتمد هذه الفرضيات.. ايمانا منا.. لم تنشأ من فراغ، بل تأسست على أرضية خصبة ارتبطت سابقا بالبنيوية، وهي الآن تنشد آفاقا أرحب لتطوير السابق وتوسيع فرضياته وممكناته النظرية والإجرائية).
أليس كثيرا على كاتب أن يجمع كل ذلك (متفتقا ومقترحا ومفترضا ومؤمنا) وهو لم يتصد لهذا الموضوع سابقا؟ وثمة أمثلة أخرى للتدليل لكننا نكتفي بهذه لأن المتخصصين يعلمون أن الأفكار أعلاه ليست من عنديات الدارس، إنما هي حصيلة اعتياش على ما من منشور في موضوع السرد غير الطبيعي.
– إن كتاب بيو شانغ (Un-Natural Narrative Across Borders ) ظهر لأول مرة للقارئ العربي في مقالتنا في صحيفة «الشرق الأوسط»، فاعتشتَ عليه بالقول ص42 (يعتقد الباحث الصيني بيو شانغ أن الشخصية في السرد الطبيعي..).
– أعلنتَ في خاتمة كتابك ص125 أن بحثك سعى (نحو الكشف عن تقنيات)، سردية ما بعد حداثية و(غير مسبوقة) في الدراسات السردية التطبيقية العربية، تلك التي وسمناها باستراتيجيات السرد غير الطبيعي) أي سبق وأي توهم تدعيه وأنت تضرب الأمانة العلمية عرض الحائط؟ وللعلم فإنّنا كنا نذكر في مقالاتنا المصادر التي نعتمد عليها فمثلا في مقالة (الخرق والتعطيل في السرد غير الطبيعي) جاء المصدر هكذا (في دراسته الموسومة «سرديات مخترقة: السرد غير الطبيعي واستراتيجيات قراءة غير الطبيعي Broken Narratives, Unnatural Narratology, and Un naturalizing Reading Strategies) ضمن كتاب «سرديات الخرق: مواقف وتطبيقات نظرية» بتحرير آنا بابكا ومارلين شتاينر وفولفجانج مولر، طبعة جامعة فيينا، 2016). وغايتنا من وراء ذلك إفادة القارئ لكن ما كان في حسباننا أن ثمة معتاشين سيتنكرون لنا ويجحدون فضلنا العلمي.
– وثَّق الدارس ياسين معيزو في هوامش بحثه مقالات، بعضها لا تمت بصلة للموضوع فمثلا كتب في ص33 (في هذا السياق يطلعنا الناقد عبد الرحيم جبران على مسألة مهمة…) والجهل هو الذي يعمي عن رؤية ما هو قيم وغير قيم. ومعلوم أن الناقد جبران يتكلم هنا عن الرواية التاريخية والسرد التاريخي، ولم يأت على السرد غير الطبيعي البتة.
– أنكرتَ مقالتنا المنشورة في جريدة «الصباح» بعنوان (السرد غير الواقعي في رواية فقهاء الظلام) 2022 فعددت نفسك الأول في ولوج الموضوع، بالقول في ص35 (استقراء روايات سليم بركات التي( نعتقد ) أنها اعتمدت..) وفي ص58 قال ( سنخصص هذا الجزء… (لما نعتقد) أنها تطفح بسيناريوهات مستحيلة وعناصر غير طبيعية، نطمح في استجلائها والتدليل على كونها تقنيات سردية ما بعد حداثية)، وفي ص124 (أن نستكشف كيف صير سليم بركات في فقهاء الظلام من شخصياته غير الطبيعية تكنيكا سرديا).
– ولأجل أن تصنع مفارقة شكلية كي لا يبين أمر اعتياشك، أخذت روايتين (السلالم الرملية وأرواح هندسية) مع أنهما لا تمتان بصلة إلى السرد غير الطبيعي. وبسبب الجهل بحقيقة الموضوع المدروس، استعملت مصادر (عربية) لا صلة لها باللاطبيعية.
– الجهل بالمفاهيم النقدية جعلك تعد التجنيس وانفتاح الحدود النصية من تقنيات السرد غير الطبيعي، مع أنها مفاهيم عامة ترد في أي نقد سردي.
– استعملتَ مفهوم (العبور الأجناسي) وهو من اجتراح كاتبة هذه السطور في كتابها (نحو نظرية عابرة للأجناس) 2019. وحقيق بمن لم يقرأ كتبها الخمسة في هذه النظرية، أن لا يقول رأيا. والنقاش صعب مع من يتكلم وهو بالموضوع جاهل. ونعذر الدارس لأنه ردد مزعم أحد معلميه. وسبق أن قلنا إن الأستاذ إدوار الخراط وصف توظيف الوثائق والصحف بأنه كتابة عبر نوعية، وهو تعبير معروف عند الجميع ينضوي ضمن نظرية الانفتاح النصي، ومعه يكون ممكنا التداخل بين نص بنص.. وشتان ما بين مفهوم التداخل ونظرية العبور الأجناسي.
– يشتغل برنامج تيرنت إن على الكلمات المفتاحية وهي في بحثك (أعراف/ تجاوز/ استراتيجيات).
إن المشكلة التي نرصدها في بحث هذا الدارس هي الجهل فيمن يتكلم عنه وهو غير متخصص فيه. فكان التهافت والهشاشة واضحين من قبيل قوله (الإنصات إلى المتن المدروس بوصفه أقدر على إنتاج مفاهيمه الإجرائية بنفسه)، وهذا ما يجعلنا نشفق عليه وعلى من آزره من خالي الوفاض. غير أننا لن نتنازل عن حقنا في المطالبة بالملكية الفكرية، فيما كان الدارس ياسين معيزو قد أدعى السبق فيه؛ فقصدية الاعتياش واضحة وضوح ما قدمته كاتبة هذه السطور من جهود في مجال السرد غير الطبيعي، وهي جهود ليست مجهولة، بل منشورة وموثَّقة، وبإمكان أي باحث الوصول إليها فضلا عن محاضراتها في منصات افتراضية وجميعها مسجلة على اليوتيوب.
ولا نشك للحظة في أنَّ الباحثين والنقاد الرافضين للتستر على الاعتياش هم أكثر من الذين يتجاهلون مشروع كاتبة هذه السطور في السرد غير الطبيعي وغير الواقعي.. والسلام.
كاتبة عراقية