يحيي القيسي
انتشر في أنحاء العالم مؤخرا فيلم وثائقي بعنوان السر وقد رافقه كتاب لم يترجم بعد إلي العربية أسوة بالفيلم، ومن يشاهد الفيلم الأمريكي الانتاج فإنه يطلع علي خلاصة ما وصلت إليه البشرية من معارف ظاهرية تأويلية في مجال العلاقة بين الإنسان والكون، والفيلم يبدأ بتشويق من يشاهده بأنه مقبل بعد قليل علي معرفة ذلك السر الرهيب الذي كان بين يدي الخاصة دون العامة، وعرفه الأنبياء والمصلحون وكبار المفكرين والعلماء لكنه ظل قصيا ومعزولا عن الآخرين، وثمة مجموعة من الفيزيائيين والروحانيين ورجال الدين من المتنورين الذين يعرضون آراءهم الصريحة في التعامل مع ذلك السر الذي يبدو ان حظ أهل هذا الزمان ان يطلعوا عليه عامة وخاصة، والآن فإن القاريء لا بد أنه يتساءل ما الذي عثر عليه كل هؤلاء ولم يرد في دين او علم، والجواب هو فيما يدعي Law of araction أي قانون الجذب، وهو يخبرنا بأن الانسان إذا عزم علي شيء ومنحه جل تفكيره، وجدّ في طلبه قولا وعملا فإنه تنطلق منه ذبذبات من الطاقة تجذب اليها ما يريد حيث يتواطأ الكون كله لتنفيذ طلبه، إن هذه الذبذبات أو الترددات حقيقة واقعية، فالكون عبارة عن طاقة ومادة، ويمكن التوصل إلي ان المادة في النهاية عبارة عن طاقة، وثمة ترددات لكل ما حولنا سواء لما نراه مادة جامدة او للألوان والروائح والكلمات، وفي حالة التفكير في شيء أو طلبه شفويا فإن هذه الذبذبات تنتقل إلي ما يوافقها، وتبدأ في العمل فيتحقق للانسان مراده سواء كان ماديا او معنويا فمن يجذب إليه المرض وسوء الأحوال من طول التفكير فيها سيمرض حقا، ومن يجذب المال والصحة سينال مراده ايضا، ولعل هذا الفيلم ليس قابلا للتبسيط اكثر مما أشرت إليه بل يجب علي المرء ان يشاهده ويتشرب ما ورد فيه من افكار عميقة، وبالطبع فإن ثمة افلاماً اخري انطلقت في الوقت نفسه تتناول موضوعات علمية في الأساس قادت إلي الروحانيات، وهذا ما يبدو لنا من عدم التناقض اساسا بين الأمرين لكن الثورة الهائلة ولا سيما في مجال فيزياء الكم تحديدا قادت أخيرا إلي الانفتاح علي الطروحات الروحية وانسجمت معها.
لقد طغت الفلسفة المادية فترة من الوقت علي تفكير الانسان المعاصر، ولم تمنحه اية حلول بل عبارة عن مجموعة من الأفكار ـ أخذت كمسلمات للأسف ـ ولكنها تهافتت وصار من الضروري إعادة النظر فيها، أما الديانات بشكلها الظاهري فقد تم تخليصها من عنصرها الأجمل والأعمق أي الروحاني وأصبحت عبارة عن طقوس وشعائر خارجية تمس الجسد ولا تدخل إلي الروح، واليوم صارمن الضروري أن يعاد النظر في تلك المعضلة التي أوصلت الانسان إلي طريق مسدود وامل يائس. وبالطبع لم ينج المثقفون العرب تحديدا من هذه الحيرة وتلك الأغاليط بل دخل معظمهم في نفق مظلم، ولم يحاولوا الخروج منه، فالكتابة في النهاية خلاصة لأفكار ومواقف وإيمان ما، فكل إناء بما فيه ينضح، والكتابة التي بلا أفق أو روح سوف تساهم في كثافة الظلمة المحيطة بالانسان بدلا من اشعال شمعة، ففاقد الشيء لا يعطيه لغيره، والتائه لا يقود إلا إلي مزيد من الضلال..! روائي من الاردن[email protected]