السعودية: المباح بين السياسة والدين
د. مضاوي الرشيدالسعودية: المباح بين السياسة والدينمنذ ان افتتح معرض الرياض للكتاب توالت علينا عدة رسائل يتساءل أصحابها عن سبب منع كتبي وحظرها حتي في عصر الانفتاح السعودي والمهرجانات الثقافية ورغم ان مثل هذه الأسئلة يجب ان توجه بالدرجة الاولي الي المنظمين والقائمين علي مثل هذه المناسبات إلا أننا اضطررنا للاجابة رغم اننا لسنا من زوار المعارض السعودية السابقة او الحالية لأسباب لا مجال لذكرها هنا.الموقف الرسمي السعودي من عملية حجب الكتب كان دوماً يتذرع بحماية الاسلام والمسلمين من مضمون الكتب الاباحية وقطع دابر الشرك والمروجين له ومن اجل ذلك انشأت الدولة مؤسسات وهيئات ووزارات اعلامية لتحقيق هذا الهدف ومنعت روايات صنفت علي انها اباحية رغم ان كتابها من السعوديين يحظون بالتقدير والتكريم في البلاد ودخلت السعودية في معضلة حجب كتب الكاتب وليس الكاتب نفسه ولكن مؤخراً تم رفع الحظر عن هذه الكتب ودخلت السوق السعودية. وقد اطلعنا علي لائحة من دور نشر لبنانية منذ اكثر من خمس سنوت تضمنت صنفين من الكتب الممنوعة. الصنف الأول روايات سعودية اعتبرها المسؤولون اباحية اما الصنف الثاني فكان يتضمن سلسلة طويلة من كتب السياسة والتاريخ والعلوم الاجتماعية بعضها كتبه مؤلفون سعوديون وبعضها نتاج عربي شامل.يبدو ان معرض الكتاب الحالي تجاوز حجب الكتب من الصنف الأول ولكنه ما زال يمارس سلطته علي الكتب من الصنف الثاني.لماذا يا تري رفعت الرقابة علي روايات الغرام والمراهقة والسير الذاتية وبقيت سيوف الرقيب مشهورة علي الصنف الثاني؟ هل هناك سياسة مدروسة وراء اغراق السوق الثقافية بقصص البطولات الشخصية علي الطعوس والرمال في صحاري الجزيرة وخاصة تلك التي تصف وبشكل واضح وصريح مغامرات ابطال لروايات بعضها يذكرنا بقصص المراهقة ومغامرات الشباب والشابات أو بمحادثات انترنتية بين مراهقات طفشن من ملل الايام وركودها. يهرب الكثير الي الرواية من واقع مفروض لا يستطيع تغييره فيجد فيها ملاذاً خيالياً ينقذه من هذا الواقع وينتشله من ركوده. قراءة المحظور في مجتمع مغلق تصبح ثورة علي هذا المجتمع ولكنها ثورة شخصية آنية قد تنفس بعض الاحتقان النفسي ولكنها لا تفرج كربة امة كاملة ولا تغيير واقعاً علي الارض. ترتبط اباحة مثل هذه الكتب بمخطط واستراتيجية تعتبر ان هناك علاقة حميمة بين الكبت الجنسي والارهاب، فكثير من مثقفي السعودية صور شخصيات ارهابية وكأنها مكبوتة جنسياً وارهابها ما هو إلا محاولة للتنفيس عن هذا الكبت، وبحث عن حور عين يفتقدها الارهابي في مجتمعه. فيضطر هذا الارهابي ان يطير بطائرته الي اقاصي العالم ويتخطي الكثير من الصعوبات من اجل ان يجد ما يبحث عنه وان كان في عالم آخر. مثل هذه الروايات لا تبدو وكأنها اعمال ادبية بل هي نتاج محلي يعكس متطلبات الحرب علي الارهاب اكثر ما يعكس قدرة ادبية ابداعية قادرة علي الخوض في شخصية الارهابي. ومن المعلوم من سير الكثير من الذين فجروا انفسهم وفجروا معهم الكثير من الآخرين انهم تزوجوا وانجبوا اينما وجدوا من الشيشان الي الصومال الي المغرب مرورا ببوسنيا وافغانستان واليمن. ومن الصعب اذن ان نتصور شخصية ابطال مثل هذه الروايات، وكأنهم يعانون من الكبت الجنسي وعملهم يأتي طلباً للتنفيس عن هذا الكبت.ولكن شاءت الحرب علي الارهاب ورواياتها ان تصورهم بهذه الصورة وبذك يهرب المصورون من مواجهة الحقيقة المرة والاجابة عن اسئلة مهمة تطرح المشكلة بأبعادها ليس فقط المحلية بل العالمية ويتجنب هؤلاء ايضاً معضلة الدور الذي تلعبه القوي السياسية وآلتها البوليسية في تفريخ الارهاب وتصديره الي ما بعد الحدود المحلية. رفع الرقابة عن هذا الادب يأتي من ضمن الاستراتيجية المدروسة والتي تعزل الارهاب الذي يمارسه الشخص عن محيطه ويجعل ارهابه انعكاساً لحالة نفسية شاذة تطلب الاباحية في جنة الخلد. لا يختلف كتاب مثل هذه الروايات عن امثالهم من المستشرقين الغربيين المولعين بما يدور في غرف نوم الآخر عربياً كان او هندياً او صينيا. وما زال بعضهم يبحث عن خفايا المجتمعات هذه فعينه الثاقبة هي استمرار لانتهاك الاوطان واستباحتها. وولع الغرب بمؤسسة الحريم قديمة وموثقة. تشارك في هذا الولع الرسام والروائي والرحال المغربي وتسابق هؤلاء في اطلاق مخيلتهم لوصف وقائع وأحداث لم يكن باستطاعة احدهم ان يكون عضواً مشاركاً في خفاياها واسرارها. واليوم هناك جيل سعودي من الروائيين والكتاب يقعون في نفس خانة هؤلاء المستشرقين القدامي الذين طوروا هذا الفن وتفننوا في تخيله. يلقي هؤلاء ترحيباً حاراً في معارض الكتب وتتبني مشاريعهم وزارة الثقافة والاعلام تماماً كما هو حاصل في معرض الرياض للكتاب.الاباحة في هذا المعرض تخضع للسياسة وليس للدين ورغم مزاعم النظام السعودي بأن اجهزة الرقابة تعتمد علي معايير دينية الا انها علي ارض الواقع محددة بالسياسة فقط. ومن هنا تظل كتب الصنف الثاني ومن ضمنها كتبي وهي بمجملها كتب سياسية وتاريخية لا تتطرق للإباحية او الجنس ممنوعة ومصادرة من قبل اجهزة الدولة. تتعرض هذه الكتب للذات الحكومية وليس للذات الإلهية. وتقع ضمن سلسلة من الكتب الأخري التي تناقش مسيرة التطور التاريخي والسياسي من منظور يختلف تماماً عن الكتب التي تؤصل للنظرة الرسمية وأساطيرها التاريخية. رغم الانفتاح الجنسي المتبني رسمياً تظل السياسة من المحرمات وخاصة تلك الدراسات التي تسلط الضوء علي زيف الخطاب الرسمي ونظرته للماضي والحاضر المستقبل. الحصانة المفروضة علي سياسة الدولة وأقطابها تفرض عدم مناقشة هذه السياسة التي أصبحت من المحرمات ومناقشتها تطعن في عصمة ائمة خالدين او انبياء سابقين. لقد ارتفعت الذات الحكومية الي مرتبة اعلي بكثير من مرتبة الذات الالهية اذ اشار احد المعترضين علي معرض الكتاب وهو الشيخ ناصر العمر ان المعرض اخل بالدين عندما سمح لكتب وصفها الشيخ بالالحاد ولكن تناسي الشيخ ان اباحة الالحاد وكتبه لا تطعن بالذات الحكومية لذلك هي اليوم جزء لا يتجزأ من سياسة الانفتاح الثقافي. وانتقد المعرض والقائمين عليه من مبدأ ديني بحت. ولكن دولته لا تتقيد بالمعيار الديني بل هي تخضع حكمها علي الكتب والثقافة لمنظور سياسي بحت. وكتب الاباحية والالحاد لا تهدد العرش السياسي رغم انها تنال من رب العرش العظيم. لقد جاء اعتراض الشيخ السعودي ناقصاً اذ انه لم يشر الي مغزي ما هو مباح اليوم في السوق السعودية وما هو محرم. تبقي السياسة المحرك الاول والمعيار الأهم في مسيرة الاباحة والتحريم. وستظل الثقافة حبيسة ان هي دخلت الي دهاليز السياسة وعرتها ولكنها طليقة ان وفرت فرصة الهروب من الواقع عن طريق الفوضي في خفايا الذات الشخصية ومخيلتها وشذوذها.هذا الهروب توفره اعداد كبيرة من الروايات ولكن كتب السياسة والتاريخ المحظورة تتطرق للشأن العام وتتساءل عن مسيرة التنمية وتفضح الأحلاف والمؤامرات الداخلية والخارجية لذلك تبقي خارج نطاق الثقافة المتداولة ويتم الحجر عليها الي اجل غير مسمي. في هذه الكتب لا توجد مساحة للهروب بل هي تذكر القارئ بالواقع وتفجر عقله بدل ان تفجر غرائزه المكبوتة.لا توفر هذه الكتب اساطير مكررة تجاوزتها الحقائق القائمة والممارسات السلطوية بل تطرحها في وجه القارئ بشكل مفضوح وصريح وتطلب منه ان يفعل حكمه علي الاحداث من خلال البرهان والحجة بدل ان يتقوقع خلف تفاصيل الحياة الشخصية لمراهق او مراهقة او يغوص في متاهات الجسد بدل ان يغوص في متاهات الجسد السياسي المحصن.سيبقي الجسد السياسي خارج الاباحة ومناقشته في كتب سياسية او تاريخية خارج اطار معرض الكتاب. وقد تسقط الحصانة عن زاويتين من زوايا الثالوث المحرم وهي الجنس والدين ولكن ستبقي الزاوية الاكثر حساسية وحصانة اي زاوية السياسة مسيجة ومراقبة من قبل اجهزة الارهاب الفكري. ولكن نعتبر هذه المراقبة عملية فاشلة قد تجاوزها الزمن خاصة وان المجتمعات اليوم قادرة علي تجاوز الحجب في عصر النشر الالكتروني فكثير من الكتب الممنوعة متوفرة بأشكال مختلفة علي الشبكة العنكبوتية وكثير من دور النشر طورت أساليبها ودخلت في مشروع هذا النشر الجديد والذي يجعل الكتاب متوفراً خلال دقائق معدودة الي عدد كبير من القراء وبأسعار رخيصة ناهيك عن القرصنة وكتب تباع خلف الكواليس والتي تنتشر بسرعة فائقة وتلقي رواجاً أكثر من الكتب المسموح بتداولها.معركة الرقيب مع الكتاب السياسي والتاريخي انتهت منذ زمن بعيد بهزيمة فخرية ومهما حاولت مؤسسات الرقابة تطوير أساليبها وتحديث اجهزتها لن تنجح في حجب الفكر. ستظل هناك اقلية من القراء الذين يبحثون عن الممنوع ويسخرون طاقاتهم وجهدهم في سبيل الحصول علي المحظور ولم يتعلم الرقيب ان كل ما هو محظور مرغوب.9