السعودية.. ايران.. والبحرين

حجم الخط
0

رأي القدس اختلفنا في هذه الصحيفة مع الكثير من المواقف السياسية السعودية، وكنا، وما زلنا، من ابرز المعارضين لارسال قواتها الى البحرين تحت غطاء دعم حكومتها في مواجهة المطالب المشروعة بالاصلاح من قبل الانتفاضة الشعبية، ولكننا لا نتورع عن استنكار الاعتداء الذي تعرضت له سفارة المملكة العربية السعودية في العاصمة الايرانية طهران من قبل متظاهرين ايرانيين القوا قنابل مولوتوف عليها بهدف حرقها.

ان تحتج الحكومة الايرانية، او بعض انصارها، على انحياز الحكومة السعودية لنظيرتها البحرينية امر لا جدال فيه، ولكن السماح لمتظاهرين بمهاجمة السفارة وتخريبها امر مستهجن ويتنافى كليا مع الاعراف الدبلوماسية المتبعة بين الدول. فمن المفترض، ان تقوم الحكومة الايرانية، او اي حكومة اخرى بحماية السفارات الاجنبية، ومنع اي اعتداء عليها، وتوفير الحماية الكاملة للدبلوماسيين العاملين فيها واسرهم.

ندرك جيدا ان هناك توترا متصاعدا في العلاقات الايرانية السعودية، وان احداث البحرين احدثت استقطابا طائفيا غير مسبوق في المنطقة العربية بأسرها، ولكن ما ندركه ايضا ان هذا الاستقطاب، وما يمكن ان يؤدي اليه من فتنة بين ابناء العقيدة الواحدة، سيلحق ضررا كبيرا بالجميع دون استثناء.

البحرين دولة عربية، وشعبها شعب عربي، بغض النظر عن التقسيمات الطائفية الموجودة فيها، وكنا نتمنى لو ان الجيران، سواء ايرانيين كانوا او خليجيين، قد امتنعوا كليا عن التدخل في شؤون هذا البلد، لدعم هذه الطائفة او تلك، ولمصلحة انضاج الحوار وبما يؤدي الى ايجاد حل سلمي للازمة السياسية.

واذا كانت السلطات السعودية قد اخطأت في نظر نظيرتها الايرانية عندما ارسلت قوات الى البحرين، فان ايران ارتكبت الخطأ نفسه، ان لم يكن اكبر منه، عندما انحازت الى طرف ضد طرف آخر في الازمة البحرينية، وعلى ارضية التقسيمات الطائفية، وسمحت لمتظاهرين بمهاجمة السفارة السعودية بالطريقة التي شاهدناها قبل ايام معدودة.

نتفق مع الرئيس الايراني محمد احمدي نجاد في تحذيره لدول المنطقة مما سماه ‘مؤامرة تهدف الى نزاع عربي ـ ايراني، وسني ـ شيعي’ مثلما نتفق معه في مطالبة الجميع بالتحلي بالوعي والفطنة وعدم الوقوع في مصيدة هذا المخطط، ولكننا نعتقد ان ايران تنزلق الى هذه المصيدة، وربما بحسن نية، بالسماح لبعض المتظاهرين بمهاجمة سفارة من المفترض ان تكون آمنة ومحصنة بالمعاهدات الدولية، وبالتدخل بطريقة او باخرى في الشأن البحريني والانتصار للمعارضة التي هي عربية قبل ان تكون شيعية المذهب.

لا نجادل مطلقا في ان ظلما كبيرا وقع على ابناء الطائفة الشيعية في البحرين، وان هناك ممارسات تمييزية ضدهم، بسبب مذهبهم، وهذا الظلم لا يطالهم وحدهم، وانما يطال ايضا اشقاءهم في اكثر من دولة خليجية، وكان من المعيب، حدوث مثل هذه المظالم في الاساس، وبما يؤدي الى افساح المجال للتدخلات الخارجية.

النظام البحريني يتحمل المسؤولية الاكبر في تفاقم الاوضاع في البحرين بالصورة المتأزمة التي نراها حاليا، لانه لم يعزز مبدأ المواطنة، وتكريس العدالة الاجتماعية، والانفتاح السياسي، واطلاق الحريات الديمقراطية والتعبيرية بالشكل المأمول.

السلطات البحرينية اعترفت بشرعية مطالب المحتجين المطالبين بالاصلاح، وكلفت ولي العهد بفتح حوار مع ممثلي المعارضة في دوار اللؤلؤة وسط المنامة، وكاد هذا الحوار يعطي ثماره بعد التجاوب مع معظم المطالب الاصلاحية، ولكن فجأة انقلبت الاوضاع رأسا على عقب، ولجأت هذه السلطات الى الحلول الامنية القمعية مما اغلق باب الحوار وفتح الباب للتدخلات الخارجية والتأزيم الطائفي.

المخرج الاكثر قبولا وواقعية في رأينا هو في عودة الحوار بين السلطة والمعارضة، ووقف كل انواع التحريض والتصعيد، للوصول الى تسوية وسطية تؤدي الى تنفيس حالة الاحتقان الراهنة، وانسحاب القوات السعودية والخليجية، وعودة الاوضاع الى صورتها الطبيعية.

مبدأ التعايش في اطار ديمقراطي، وفي اطار حكم القانون، والقضاء العادل هو الكفيل بتجاوز الازمة الحالية، واغلاق الباب امام التدخلات الخارجية في الشأن البحريني، ولكن هذا المبدأ لا يمكن ان يترجم على ارض الواقع الا في ظل احترام جميع ابناء البحرين له، سلطة ومعارضة، وتقديم مصلحة الوطن والمواطنة على مصلحة الطائفة، والحفاظ على هوية البحرين العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية