السعودية بين مطرقة السوق وسندان الحاجة إلى انعاش الاقتصاد

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

يثير قرار السعودية عزمها إجراء تخفيضات طوعية في إنتاجها من النفط بكمية تصل إلى مليون برميل يوميا خلال الشهرين المقبلين الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة الأوضاع في سوق النفط العالمية، وتأثير حالة عدم اليقين بشأن تعافي الطلب على الأسعار، ومدى قدرة السعودية على تمويل الإنعاش الاقتصادي، والحيلولة دون استمرار الانكماش وتجنب اتساع نطاق الإفلاسات بين شركات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، التي تعاني من ضغوط قوية في السوق منذ العام الماضي. القرار السعودي يعني إعلان سياسة جديدة عنوانها “تقييد العرض” في السوق، على العكس من سياسة “الإغراق” التي اتبعتها في الربع الثاني من العام الماضي وأدت إلى انهيار الأسعار.

تخفيض يقود لزيادة الأسعار

وكانت المجموعة الموسعة للدول المصدرة للنفط التي تضم دول أوبك وأخرى من خارجها قد قررت أخيرا تحت ضغوط قوية من السعودية تخفيض الإنتاج حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وتحملت السعودية النصيب الأعظم من التخفيض الذي سيصيب ما يقرب من 10 في المئة من الإنتاج. وكانت اجتماعات المجموعة الموسعة قد شهدت خلافات عميقة حول تقييم الطلب في السوق خلال الربع الأول من العام الحالي، حيث وقفت روسيا على طرف، يرى أن الطلب العالمي يتعافى بما يستدعي زيادة الإنتاج بنحو نصف مليون برميل يوميا ثم بمقدار مماثل في الربع الثاني من العام، بينما وقفت السعودية على الطرف النقيض برؤية مفادها أن النمو في الطلب العالمي ما يزال هشا، وأن توازن السوق يحتاج إلى تخفيض الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا. ومع ذلك فإن السعودية، تحت ضغوط دول أخرى، سمحت لبعض الدول مثل روسيا وكازاخستان بزيادة إنتاجها. وقد أدى قرار السعودية إلى صدمة سعرية في السوق تسببت في زيادة أسعار الخام بنسبة 7 في المئة تقريبا حتى نهاية الأسبوع الأخير، وهو ما يعد مكسبا للمنتجين جميعا من الدول إلى الشركات الدولية المنتجة، والشركات التجارية وشركات الوساطة.
لكن تخفيض إنتاج النفط السعودي يعني تخفيض الصادرات، ومن ثم تخفيض الإيرادات النفطية عن التوقعات في الميزانية الجديدة، إلا إذا تفوقت الزيادة في الأسعار على تأثير الانخفاض في كمية الصادرات. وطبقا للتقديرات التي أوردتها وزارة المالية السعودية في الميزانية الجديدة، فإن الانخفاض في الإيرادات النفطية في العام الماضي عن توقعات الميزانية بلغ حوالي 100 مليار ريال سعودي، بنسبة انخفاض عن التقديرات تصل إلى 20 في المئة تقريبا، حيث بلغت الايرادات النفطية 412 مليار ريال مقابل تقديرات الميزانية بقيمة 513 مليارا. وقد تغلبت الحكومة جزئيا على هذا الانخفاض بتطبيق عدد من الإجراءات التقشفية، وذلك على الرغم من احتياجات انعاش الاقتصاد للتغلب على تداعيات كورونا. وبلغت حصيلة الإجراءات التقشفية حوالي 38 مليار ريال سعودي، أي ما يغطي نسبة 38 في المئة من انخفاض الايرادات النفطية. وشملت إجراءات التقشف فرض رسوم جديدة، وزيادة الضرائب وأهمها مضاعفة نسبة ضريبة القيمة المضافة إلى ثلاثة أمثال ما كانت عليه، إضافة إلى تخفيض النفقات العامة في الميزانية بنسبة رسمية بلغت 8 في المئة خلال النصف الأول من العام. كما قامت الحكومة بالسحب من احتياطي النقد الأجنبي، ومن صندوق الاستثمارات العامة.
وتشير تقديرات ميزانية العام 2021 إلى استمرار العمل بسياسة تخفيض الإنفاق للعام الثاني على التوالي بنسبة 7.3 في المئة هذا العام مع ترجيح استمرار هذه السياسة حتى عام 2023. وطبقا للسيناريو الرئيسي للعام الحالي بأن تكون أسعار النفط في حدود 50 دولارا يوميا في المتوسط، فإن الايرادات النفطية المتوقعة في العام الحالي ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2020 بنسبة 18 في المئة، ولكنها ستبقى أقل من مستواها في عام 2019. أما إذا ارتفع متوسط أسعار النفط إلى 55 دولارا للبرميل، فإن حصيلة الإيرادات النفطية ستزيد بنسبة 34 في المئة. لكن هذه الزيادة ستتوقف أيضا على كمية الصادرات السعودية من النفط، جنبا إلى جنب مع زيادة الأسعار في السوق، التي ستظل عند مستوى أقل من عام 2019. أما السيناريو الثالث الذي يتبناه بنك غولدمان ساكس فيميل إلى ترجيح ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي إلى 65 دولارا للبرميل، وهو سيناريو شديد التفاؤل ويحتاج إلى ظروف استثنائيه لتحقيقه. وقد علق غولدمان ساكس على قرار السعودية تخفيض الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا قائلا أن ذلك يعزز توقعاته بشأن أسعار النفط هذا العام. وتدل مؤشرات الأداء في أسواق المال على وجود موجة تفاؤل قوية في العالم، لكن هذا التفاؤل ما يزال يقف على أرضية هشة صحيا واقتصاديا وسياسيا، بالنظر إلى ما تعانيه الدول الصناعية المتقدمة خصوصا الولايات المتحدة في مكافحة جائحة كورونا.

التأثير على النمو

يمكن القول بأن هدف “سياسة تقييد العرض” في السوق التي تتبناها السعودية حاليا هو تحقيق الاستقرار للايرادات النفطية التي تسهم بأكثر من 56 في المئة من ايرادات الميزانية. ونظرا لانخفاض القدرة على المناورة في بنود الايرادات الأخرى المحكومة بمستوى النشاط الداخلي، فإن المجالات الرئيسية لزيادة الايرادات لتمويل التوسع والانعاش الاقتصادي تتمثل في زيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، وزيادة الرسوم والأعباء المالية على المكلفين؛ فإذا لم تتمكن الحكومة من تدبير الموارد الكافية فإن الحل الأخير يتمثل في تأجيل المشروعات وتخفيض الانفاق العام، وهو ما لجأت إليه فعلا كإجراء احترازي في ميزانية العام الحالي بإعلان تخفيض الانفاق رسميا بنسبة 7.3 في المئة عن العام الماضي إلى 990 مليار ريال.
وتأمل السعودية تحقيق معدل للنمو هذا العام بنسبة 3.2 في المئة، وهو ما سيترك الاقتصاد في نهاية 2021 أقل مما كان عليه في نهاية 2019 حيث بلغ معدل الانكماش الاقتصادي في العام الماضي 3.7 في المئة حسب التقديرات الأولية للحكومة، وبنسبة أكبر تبلغ 5.4 في المئة حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وهذا يعني أن مستوى الرفاهية للدولة ككل والمواطن الفرد على السواء سيظل أقل مما كان عليه من قبل. ويحذر صندوق النقد الدولي من خطورة التسرع في وقف إجراءات تحفيز النمو الاقتصادي، لأن ذلك قد يؤدي إلى اتساع نطاق الإفلاسات بين الشركات واستمرار الانكماش في الاقتصاد. ودعا الصندوق إلى ضرورة استمرار سياسة المحافظة على فرص العمل وتقليل البطالة بدفع أكبر نسبة ممكنة من أجور عمال القطاع الخاص المهددين بفقد وظائفهم، وإلى استمرار التحويلات النقدية المباشرة للمتضررين من جائحة كورونا، التي لم تنته بعد. كما دعا الصندوق إلى استمرار العمل بسياسة منح التسهيلات الائتمانية الكافية لشركات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها واحدا من أهم محركات النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل للشباب.

استقرار الايرادات

وسوف يحتاج تمويل هذه الإجراءات إلى ايرادات مستقرة لا تتأثر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، خصوصا وأن عددا من الدول الصناعية قد عاد إلى فرض الإغلاق الوقائي الكلي أو الجزئي بسبب ارتفاع معدلات الإصابات والوفيات بفيروس كورونا المستجد، بما في ذلك السلالات الجديدة الأسرع انتشارا التي ظهرت في بلدان مثل بريطانيا وجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من أن سياسة “تقييد العرض” في سوق النفط سوف تسفر عن ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه السياسة تنطوي أيضا على احتمال انخفاض الايرادات بسبب تراجع الكميات المصدرة من النفط الخام نتيجة التخفيض الطوعي للإنتاج، وكذلك بسبب المزاحمة في السوق من جانب المنتجين الأقل التزاما داخل أوبيك مثل العراق، أو المنتجين الآخرين الذين لا يشملهم اتفاق المجموعة الموسعة لمصدري النفط التي تقودها السعودية وروسيا. ولذلك فإن سعي السعودية إلى تحقيق معدل للنمو بنسبة 3.2 في المئة هذا العام ينطوي على خطر زيادة العجز عن التقديرات الواردة في ميزانية العام الحالي المقدر بنحو 141 مليار ريال أو ما يعادل حوالي 5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. وعلى الرغم من أن هذا التقدير يقل عن العجز في ميزانية العام الماضي الذي بلغ حسب التقديرات الرسمية حوالي 300 مليار ريال بنسبة 12 في المئة من الناتج المحلي، فإن تحقيقه يعتمد على سلامة أرقام تدفقات الايرادات الأخرى في الميزانية، وأهمها ايرادات النفط التي تشكل أكثر من نصف الإيرادات الكلية.
وفي حال انخفاض ايرادات النفط عن توقعات الميزانية؛ فإن الحكومة السعودية ستلجأ إلى المزيد من تخفيض الإنفاق العام، وزيادة التحويلات من صندوق الاستثمارات العامة لتمويل مشاريع محلية حتى لا تتوقف أو تتأخر برامج تنفيذها، وكذلك الاقتراض من الخارج. وباستثناء العجز في الميزانية، فإن السياسة الاقتصادية السعودية لا تواجه خطورة في مجالات تحقيق التوازن الاقتصادي عن طريق الاقتراض، إذ أن الدين العام السعودي ما يزال في حدود آمنة جدا عند مستوى 34 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في حين ان النسبة الحرجة هي 60 في المئة. كذلك فإن السعودية لم تقترض كثيرا لتمويل برامج تحفيز النمو الاقتصادي، وإنما اعتمدت على تخفيض الانفاق العام، بما في ذلك عدد من المزايا الاجتماعية مثل إلغاء علاوة غلاء المعيشة، ورصدت موارد مالية تقل كثيرا عما رصدته دول العالم الأخرى المماثلة الأعضاء في مجموعة العشرين. وسوف تكون موارد تمويل الرعاية الصحية والسيطرة على انتشار فيروس كورونا، وكذلك الموارد المخصصة لبرامج تحفيز الاقتصاد هي العوامل التي ستقرر معدل النمو الاقتصادي للسعودية في العام الحالي، وسوف يحتاج تحقيق معدل النمو المستهدف في الميزانية إلى قدر أكبر من الموارد نظرا لطبيعة الانكماش الذي تعرضت له البلاد، وإلى قدر أكبر من الاستقرار في تدفق الايرادات حتى لا تتعرض الأنشطة الاقتصادية إلى الاضطراب في الأداء، وحتى لا يواجه الاقتصاد عموما اختناقات تؤدي إلى ضعف النمو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية