السعودية تنفتح ماليا على العالم من بوابة «دولرة» الدين العام المحلي

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

دأبت الدول العربية عموما ومنها السعودية، أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، على وضع حاجز بين ديونها المصدرة بالعملات المحلية، وتلك المصدرة بعملات أجنبية. الأولى كان يقتصر تداولها على السوق المحلي فقط، كما كانت الحكومات تختار المتعاملين الرئيسيين في الدين المحلي بعناية فائقة من بين المؤسسات المصرفية الوطنية. أما الديون المصدرة بعملات أجنبية، فكان من الضروري أن يتم الاتفاق على إصدارها مع بنوك ومؤسسات مالية خاصة ذات طابع عالمي، وذلك بهدف توفير السيولة اللازمة بالعملات الأجنبية. الآن أصبح كل ذلك على وشك أن يتغير، خصوصا في السعودية ومصر، حيث من المتوقع فتح بوابة واسعة تتيح لمؤسسات مالية ومصرفية أجنبية خاصة، التعامل في أدوات تمويل الدين العام المصدرة بالعملة المحلية، وستزيد السعودية على ذلك السماح لبنوك عالمية بالاكتتاب في الإصدارات الأولية للسندات والصكوك الحكومية المصدرة بالريال السعودي، الأمر الذي يمكن أن يعزز موقع الريال السعودي في منطقة الدولار النقدية وفي النظام النقدي الدولي عموما. أما مصر فإنها ستقتصر فقط على فتح بوابة صغيرة لتداول الديون الحكومية المصدرة بالجنيه المصري بدون المشاركة في الاكتتاب الأولي فيها.
وقد اكتملت في السعودية الاستعدادات لتداول الدين العام المحلي من خلال منصات أجنبية في الخارج، اعتبارا من اذار/مارس المقبل، وهو ما يعني وضع أساس لعملية «دولرة الدين العام» وفتح الباب أمام المستثمرين الأجانب للاكتتاب في السندات والصكوك السعودية المصدرة بالريال السعودي في السوق المحلية. كذلك فإن مصر التي بدأت مع السعودية في عام 2019 التفاوض مع مؤسسات عالمية بشأن ترتيبات لتداول الدين العام المحلي من خلال منصات دولية، ما تزال تتفاوض حتى الآن لتحقيق الغرض نفسه، بإستثناء ما تم الاتفاق عليه مع بنك «جي بي مورغان» لتداول مجموعة منتقاة من السندات المحلية على مؤشر البنك لسندات الأسواق الناشئة، اعتبارا من نهاية الشهر المقبل. وعلى الرغم من الاختلاف الهائل بين الظروف الاقتصادية لكل من البلدين، خصوصا من حيث تنوع الهيكل الاقتصادي، ونسبة الدين إلى الناتج المحلي، وأنظمة صرف العملات الأجنبية، وأنظمة القيد والتداول والمقاصة للأوراق المالية، بما فيها السندات والصكوك الحكومية، فإن تداول السندات والصكوك المصدرة بالعملات المحلية بواسطة المستثمرين الأجانب من شأنه أن يزيد جاذبيتها، وأن يضخ قدرا كبيرا من العملات الأجنبية إلى النظام النقدي المحلي، وأن يرفع مستوى السيولة والقوة المالية لأوراق تمويل الدين العام المحلي. ويمكن القول بأن عملية «دولرة الدين العام» ستكون بمثابة تغيير لـ «قواعد اللعبة» في سوق الديون الحكومية، سواء من ناحية السيولة أو من ناحية قواعد تنظيم وإدارة السوق، بما يتماشى مع قواعد الشفافية والرقابة المالية العالمية.

الانفتاح المالي السعودي

أتمت وزارة المالية السعودية والمركز الوطني لإدارة الدين العام وشركة الحفظ والايداع المركزي للأوراق المالية «اداء» في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، توقيع اتفاقيات لضم أربعة بنوك أجنبية إلى برنامج المتعاملين الرئيسيين، الذين يحق لهم الاكتتاب في السوق الأولي لإصدارات الدين العام المحلي، ثم يمكنها أيضا بعد ذلك التعامل في هذه الإصدارات في السوق الثانوي للديون على المستوى العالمي، من خلال منصاتها المختلفة. الاتفاقات التي تم توقيعها بالفعل تسمح لأصحاب الحسابات لدى تلك البنوك بالاكتتاب في إصدارات الأوراق المالية المحلية مباشرة بدون الحاجة إلى المرور عبر نظام «المستثمرين الأجانب المؤهلين» وهو النظام الذي تشترط بمقتضاه السلطات المالية السعودية تسجيل المتعاملين أولا واعتمادهم رسميا، قبل فتح الباب لهم للاكتتاب في أدوات تمويل الدين العام المحلي أو تداولها.
البنوك التي تم الاتفاق معها للانضمام إلى قائمة المتعاملين الرئيسيين في سوق الدين الحكومي المحلي السعودي هي «بي إن باريبا» الفرنسي، وثلاثة بنوك أمريكية هي «سيتي» و«غولدمان ساكس» و«جي بي مورغان». كما وقعت شركة الحفظ والايداع المركزي السعودية «اداء» اتفاقا مع بنك «يوروكلير» الأوروبي يسمح لأصحاب الحسابات في البنك بشراء وبيع أوراق الدين الحكومية السعودية المصدرة بالعملة المحلية، من خلال رابط إلكتروني تام مباشر بين «يوروكلير» وشركة الحفظ والإيداع المركزي السعودية. لكن بنك «يوروكلير» لم يحصل على أفضلية الاكتتاب في الإصدارات الأولية مثل البنوك الأربعة التي ذكرناها. وكانت المفاوضات بين الطرفين قد بدأت في نيسان/أبريل عام 2019 ثم اكتملت بنجاح في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. البنوك الأربعة التي أضيفت إلى برنامج المتعاملين الرئيسيين ستصبح مؤهلة اعتبارا من اذار/مارس المقبل لدخول السوق الأولي للاكتتاب في أوراق الدين السعودية، جنبا إلى جنب مع البنوك السعودية الخمسة المؤهلة وهي «الأهلي السعودي» و«السعودي البريطاني» و«بنك الجزيرة» و«بنك الإنماء» و«بنك الراجحي».
جاذبية الصكوك والسندات السعودية

من المتوقع أن تبلغ قيمة الدين العام السعودي في العام المقبل 989 مليار ريال سعودي، أو ما يعادل 264 مليار دولار أمريكي، بنسبة 31.3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وتتحمل السعودية مدفوعات فائدة على هذا الدين تبلغ حوالي 76 مليار ريال سعودي، وهو عائد مرتفع جدا يبلغ 7.68 في المئة، قياسا إلى متوسط العائد على إصدارات سندات الخزانة الأمريكية التي تتراوح حاليا بين 1.34 في المئة إلى 1.47 في المئة. ومن ثم فإن طرح أدوات تمويل الدين الحكومي بالريال السعودي (القائمة فعلا أو الإصدارات الجديدة) سيكون ذا جاذبية عالية جدا في السوق العالمية، حتى لو خصمنا من العائد نسبة التضخم المتوقع في العام المقبل والتي ما تزال تقدر بأقل من واحد في المئة، حيث يقدر معدل التضخم حاليا بنحو 0.8 في المئة.

وتعتبر سوق الأوراق المالية السعودية واحدة من أكثر الأسواق جاذبية في العالم، كما أنها تقع ضمن أكبر ثلاثة أسواق مالية في الدول الناشئة بقيمة سوقية تتجاوز 2.5 تريليون دولار أمريكي، منها صكوك وسندات حكومية بقيمة تصل إلى حوالي 451 مليار ريال سعودي. وطبقا للقواعد التي تم الاتفاق عليها مع البنوك الأجنبية، فإن الأوراق المالية التي يستحوذ عليها المستثمرون الأجانب ستكون صالحة كضمان للاقتراض مقابل قيمتها، وهو ما يعني زيادة مرونة تداولها في السوق.

سيولة إضافية لتمويل التنمية

ومن شأن تداول أوراق تمويل الدين العام السعودية من خلال أسواق رأس المال العالمية أن يوفر قناة مستقرة لتمويل مشاريع رؤية 2030 المتأخرة، والقضاء على ظاهرة التقلبات في إيرادات تصدير النفط بسبب تقلبات الأسعار. وما تزال الإيرادات النفطية تمثل حتى الآن العمود الفقري لتمويل الميزانية الحكومية. ولكن بسبب تقلبات أسعار النفط تتعرض كثير من مشروعات التنمية الكبرى للتأخير في التنفيذ. وكانت أسعار النفط قد هبطت في العام الماضي هبوطا حادا، وهو ما أدى إلى اتخاذ إجراءات تقشفية واسعة النطاق، وفرض ضرائب جديدة على المواطنين والوافدين، وزيادة العجز في الميزانية. ومع أن تداول الصكوك والسندات الحكومية في الخارج من شأنه توسيع سوق السيولة المحلية، فإن ذلك لا يترتب عليه نشوء مراكز مالية دائنة جديدة بواسطة المستثمرين الأجانب ضد الحكومة السعودية. كما أن المخاطر المالية الناتجة عن زيادة الدين العام ليست كبيرة نظرا لقدرة السعودية على السداد، وتصنيفها الائتماني المرتفع، وانخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من الثلث تقريبا، أي أنها في مستوى آمن جدا بالمعايير الدولية. ومن الملاحظ ان الدين العام السعودي قد نما بنسبة سريعة خلال السنوات الأخيرة منذ العام 2015 حتى الآن، فقد ارتفع من 5 في المئة تقريبا إلى 32.5 في المئة خلال تلك الفترة. وتقدر وزارة المالية أن النسبة ستنخفض في نهاية العام المقبل إلى 31.3 في المئة. كما تتوقع الوزارة أن يرتفع معدل النمو إلى 7.5 في المئة، وأن ينخفض عجز الميزانية إلى 1.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى خلفية الانفتاح المالي المنتظر في العام المقبل، وزيادة جاذبية تداول أوراق الدين المحلي السعودي عالميا، فإن مؤسسة «ستاندرد اند بورز» العالمية قررت منذ أيام إصدار مقياس للتصنيف الائتماني المحلي في داخل السعودية نفسها، لقياس درجة الجدارة المالية للمقترضين، وذلك بغرض تعزيز الثقة والشفافية في سوق الدين المحلي، ووضع معايير عالمية تلتزم بها السوق، وهو ما يساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار المالي لكل المؤسسات العامة والخاصة العاملة في السوق، وإعطاء دفعة مالية كبيرة لرؤية 2030 وجهود تنويع الاقتصاد السعودي، والوفاء باحتياجات تمويل المشاريع التنموية الضخمة التي تهدف إلى نقل الاقتصاد إلى مرحلة ما بعد النفط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية