عميره هاس
تُثبت اسرائيل مرة اخرى من هو الرجل. فهي تسطو في وضح النهار (مرة اخرى) على 105 ملايين دولار للفلسطينيين ويمر ذلك بسلام كالعادة. إن المبلغ المسلوب هو اموال جمارك من صفقات استيراد لفلسطينيين تمت جبايتها في المعابر الحدودية التي تسيطر عليها اسرائيل. بحسب اتفاق اوسلو، تحول هذه الاموال في مطلع كل شهر الى الخزانة الفلسطينية، وتؤلف نحو ثلثي ايرادات السلطة. أما الباقي فيُجبى مباشرة داخل الضفة.
أمر وزير المالية يوفال شتاينيتس بتجميد تحويل الاموال بسبب التوقيع على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، كي يضمن ألا تصل الاموال الى جهات ارهابية. ليس هذا سطوا فقط بل تعليلا باطلا ايضا. فأولا، حكومة الوحدة لم تنشأ بعد. وثانيا، الاموال مخصصة في الأساس لدفع أجور عمال السلطة الفلسطينية. وهم العمال أنفسهم الذين حصلوا على رواتبهم عندما شتمت حماس وفتح بعضهما بعضا علنا.
إن أمر شتاينيتس يُكمل تحذيرات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الدولة شمعون بيريس من اتفاق المصالحة. لن أكتب أن التحذيرات هي ‘تدخل فظ’ بالشؤون الداخلية لشعب آخر لانه ما هو تحكم اسرائيل بالشعب الفلسطيني إن لم يكن تدخلا فظا، اذا لم نشأ المبالغة؟.
إن الـ 105 ملايين دولار هي مبلغ ضئيل من المال قياسا بقيمة الاراضي التي سلبتها اسرائيل وتسلبها من الفلسطينيين. وهي ليست شيئا قياسا بالأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي تُسببها سياسة فرض القيود على التنقل. لكن اختطاف هذا المبلغ ينشىء سلسلة أضرار مباشرة. فالسلطة الفلسطينية، دونما صلة بالحديث عن أهلية مؤسساتها لأن تصبح دولة، تعاني ازمة مالية مزمنة وهي متعلقة بالتبرعات والهبات كي تنتقل من سنة الى سنة. إن التأثر بالنماء في رام الله يتجاهل حقيقة انه متكلف وينبع في الأساس من مساعدة خارجية. بسبب سياسة الحصار والفصل والسيطرة الاسرائيلية على أكثر من 60 في المئة من مساحة الضفة، لا يستطيع الاقتصاد الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال زيادة مدخولاته من نشاط انتاجي مستقل.
قرر رئيس حكومة رام الله سلام فياض انه بدل ان يدفع جزءا من الرواتب فقط سينتظر تحرير المبلغ المختطف كله أو معجزة ما لدفعها كلها. والآن في نهاية الاسبوع الثاني من شهر أيار (مايو)، ما زال 151 ألفا من العاملين في القطاع العام الفلسطيني لا يعلمون متى ستصل رواتبهم الى حساباتهم المصرفية (527 مليون شيكل في الحاصل العام). كذلك لم تصل 193 مليون شيكل اخرى الى نحو 100 ألف شخص من متلقي المخصصات الشهرية (عائلات السجناء وعائلات الشهداء والمتضررين المحتاجين الى المساعدة). بتشجيع من السلطة الفلسطينية، أخذت عشرات آلاف العائلات في السنين الاخيرة قروضا من مصارف لشراء شقق. إن سلطة النقد أمرت المصارف بعدم فرض غرامات بسبب عدم قضاء الديون هذا الشهر، لكن العائلات حتى دون غرامات ستدخل دوار ديون مكررة وسحب على المكشوف في حساباتها. كذلك لا تلائم الرواتب (مثلا: 2000 شيكل للمعلم، و3400 شيكل لرئيس قسم في مكتب حكومي) غلاء المعيشة، وستتخلى عائلات أكثر فورا عن نفقات أساسية كالسفر والعلاج الطبي والاحتفالات الثقافية وغير ذلك.
قد شاهدنا هذا الفيلم من قبل. وقد ولّد التجميد كما كانت الحال دائما توبيخا (من الامين العام للامم المتحدة)، وإلحاحا من (طوني بلير)، وتنبيها الى أن هذا قرار ‘سابق لأوانه’ (لمتحدث وزارة الخارجية الامريكية). لو صمتوا لكان أفضل، فمن المعلوم ان السالب لن يُعاقب بل ربما يفوز بجائزة تشجيع على هيئة ميزانية طوارىء للسلطة الفلسطينية تُعدها الولايات المتحدة واوروبا. وميزانية الطوارىء هذه ستُمكّنهم من أن يطلبوا من الفلسطينيين مطالب سياسية اخرى.
هآرتس 11/5/2011