السعفة الذهبية لجعفر بناهي: تتويج لسينما لا تعترف بالرقابة

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: رغم التحديات التي تواجهها، استطاعت السينما الإيرانية أن تشق طريقها بثبات، لترسّخ مكانتها كإحدى أبرز الحركات السينمائية المعاصرة، ولتحجز لنفسها موقعًا مرموقًا على خارطة السينما العالمية.
لم يكن هذا التميز وليد صدفة، بل ثمرة عقود طويلة من الكفاح والتجريب الفني، والتحدي، قدم خلالها صناع السينما في إيران أعمالًا عابرة للحدود، نالت إعجاب المشاهدين في مختلف الثقافات، ونالت استحسانًا واسعًا وجوائز في أهم المحافل الدولية مثل «كان»، و»برلين»، و»فينيسيا».
ما يمنح السينما الإيرانية خصوصيتها هو قدرتها اللافتة على التعمق في القضايا الإنسانية الجوهرية: كالحريات الفردية، وحقوق المرأة، والفقر، والظلم الاجتماعي، وواقع الطفولة المكسورة، والقمع السياسي. وهي تفعل ذلك بلغة سردية رشيقة، تتجنب الخطابية والمباشرة، وتعتمد على الإيحاء والتلميح، وتمنح المتلقي مساحةً للتأمل والانخراط الفكري، بعيدًا عن الابتذال أو الاستعراض المجاني.
ورغم هذا البريق العالمي، يقف خلف الكواليس واقع قاسٍ من الرقابة المشددة، والتدخلات المستمرة من قبل السلطة السياسية والدينية، ومحاولات محاصرة حرية التعبير. إلا أن هذه القيود شكّلت دافعًا لصياغة أساليب سردية مختلفة، توظف الرمز، وتعتمد على لغة بصرية غنية، وتنسج خطابًا نقديًا جريئًا دون أن تقع في فخ الحظر المباشر.
نجحت السينما الإيرانية في أن تتحول إلى مرآة صادقة تعكس التناقضات العميقة داخل المجتمع الإيراني، وتطرح أسئلته المعلقة، فمنذ بداياتها الحقيقية في عشرينيات القرن الماضي، كانت مجالًا حيًا يعكس التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عصفت بالمجتمع الإيراني. وتنقلت عبر محطات تاريخية مختلفة، من حقبة الأفلام الصامتة المتأثرة بالمدارس الأوروبية، إلى سينما محلية الهوية فيما قبل الثورة، ثم إلى مرحلة «الموجة الجديدة» في الستينيات والسبعينيات، التي أرست تقاليد فنية تمزج بين الرمزية والواقعية، وتجمع بين الشاعرية والالتزام.
ومن بين أهم رواد السينما الإيرانية يبرز اسم اوفانيس أوهانين، رائد السينما الصامتة في إيران، وعبد الحسين سابنتا، الذي أخرج فيلم «بنت اللور»، وهو أول فيلم إيراني ناطق، وفريدون رهنافار الذي خاض غمار المواجهة مع المدّ التجاري الغربي عبر أفلام مشبعة بروح الواقعية الاجتماعية. ومع نهاية الستينيات، ظهر داريوش مهرجوي بفيلمه البارز «البقرة» (1969)، الذي شكل نقلة نوعية في تاريخ السينما الإيرانية، ومهد لمرحلة فكرية وفنية جديدة، جعلت من السينما وسيلة تأمل ونقد عميق.
فيما بعد، تعاقبت أسماء صنعت مجد السينما الإيرانية، مثل بهرام بيضائي الذي نسج علاقات معقدة بين الأسطورة والتاريخ، وعباس كيارستمي الذي قدّم أفلامًا بُنيت على بساطة الشكل وعمق المعنى، وأوصل السينما الإيرانية إلى مصاف العالمية، ومحسن مخملباف الذي خاض تحولات جذرية من الخطاب الإسلامي إلى النقد الجريء للسلطة، وسميرة مخملباف التي اقتحمت الساحة الدولية بموهبتها المبكرة، ومجيد مجيدي الذي استعرض من خلال أفلامه معاناة الطفولة وبراءتها، وأصغر فرهادي، الذي ابتكر دراما نفسية واجتماعية دقيقة ومشحونة، حازت أرفع الجوائز الدولية.
وفي قلب هذا المشهد الإبداعي المتنوّع، سطع اسم جعفر بناهي كأحد أبرز المخرجين وأكثرهم إثارة للجدل والإعجاب. وبعد مسيرة طويلة من التحدي والصمود، توّجت جهوده بالسعفة الذهبية، في الدورة الأخيرة من مهرجان «كان»، في لحظة لها رمزية ودلالة كبيرة، فبناهي أصبح شاهدًا فنيًا على عصر من القمع والتضييق، وصوتًا اختار أن يواجه الحظر بالكاميرا، وأن يرد على العزلة بالحكاية.
من خلال أفلامه قدّم بناهي نموذجًا لصانع أفلام لا يستسلم، بل يُصرّ على أن يروي، ويكشف، ويُحدث الأثر، حتى وهو محروم من أبسط حقوق المخرج، وهو التصوير بحرية.
هذا النجاح كان بداية لمسار إبداعي محفوف بالصدام مع الرقابة والسلطة. ففي فيلمه الثاني «المرآة» (1997)، تجاوز بناهي حدود الحكاية التقليدية، وقدم تجربة سينمائية مفاجئة تقلب العلاقة بين المخرج والممثلة، وبين الواقع والتمثيل، وبين الفن والحقيقة.
أظهر بناهي في هذا الفيلم قدرة على تفكيك المألوف، وتحرير الكاميرا من قيود السرد، ليلتقط لحظات صدق تمرّدية، تتجاوز النص المكتوب، وتنتصر للحقيقة الإنسانية. وحصل الفيلم على جائزة النمر الذهبي، في مهرجان لوكارنو السينمائي.
وفي ثالث أفلامه، «الدائرة» (2000)، اشتد الصراع وتبلورت المواجهة. لم يعد الصوت الناعم أو الانقلابات السينمائية كافيًا، فجاء الفيلم صرخة سينمائية مكتومة تُظهر معاناة النساء داخل دائرة مغلقة من القمع القانوني والاجتماعي.
في 2010، بعد مشاركته في الاحتجاجات السياسية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية، أُلقي القبض على بناهي بتهمة «التحريض على النظام»، وصدر حكم بحبسه ست سنوات، ومنعه من الإخراج والسفر وممارسة أي نشاط فني أو إعلامي لمدة 20 عامًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تمكّن جعفر بناهي مؤخرا من السفر إلى فرنسا، وحضور مهرجان كان السينمائي في دورته الـ77، حيث وقف على السجادة الحمراء محاطًا بتصفيق طويل من جمهور المهرجان وصنّاع السينما من مختلف أنحاء العالم. لقد مثّل حضوره وفوزه بالسعفة الذهبية عن فيلمه الأخير «مجرد حادث»، لحظة انتصار رمزية، لكل فن مُحاصر، ولكل مخرج تُصادر حريته بسبب ما يرويه من حقائق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية