الدوحة ـ»القدس العربي»: تفتش المملكة العربية السعودية عن أي مخرج سياسي ينقذها من مأزق حرب اليمن، وتسعى للخروج من مستنقع الحرب التي شنتها قبل أزيد من خمس سنوات، وهو المسعى الذي أصبح واقعاً، وليس مجرد خيار، بعد تحول بوصلة واشنطن نحو إنهاء الأزمة، في وقت ما تزال أبو ظبي تناور لترسيخ وتعزيز وجودها في الجنوب، وتقلب الطاولة على حليف الأمس (الرياض).
في حملته الانتخابية، شدد جو بايدن الرئيس الأمريكي، إنه سيتخذ موقفاً حازماً، بشأن الحرب التي وصفها بـ»المدمرة» في اليمن، ومنذ أيامه الأولى في البيت الأبيض، تأكد لساسة الرياض، أن المسألة جادة، وليست مجرد خطابات دعائية. وتتزايد في الفترة الأخيرة وتيرة الأحداث والتحركات التي تصب جميعها في اتجاه إيجاد حل سياسي للحرب التي باشرتها الرياض منذ 25 آذار/مارس 2015.
ونشر «أكسيوس» المتخصص، تقريراً عدد فيه عدداً من الإشارات التي ترسلها السعودية لإدارة جو بايدن، وتقدم أبرزها صورة عن استعدادها للتعاون في اليمن. واستدل الموقع بلقاء وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع مبعوث الرئيس بايدن الخاص لليمن تيم ليندركينغ في الرياض.
واستنتج تحليل الموقع أن الرياض أصبحت قريبة أكثر من أي وقت آخر من اتخاذ خطوة جريئة حول انسحابها من خاصرتها الجنوبية، عبر حل سياسي.
أما مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية فكشفت فحوى الرسالة التي حملها المبعوث الأمريكي الخاص لليمن، إلى الرياض بخصوص إنهاء الحرب في اليمن، أيام قليلة بعد إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن وقف دعم العمليات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن.
ونقلت المجلة الأمريكية التي استقت معلوماتها عن مسؤول مطلع على الرحلة، أن الرسالة كانت واضحة ومباشرة، «إنهاء حرب اليمن بحل سياسي لا عسكري». وأضافت أن «الرسالة ستتضمن شرح أسباب قطع الولايات المتحدة دعمها للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن».
المجلة الأمريكية استطردت في سبر نية واشنطن تجاه حليفتها الرياض، والتأكيد أن البيت الأبيض أبلغ قيادة السعودية: رسالة فورية حول جدية ضغط إدارة بايدن من أجل السلام.
صحيفة «وول ستريت جورنال» بدورها أكدت الأمر، وعززت من دقة التسريب، ونقلت عن مسؤولين أمريكيين أن تشجيع الأطراف المتحاربة في اليمن على إنهاء الصراع، سيكون أولى مهام المبعوث الجديد.
ووفق مراقبين، انحازت الولايات المتحدة طوال السنوات الماضية إلى تحالف عسكري تقوده السعودية منذ 2015 لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.
كما اعتمدت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، في نهاية ولايتها، قراراً بتصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وفرض عقوبات على عدد من قادتها، وهو القرار الذي أعلنت إدارة بايدن، في 22 كانون الثاني/يناير الماضي، أنها بصدد مراجعته.
وتعود تحركات الديمقراطيين الذين استلموا مؤخراً دفة الحكم في الولايات المتحدة، إلى حرج قياداتهم من دعم بلادهم التحالف الذي قادته السعودية، وزودته بالأسلحة، وساندته استخبارياً ولوجستياً.
والأزمة التي تعترض واشنطن وتحاول الخروج من ورطتها، هي أن هذا الدعم يسبب المزيد من الإحراج لتركة الحرب، وكلفتها. الأمم المتحدة أشارت إلى أن الحرب في اليمن أودت بحياة نحو ربع مليون شخص، وبات 80 في المئة من السكان، البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعتمدون على المساعدات للبقاء أحياء، في أسوأ أزمة إنسانية بالعالم.
وتتوارد سريعاً المؤشرات على تصاعد الضغط الأمريكي، واستسلام الرياض للمنحى الذي أخذته، وهو ما يدفع قيادتها للمضي قدماً، وتفادي ما من شأنه أن يعمق من الهوة التي أصبحت تربط البلدين، ولم تعد في نفس مستواها خلال عهدة ترامب.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن الوزير أنتوني بلينكن، توصل مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، إلى نهج دبلوماسي لتسوية سياسية في اليمن، بالتزامن مع مباحثات أجراها المبعوثان الأمريكي والأممي إلى اليمن في الرياض. وما يعزز من نهج واشنطن الجديد وتصورها لإدارة دفة الصراع اليمني، توجهها نحو إلغاء قرار الرئيس السابق ترامب بتصنيف الحوثي «جماعة إرهابية» في سبيل التعجيل للتوصل لحل سياسي، والمساهمة في إيصال مساعدات للسكان.
ميزان الربح والخسارة
يُنظر إلى حرب اليمن على نطاق واسع، على أنها حرب بالوكالة بين السعودية، حليفة الولايات المتحدة، وإيران. لكن الواقع يشير إلى أن التحالف الذي تشكل عام 2015 انتهى عملياً، ولم يعد هناك سوى السعودية، وهي ترغب الخروج من المأزق في أقرب فرصة.
لكن الخسارة التي تكبدتها الرياض ليست عدم تحقيق الحرب التي شنتها للنتائج المرجوة وإعادة الشرعية، لكنها تكمن في حدودها الأخرى، وليست الجنوبية، بل في أبو ظبي. وبالرغم من أن الإمارات أعلنت في تموز/يوليو 2019 انسحابها من اليمن، ضمن خطة «إعادة انتشار» لأسباب «استراتيجية وتكتيكية» حسب ادعاءاتها، اكتشفت الرياض أن ذلك ليس حقيقياً.
وأشار معهد واشنطن إن الحرب أنهكت الإمارات عسكرياً وسياسياً ومادياً، حسب المعطيات التي سربتها، لكنه شدد أنها أي الحرب: «وضعت السعودية في عزلة في مواجهة الحوثيين».
وحتى الآن تجد الرياض نفسها تحارب وحيدة على كافة الجبهات، من الشمال وفي صنعاء، الحوثيين، وجنوباً حيث عدن التي أرادت أن تكون مقر الشرعية، وجدت نفسها في مواجهة مفتوحة مع انفصاليي الانتقالي، المدعومين من أبو ظبي حليفتها.
حرب الوكالة
عادة ما يوجه مسؤولون يمنيون اتهامات مباشرة للإمارات بالسعي إلى تقسيم اليمن، والسيطرة على جنوبه من أجل التحكم بثرواته وبسط النفوذ على الموانئ الحيوية، وتسليح قوات موازية للحكومة الشرعية.
ومؤخراً كذّب مسؤول في حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، ما أعلنته الإمارات عن إنهاء وجودها العسكري في البلاد، في محاولة للتغطية على دعمها ميليشيات مسلحة.
وطالب وكيل وزارة الإعلام محمد قيزان أبو ظبي بـ»وقف تسليح الميليشيات في الجنوب» ضمن مؤامراتها لتقسيم اليمن. وكان قيزان يرد على إعلان أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي السابق، أن بلاده أنهت تواجدها العسكري في اليمن.
وقال قيزان: «العالم قرية صغيرة بفضل وسائل الإعلام والجميع يعرف أنكم (في إشارة للإمارات) ما زلتم في اليمن». وأضاف: «اسحبوا جنودكم من سقطرى (جنوب شرق) وبلحاف (في محافظة شبوة /جنوب) وميون (جزيرة /غرب) وأوقفوا تسليح الميليشيات». هذا التصريح اللافت لمسؤول يمني، يفضح مزاعم الإمارات التي تدّعي إنهاء تدخلها العسكري باليمن.
ويذهب المراقبون إلى تضافر عوامل عدة أخرى، دفعت الإمارات للانخراط بدور محوري فاعل في رسم المشهد الدامي في البلاد. فإلى جانب الرغبة في وقف رياح التغيير، ووأد مطالب التحول الديمقراطي، والقضاء على قوى الإسلام السياسي التي كان لها دور بارز في الثورة السلمية في اليمن، ثمة طموح جامح لدى أبو ظبي لتوسيع نفوذها الإقليمي على خطوط إمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والعودة إلى ميناء عدن الاستراتيجي. وتأتي هذه التحركات وفق الخبراء بعد إعلان جيبوتي إلغاء عقد الامتياز الممنوح لمجموعة «موانئ دبي العالمية» واستعادة إدارة ميناء دورال، وإعلان سلطات «أرض الصومال» وقف أعمال بناء مطار القاعدة العسكرية الإماراتية في بربرة الاستراتيجي.
ويؤكد عدد من الباحثين في دراسات حديثة عن اليمن، أن الإمارات وجدت فرصة سانحة في التحالف الذي تقوده السعودية للعب دور أساسي في العمليات العسكرية المشتركة في اليمن، مستفيدة من انشغال القيادة السعودية في ترتيبات بيت الحكم داخل العائلة المالكة، وعملت أبو ظبي بديناميكية على تعزيز حضورها في المشهد اليمني خلال خمس سنوات وإعادة ضبط مسار الأحداث في ضوء أجندتها المرسومة في البلاد.
استمرت الإمارات في استثمار حالة التشظي وعملت عبر أدواتها المحلية المتمثلة بالمجلس الانتقالي على عرقلة ورفض الانصياع لقرارات التعيين الصادرة عن الرئيس هادي.
ففي مطلع شباط/فبراير 2017 رفضت قرارا بتعيين ضابط أمن مطار عدن بدلًا عن سلفه، وحين حاولت قوات من الحماية الرئاسية التدخل لتطبيق القرار تعرضت لقصف الطيران الإماراتي.
وتكشف السياسات الإماراتية في اليمن، أن توقف عملية التحرير على حدود الشطرين هدفها إعادة ضبط مسار الحرب وفق أجندات أبو ظبي، وأن إطالة أمد الصراع بصرف النظر عن كلفته الإنسانية كانت مقصودة، بغية التحكم بأدوات اللعبة وصولًا إلى عقد اتفاق هدنة إماراتية مع الحوثي أو إيران نفسها.
كما أسهم الدور الإماراتي في اليمن بشكل غير مباشر في تعزيز قدرات الجماعة الحوثية، فقد أدى تلاشي الشرعية في المناطق المحررة إلى فقدان الثقة الشعبية بقدرة الأخيرة على إنجاز عملية التحرير لإسقاط المشروع الحوثي، ووفر الوضع القاتم في جنوب اليمن مادة إعلامية حربية لجماعة الحوثيين لاستثماره داخليًّا في تعزيز مواقفها المناهضة للتدخل السعودي/الإماراتي والتحشيد لمواجهة قوات الشرعية والتحالف.
شكوك تطارد نوايا أبو ظبي
يشكِّك كثيرون في جدية حرب الإمارات لدعم الشرعية أو إسقاط الحوثيين، رغم إعلان جماعة الحوثي مسؤوليتها عن ثلاث هجمات فقط، ادَّعت أنها استهدفت مواقع حيوية في الإمارات، بينها هجوم بطائرة مسيَّرة من نوع صماد استهدف مطار أبو ظبي في 26 تموز/يوليو 2018 وهو الأمر الذي نفته الإمارات وعزت الانفجار في المطار إلى حادثة تسببت بها مركبة لنقل الإمدادات، لكن الحوثيين بعد نحو عام نشروا تسجيلًا مصورًا للهجوم.
وفي الوقت الذي كانت العاصمة المؤقتة، عدن، تشهد حالة من الغليان والتوتر بين الانتقالي المدعوم إماراتيًّا والشرعية، سارعت أبو ظبي لإرسال وفد أمني رفيع المستوى إلى طهران، التقى مسؤولين إيرانيين وانتهى اللقاء بالاتفاق على ضرورة تعزيز الدبلوماسية، والتأكيد على أهمية تعزيز أمن مياه الخليج وبحر عُمان.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت الإمارات إعادة الانتشار وسحب جزء من قواتها في اليمن وهو الأمر الذي حظي بإشادة وترحيب الحوثيين، واعتبرها ناطق الحوثيين، محمد عبدالسلام، خطوة محل تقدير، أيًّا كانت دوافعها، مؤكدًا توقف ضرباتهم ضد الإمارات منذ اتفاق السويد بسبب توقف عملياتها في الساحل الغربي، وانسحابها الجزئي من اليمن.
تحرك أوروبي
وفي السياق، تتجه بروكسل لاعتماد قرار في البرلمان الأوروبي بشأن اليمن، يدعو إلى الانسحاب الفوري لجميع القوات الأجنبية من اليمن، كما يؤكد ألا حل للأزمة إلا عبر مفاوضات بقيادة يمنية تشمل جميع مكونات الشعب.
كما يدين أعمال العنف الجارية في البلاد منذ 2015 والتي تسببت في أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ويشدد مشروع القرار على دعم جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن لدفع العملية السياسية.
وطالب الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات حازمة تجاه إحالة مجلس الأمن الدولي الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع قائمة الخاضعين لعقوبات مجلس الأمن.
ومع توالي الأنباء عن انصياع الرياض للإرادة الأمريكية نحو إيجاد حل سياسي لحرب اليمن، يخشى اليمنيون أن تعرقل أبو ظبي عبر أذرعها الممتدة أي توافق، في سبيل تحقيق أجنداتها، وأهمها جعل انفصال الجنوب واقعاً، وهو ما من شأنه أن يكرس الأزمة.