فاطمة الزهراي الرغيوي كان قد استيقظ باكرا. قال ‘معلمه’ إن العابرين يكونون كرماء في الصباح. في المساء، أردف، بالكاد يتبقى لهم ثمن تذكرة المواصلات والخبز. ‘ ‘ ‘لا تُخبرُ أحدا بسرها.
تحتفظ به في راحة يدها ككنز ثمين. منذ يومين، راودها حلم. منذ يومين، أصبح لديها سر. لم تكن قد حلمت منذ وقت طويل. منذ سخرت معلمتها من إجابتها عن السؤال التقليدي: ماذا تريدين أن تفعلي عندما تكبرين. ولم تكن قد تعلمت الكذب مثل صديقتها التي كانت تشاركها الطاولة، والتي كانت تريد أن تصبح زوجةً، لكنها أجابت: أريد أن أصبح معلمة، وابتسمت المعلمة، وقالت وهي تتعثر فوق الكعب المائل لحذائها: ممتاز، بينما ظلت هي تشعر بسخرية معلمتها تلاحقها.
كان حلمها كبيرا، وكانت صغيرة جدا.
حلِمت إذن.. استيقظت وباشرت يومها كأن لا شيء جديد، خافت أن تفشي حلمها.. تخلت عن المظلة، لكي تستشعر بلل الماء، ومشت كأنها علمت سر الحياة.
في الثامنة صباحا، وتلاميذ المدارس يهرولون للحاق بالحصة الأولى، جارين محافظهم، كانت هي تعبر الشارع بهدوء، كأن لا سيارات عابرة على عجل. كان المطر قد تواطأ معها فتساقط ببطء. حين توقفت أمام الإشارة الحمراء للراجلين، تابعت بنظرها قطرات مطر تهرب بعيدا عن المظلات، وابتسمت قليلا. شعرت بخفة تملأ روحها.. عبرت أمام الفندق الأول، وقد كان حارسه يتثاءب في تثاقل، فلم يلحظ وجهها المشرق. عبرت أمام المقهى، ولم يستوقف الصوت الرتيب لحذائها، النادل الذي كان يحمل ثلاثة فناجين قهوة وإبريق شاي، ولم يلتفت إليها رجل كان يجالس سيجارة وكأسا فارغة، وكان يقلب أوراق الجريدة بضجر. كانت تلاعب سرها بأصابع يدها اليمنى، ولا تلتفت إلى الوراء، ولا تلتفت إلى اليسار، وحين سألها رجل عن الطريق، لم تجب.. خافت أن ينكشف سرها فيتلاشى حلمها. تذكرت والدتها تعبر بها النهر، بعد أن نزعت حذاءها ورفعت ثوبها، حملتها بصمت وعبرت بها ثم وضعتها في الجانب الآخر لتواصلا المشي. كان صباحا ضبابيا، ووحدها ثرثرة صباحية للعصافير، رافقتهما. كانت تسمع وقع خطوات والدتها، ووقع دقات قلبها. كانت كبيرة جدا يومها فلم تخف. أكبر من أمها، ومن جارتهما التي شددت على ضرورة التزام الصمت الكامل. لا تردي التحية على أحد، ولا تلتفتي خلفك، خذي معك طفلا تشمله رعاية الله و’رجال بْلاد’ وبسملي ثلاث مرات، واخطي خطوتك الأولى خارج البيت بقدمك اليسرى، ليعود إليه آمنا فيدخله بيمناه. كانت كبيرة جدا، فالتزمت الصمت ولم تخبر أحدا عن وجهتهما حين عادتا للبيت، لم تخبر حتى دميتها المصنوعة من قصبتين وقطعة ثوب والتي تفككها كلما حان الليل لكي لا تتحول لجنية. بعد أيام من رحلتهما السرية، جاء رجل للبيت، قالت أمها: أمام الناس، ناديه بابا. أمام الفندق الثاني، الرجل الذي كان يعدل ربطة عنقه، لم تنفرج عيناه عن إشارة إعجاب، وحين عبرت الشارع، لم تتخل وجوه السائقين عن وجومها. امرأة، كانت تجر حقيبتها، دمدمت شيئا ما وأكملت طريقها.. واصلت هي أيضا مسيرها، وحين وصلت أمام الرجل الذي اقتعد الأرض وخفض رأسه فلم تر شكل وجهه، توقفت قليلا، ما يكفي لتمد سرها إليه ولتضعه في يده المبسوطة، ثم ابتعدت.
قال لها شاب عابر: صباح الخير.. اخفت ابتسامتها، بينما صار حلمها يكبر ويكبر.’ ‘ ‘كان يتعلم فعل الانتظار كما أوصاه معلمه، لم يكن يجيد اقتعاد الأرض لكنه كان يجيد الصمت. وحين لامست أصابع رقيقة يده، خجل، فلم يرفع عينيه. ولم ير غير حذاء ذي كعب خشبي أنيق.. أخفى يده المحملة تحت الجلباب القديم لمعلمه.. بدأت أحلامه في التلاشي.’ كاتبة من المغرب