السعودية: أي دولة؟ وأي سلطة؟
حمزة الحسنالسعودية: أي دولة؟ وأي سلطة؟الخلاف الحادّ في لبنان حول ضرورة قيام الدولة القوية والعادلة، الدولة التي يثق المواطن بها ويمنحها ولاءه (وسلاحه!) يطرح سؤالاً في كل قطر عربي وعلي كل مواطن عربي حول شكل الدولة الذي يريد، وطبيعة السلـــــطة التي تمثله وتحكمه. السؤال في لبنان سؤال ريادي، سبق الدول العربية الأخري لأسباب تتعلق بلبنان المجتمع والدولة، بيد أنه سؤال مكتوم في الدول العربية الأخري التي تعيش هـــي أيضاً محناً متعددة تعود في جذورها الي السؤال إياه بصور مختلفة.لماذا؟ لأن الدولة العربية القطرية الحديثة هي بكل المعايير دولة فاشلة وعاجزة. هي دولة مفترسة متوحشة ـ حسب تعبير الأكاديمي نزيه الأيوبي. هي دولة (سلطة) تبحث عن حقوقها وتتناسي واجباتها. والأهم من ذلك، هي دولة (وكذلك سلطة) لم تؤسس لها شرعية راسخة بين جمهورها منذ أن قامت. لا تزال الثقافة والإيديولوجيا التي تقوم عليها الدولة العربية حتي اليوم تُناطَح بأيديولوجيا (قومية) تفقدها مشروعية بقائها إلا أن تكون جزءاً من دولة عربية كبري، ولا تزال حدودها ساقطة من القلوب من قبل الكثيرين الطامحين لمشروع (الأمة) بمعناها الديني.بالنسبة لملايين العرب، فإن الدولة العربية قد سقطت من النفوس والقلوب، فأخذت تحلم بعصر ما قبل قيام الدولة القطرية، وتدعو لفكر وأيديولوجيا أوسع مما تقدمه الدولة القطرية، والي ولاء ينازع المواطن العربي بين القومي والديني والوطني (القطري)، كما وتبحث عن قيادة (عابرة للحدود) كما الايديولوجيا ذاتها (قومية أو دينية) علّها تستطيع تدارك الإنحطاط منذ سايكس ـ بيكو.أزمة الدولة القطرية العربية حقيقية في المفهوم والممارسة، وهي أزمة تتعدي حدود (السلطة) والقابضين عليها الي البحث في (مشروعية وجود الدولة ذاتها) التي صُنّعت مفاهيمها في الغرب، وجُلبت لها قيادات تحكمها مرضيّ عنها غربياً، ولكنها فشلت منذ تأسيسها في تحقيق العدالة والرفاه والإستقرار وأيضاً (الكرامة).السؤال عن الدولة، إذن، سؤال مشروع. وليس مجرد سؤال عن (السلطة) التي تحكم الدولة فحسب. مع أن (السلطة) خانت قبل غيرها في عالمنا العربي مفهوم (الدولة) وهي اول من انتقصه وحطّ من شأنه. الدولة الوطنية (القطرية) مجرد هيكل أو شكل له نظيره في كل الدنيا، ولكن محتواه خاوٍ من المساواة في المواطنة، شكلٌ انتزعت منه الحريّة كما العدالة والسيادة، فكان أن ارتدّت جماهير غير قليلة علي (السلطة) وعلي (الدولة) التي تديرها. فأضحت السلطة مجرد عوائل حاكمة، أو عساكر حاكمة، تناقض في ولاءاتها وسياساتها وممارساتها أبسط مفاهيم الدولة الحديثة.تتجه الأنظار أحياناً لمعالجة مسألة (السلطة/ الحكومة) لحل معضلة (الدولة). وهو مدخل يبدو صحيحاً، نظرياً علي الأقل، فحل أزمة الإستبداد متعدد الأوجه، لا بدّ وأن يفضي الي تغيير في المفاهيم لدي المواطنين بما يعزّز (شرعية الدولة) و (شرعيّة السلطة)، والي إعادة التوازن في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين أبناء المجتمع نفسه علي قاعدة (المواطنة). إصلاح السلطة سيحدّ من تغوّلها واختطافها إسم (الدولة) كما وسيحدّ من استخدام حقّها في (احتكار أدوات العنف). حين تصلح السلطة ستخفّ الولاءات الفئوية والقبلية والمناطقية والنزعات الإنفصالية، وسيكون التوازن معقولاً بين (حق الدولة وواجباتها). إذ من السخف بمكان الإعتقاد بأن أداة تأكيد الولاء للدولة (عصاتها)، كتأكيد علي حقّها، وتناسي واجباتها. السلطة لا تستطيع أن تأخذ ولاءً إلاّ بقدر ما تقدّم ما عليها من واجبات، وإلا أصبح حضورها المادي المجرّد مجرد سلطة ظاهرة يتربّص بها مجتمعها كما تتربّص هي به، لأن ذلك الحضور لا يمكنه ترقيع حقيقة سقوطها من القلوب والعقول.هذه مشكلة معظم ـ إن لم يكن كل ـ الدول العربية، وإن بنسب متفاوتة. هناك تمرّد علي شرعية (السلطة) وتمرّد أيضاً علي (الدولة) ككيان قائم، فالفصل بينهما صعب في ذهن المواطن. وبعض تلك الدول غير مرغوب في بقائه واستمراره من قبل شرائح مجتمعية، حتي وإن اعترف الكون كلّه بشرعية وجوده. في التطبيق، فإن كل مواطن عربي يرسم صورة للدولة/ السلطة التي يريدها، كتجسيد لحاجاته الآنيّة. هي دولة الإستقرار والأمن أولاً ـ كما في العراق والصومال، وهي دولة الرفاه بالنسبة للشعوب العربية الفقيرة، وهي الدولة القوية العادلة وربما المقاومة كما في لبنان، وهي دولة الحريّات والمساواة عند بعض آخر، وهي دولة الوحدة كمعبر للتطور وتسجيل الحضور بين الأمم عند آخرين، وهكذا.في السعودية، كنموذج، هناك أزمة سلطة، وهناك أزمة دولة. أزمة الدولة خلقت أزمة السلطة ـ فيما أظن. فالدولة التي ظهرت عام 1932م باسم المملكة العربية السعودية، لم تكن قائمة قبل ذلك التاريخ. هي دولة تشكلت عبر الحروب الداخلية.. منطقة أخذت علي نفسها حكم باقي المناطق (كانت إمارات ودول شبه مستقلة) فاستخدمت الدين والسلاح لتبرير التوسع، وحين توقف التوسع قامت الدولة، وسيطرت المنطقة (نجد) علي الدولة سياسة وعسكراً ومالاً واقتصاداً وثقافة وديناً الي هذا اليوم. الدولة صارت غنيمة المنتصر، الذي يشكل أقلّ من ثلث السكان، وتمّ تهميش الباقين فعلياً. السلطة التي نشأت تزعم أنها (تمتلك/ حرفياً) الدولة، فهي صانعتها، وهي التي منحتها الإسم فصارت (سعودية).من هذا الجذر جاءت المشكلة، دولة قامت بالحرب وعلي أنقاض إمارات شبه مستقلة. دولة تحكمها المناطقية والطائفية. دولة لا تؤمن بالمساواة بين المواطنين (إذ كيف يستوي الغالب مع المغلوب، وكيف يستوي الموحّد مع المشرك؟). دولة تؤمن بمبدأ الغَلَبة/ القوة في الوصول الي الحكم الأمر الذي يجعلها أبعد عن الإصلاح وعن الإستقرار. دولة لا تسيّر شؤونها وفق المفاهيم التي تقوم عليها الدول الوطنية عموماً: فلا هي تؤمن بالهوية الوطنية التي تفرز ثقافة مشتــــركة بين أبناء الوطن، ولا هي تسعي الي مساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولا هي تريد إصلاحاً سياسياً يؤدي الي صهر الكيانات المجتمعية ضمن جهاز الدولة.دولة كهذه لا يتوقع أن تكون مرغوبا فيها من قبل من يعتقدون أنهم ضحاياها، أو قامت علي أساس تدمير كياناتهم السياسية شبه المستقلة. وسلطة كهذه القائمة لا يمكنها إلا أن تمثّل الفئة التي تنتمي اليها، والتي تعتبرها سندها. وشرعية هذه السلطة (الدينية والتاريخية) لا تتعدي حدود المنطقة المهيمنة والغالبة التي نشأت منها وأفرزتها المنطقة الغالبة. ومن لا يعترف بالآخر ولا بحقوقه، لا يجب أن يتوقع أن يراه ذلك الآخر إلا محتكراً للسلطة بالقوّة التي يمكن مواجهتها في يوم من الأيام. فالحفاظ علي السلطة موحدة بيد فئة (أقليّة) يعني حتماً (التضحية) بـ (الدولة) ككيان يوحد الأقاليم والمناطق ويحتضن التعددية السياسية والثقافية التي لم تنجح آلة العنف في إلغائها. وحين تفقد (السلطة) القائمة شرعيتها في غير محيطها الإجتماعي المناطقي، تفقد (الدولة) احترام ومشروعية بقائها أيضاً.وهكذا، فأزمة السلطة والدولة متداخلتان، إحداهما أنتجت الأخري، والحلول لا تبدو متاحة حتي الآن، حيث الإصرار علي (وحدة الدولة) بدون مشاركة الآخرين في (السلطة) الأمر الذي يبدو مستحيلاً. فالمنافحة عن (الدولة الموحدة) والظهور بمظهر الوحدوي لا يستقيم مع عقلية الإحتكار للدولة تمثيلاً ومنافع والمتلفعة بالتطهر الديني الكاذب.حين يُطرح (الإصلاح السياسي) فإن الغرض منه، في محصلته النهائية، إعادة الإعتبار للمواطن، ومن ثمّ للدولة، وللسلطة القائمة. لهذا قيل، وهو صحيح، أن الدولة السعودية بحاجة الي إعادة بناء أو هيكلة، كان يجب أن تتمّ منذ أيام إعلانها الأولي: الدولة لكل المواطنين، والسلطة حاكمة عليهم ولكن ليس بالعصا والتمييز الطائفي والمناطقي والقبلي، والمجتمع يتمتع بقدر معقول من الحريات بدل تذويب الخصائص المجتمعية قسراً في ثقافة ومذهب الحاكم.لقد جُمعت في المملكة كلّ المساوئ: فالإعتراض السياسي علي سياسات الحكم يعني في كثير من الأحيان اعتراضاً علي الدولة ككيان لم يضرب بجذوره بعد في وجدان المواطنين المضطهدين. والإعتراض علي قسرية الدولة وخياراتها الطائفية والثقافية، يؤدي الي اعتراض علي (السياسي/ السلطة) الذي يدعم تلك الخيارات ويحوّلها بسياساته من فتاوي في بطون الكتب ومطويات صفراء الي واقع أليم معاش. وما بعد الإعتراض السياسي يأتي الإعتراض علي أصل الدولة حين تفقد السلطة أفقها للحلّ.هذا يفسر النزعة المناطقية والطائفية والقبلية المتنامية في المملكة. وهو يفسر الي حدّ بعيد صيرورة (التقسيم) المحتملة والتي تبعث علي الرعب لدي الجهاز السياسي، لكنها لا تحرّك فيه ساكناً لتعديل الأوضاع، اللهم إلا اعتماد المزيد من الحقن الطائفية، والمزيد من الإتكاء علي أدوات العنف.وأخيراً، فإن إصلاح الدولة يتم عبر إصلاح السلطة، وبدون هذا الإصلاح تصبح الدولة كائناً غريباً، وهمّاً ثقيلاً علي القلب والنفس، يتربص بها من يتربّص للتخلّص من شرورها بالقضاء عليها، او بتفكيكها، أو بتجاوز مفهومها الذي خُلقت من أجله إلا أن تكون جزءا من دولة أمميّة دينيّة ينظّر ويعمل لها بعض السلفيين من مؤيدي اسامة بن لادن، أو بعض القوميين ممن فاتهم قطار الوحدة العربية ولا زالوا ينتظرونه.ہ كاتب من السعودية8