السعودية الثورية وإيران المعتدلة!

حجم الخط
0

السعودية الثورية وإيران المعتدلة!

صباح علي الشاهرالسعودية الثورية وإيران المعتدلة!يتابع المراقبون السياسيون باهتمام بالغ التقارب السعودي الإيراني، وإذ يري أغلبهم بأن هذا التقارب محكوم عليه بالفشل، بحكم الإرث التأريخي من الإختلافات العقائدية، وتباعد التوجهات والمنطلقات السياسية، وتنافر التحالفات، فإن البعض الآخر يري إمكانية نجاح وتوطد هذا التقارب، وأسبابه في هذا متعددة، منها أن اليوم ليس كأمس، وأن السعودية وكذا إيران، في وضع من الحراجة بمكان، بحيث لن يبيح لهما الإسترخاء، وإستحضار خلافات الماضي، ولا تأزيم الأوضاع بأكثر مما هي متأزمة.التقارب السعودي الإيراني، سيواجه بعنف من قبل الرافضين المتعصبين من كلا الطرفين، فالطائفيون المتعصبون الشيعة، سيصرخون (يجب عدم بيع شيعة العراق ولبنان، وسيواصلون الزعيق، وترديد الإسطوانة التي باتت مشروخة، من أن هدف التكفيرين القضاء علي شيعة آل البيت، وهم إذ يتحدثون عن التكفيرين فلا يعنون القاعدة فقط، وإنما يعنون طيفاً واسعاً من المعارضين للتناحر الطائفي، والذين لهم موقف مغاير سواء من الإحتلال أو من مواقف الأحزاب الطائفية، والمتعصبون السنة سيصرخون( إنقذوا سنة العراق من شيعته، لا تتركوهم للصفويين، وفرق الموت. إيران المجوسية عدوة العرب والمسلمين، هي أخطر من أمريكا وإسرائيل، لا تنسوا عمر وأمنا عائشة، ولن تقوم لنا قائمة من دون القضاء علي الخطر الفارسي المجوسي)، ومنذ الآن يمكن تلمس ردود الأفعال هذه، سيسفر الطائفي من الجانبين عن نفسه أكثر فأكثر، وستسقط البراقع عن أدعياء الوطنية والقومية، وحتي العداء للإستعمار والصهيونية، وستتعري كثير من العمائم، واللحي، لأن في هذا التقارب نهاية مؤكدة لشهر عسلهم. هؤلاء المهووسون، المأزومون سوف لن يرفعوا الراية البيضاء، وحيث أن نفوذهم قوي جداً لدي الجانبين، فإن هذا التقارب الذي يبدو كالوليد العليل الذي لم يتم أشهره السبعة أو التسعة، سيكون عرضة لأي نكسة تأخذ بأجله. لذا فإن كفة المراهنة علي مثل هذا التقارب ستكون الأضعف، والأضعف جداً، فالقوي والأحزاب، والكتاب، وأجهزة الإعلام، التي تعتمدها الدولتان، وتنفق عليها، قوي تكاد تكون بالمطلق طائفية، عملت وما زالت تعمل علي حفرالخنادق، والتمترس بمواجهة بعضها البعض، ولا يمكن لتغيير التوجه أن يأتي أكله، إذا كان يتم بنفس التوجهات والأدوات السابقة.ينبغي نبذ القاموس المتخلف والكريه، قاموس إذكاء العداء والتناحر، بين أبناء الوطن الواحد، والأمة الواحدة. ينبغي بالترافق مع توجه الوئام، خلق قاموس الوئام، ينبغي ابدال الكره بالموّدة، والتناحر بالتعاون والتكامل، ينبغي التركيز علي ما يوّحد، والتخلي عما يُفرّق. لو أن الطرفين، أو الدولتين اتجهتا بهذا الإتجاه، فإن بإمكان المراقب والمتابع أن يترجّي خيراً، أما بدون هذا فإن كل ما جري وسيجري لا يعدو أن يكون قبض ريح.السؤال العملي الذي ينبغي لكل معني بشأن الأمة طرحه علي نفسه هو: إلي أين سيؤدي بنا مسلك الإحتراب، وتأجيج النعرات الطائفية؟ هل يتصور السني المتعصب أن بإمكانه القضاء علي الشيعة، أو الفكر الشيعي، بجز الرؤوس أو تفجير التحشدات الشيعية؟ وهل يتصور الشيعي المتعصب أن بإمكانه القضاء علي السنة بالمليشيات الطائفية، وفرق الموت؟ لو تمَّ تعميم هذا النهج، نهج الإحتراب، وهو يكاد يُعمم مع مزيد الأسف، فماذا تكون نتيجته؟ أي هول سيعم الأمة من مشرقها لمغربها؟ وأي وهن وهوان سنرزح تحت ثقله؟ ومن المستفيد بالمحصلة النهائية من كل هذا؟ لا تحتاج الإجابة علي هذه الأسئلة ذكاء حاداً أو ألمعيّة. المصير الأسود مرسوم بكل وضوح، والمستفيد معروف سلفاً، والخاسر مُشخص تماماً.إذن لا خيار أمامنا، وإن إختلفنا. لا خيار أمامنا وأن كره بعضنا البعض الآخر، فإما أن نعيش معاً، وإما أن نفني جميعاً. إما وإما هذه، هي التي تحدد خياراتنا. خياراتنا لا تحددها خلافات مضي عليها خمسة عشر قرناً. خياراتنا تحددها المسؤولية الأخلاقية إزاء شعوبنا وأوطاننا، وأمتنا، عربية كانت أم إسلامية، ومسؤوليتنا عمن ولد من أبنائنا ومن سيولد. هل وصل حكام السعودية وإيران إلي هذه الحقيقة البسيطة، البالغة الوضوح؟ نأمل أن يكون الأمر هكذا .المتابع الحصيف لا يعتقد أن إنتقال أحمدي نجاد إلي الرياض، والبقاء بضع ساعات فيها قد تمَّ لمجرد تبادل التحيات التي كان بالإمكان أن يتبادلها تلفونياً مع خادم الحرمين. إن الأمر أكثر أهمية وتعقيداً من كون الزيارة زيارة مجاملة، ولا هي زيارة بروتوكولية، وإنما هي زيارة عمل مكثّف، كانت تتويجاً لسعي هاديء إمتد لإشهر طويلة، تخللته زيارات مكوكية معلنة، وأخري غير معلنة، لشخصيات نافذة في كلا البلدين.ويمكن الإشارة إلي المحطات ذات الدلالة في هذه المسيرة، مثل: إعتراف السعودية بحق إيران في إمتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وينبغي أن ينتبه المراقب إلي أن السعودية بعد ذلك، عقدت إتفاقاً مع روسيا الإتحادية لمساعدتها في إمتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية.واضح أن أمريكا لا تريد مساعدة السعودية في هذا المجال، وإلا لعقدت معها إتفاقية في هذا الخصوص، ثم تصريحات العديد من المسؤولين السعوديين بإن السعودية ضد ضرب إيران، لأن مثل هذا العمل يعقّد الوضع في المنطقة أكثر مما هو معقّد. ثم تحسن العلاقات السعودية السورية، وسورية حليف قوي لإيران، والدخول السعودي القوي في الخلاف الفلسطيني والإسهام في حله، والأهم إتفاق إيران والسعودية علي حل المشكل اللبناني، عبر الضغط علي حلفاء الجانبين لتمرير تسوية مقبولة، وسيعقبه أو يترافق معه، الإتفاق علي تسوية الوضع العراقي، تحت مظلة المؤتمر الدولي، ومن الواضح أن تسوية الوضع في العراق، ستكون علي حساب القوي المتطرفة في الجانبين، مما يهييء لإصطفافات جديدة، قد يكون بعضها مُفاجيء، وغير متوقع، ولا ننسي تطور العلاقات السعودية الصينية، والإتفاقات التي يُقال أن السعودية ستزوّد بموجبها الصين بالنفط بشكل مباشر.من الواضح أن السعودية تستثمر مرحلة إنعدام الوزن في السياسة الأمريكية، نتيجة الفشل، والهزيمة غير المعلنة في العراق. لقد أوجدت الورطة الأمريكية في العراق مناخاً مناسباً كي تتحرك السعودية بحرية نسبيّة، وأعطت هامشاً معقولاً للتحرّك الإيراني نحو دول المنطقة. لقد إستغلت كل من إيران والسعودية الشلل الأمريكي، وإنكشاف ضعف وهشاشة القوّة الأولي والوحيدة في العالم، لترسما نهجاً للعلاقات بينهما قد لا يحوز علي رضا الأمريكان، لكن الأمريكيين لا يملكون خياراً آخر، أنهم بحاجة ماسة لمساعدة إيران والسعودية، وكذا سوريا، للخروج من المستنقع العراقي بما يحفظ ماء الوجه.. إنها لحظة تأريخية مناسبة جداً كي يرسم اللاعب السياسي في المنطقة خريطة العلاقات والتحالفات بين شعوب المنطقة، بعيداً عن التدخل المباشر للأجنبي، بريطانياً كان أم أمريكياً.دخلت أمريكا العراق من أجل الهيمنة علي المنطقة، فهل يكون خروجها من العراق خروجاً من المنطقة؟ ربما لن يحدث هذا اليوم، أو غداً، لكنه سيحدث حتماً. لقد بدء العد التنازلي لنزول البغل من علي قمة الجبل، وعلي المراقبين متابعة هذا الإنحدار. كلام قديم، وغير ذي جدوي، وصف إيران بالثورية، والسعودية بالمعتدلة .. لقد إنتهي زمن الأوصاف الجاهزة .. في منطق أوصاف اليوم، لن تكون السعودية ثورية، ولن تكون إيران معتدلة.. السعودية، مثلما إيران دولتان جارتان، ومسلمتان، تهيمنان علي أهم مصادر الطاقة في العالم، عليهما أن يتعايشا، ويعملا معاً لخدمة شعبيهما، وخدمة أمن واستقرار المنطقة، وما حك جلدك مثل ظفرك!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية