تحتاجُ المملكة إلى مجلس تعاون خليجي موحَّد وقوي تتكئ عليه لمواجهة التحديات التي تواجهها، وسيكون رافداً لرؤية 2030 والتي تضع في استراتيجيتها أن يكون الاقتصاد السعودي الأقوى في المنطقة العربية.
السعودية ـ «القدس العربي»: مَضَـتِ المملكة العربية السعودية قُـدُماً في مسار ترتيب أوراقها. استهلّـتْ سنتها برأب الصدع داخل «البيت الخليجي» حيث أرست قمة العلا المصالحة الخليجية، بعد سنوات ثلاث من القطيعة مع قطر، التي أعلنتها السعودية، والإمارات، والبحرين، ومعهم مصر. كانت الكويت قد قادت جهود إنهاء التوترات بين أعضاء دول مجلس التعاون، ونجحتْ في ترجمتها في القمة الخليجية الـ41 التي سُـمّيت بـ»قمة السلطان قابوس والشيخ صباح».
يومها عزا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الحاجة لتوحيد الجهود بُغية النهوض بالمنطقة ومواجهة التهديدات التي يُمثلها البرنامج النووي للنظام الإيراني، وبرنامجه للصواريخ الباليستية، وأنشطة وكلائه من إرهابية وطائفية الهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. خطر إيران بعد انتصار ثورة الخميني كان من أسباب نشوء مجلس التعاون في العام 1981 على وقع الحرب العراقية-الإيرانية، وعلى مرَّ السنوات كانت التحديات تؤكد على أهمية تعزيز هذه المنظمة الإقليمية وتطويرها كوحدة اقتصادية على غرار الاتحاد الأوروبي وبناء منظومة دفاعية وأمنية مشتركة.
هاتان النقطتان اللتان شملتهما رؤية الملك سلمان في القمة الـ36 كانتا بارزتين في القمة الـ42 التي ختمتْ بها الرياض عام 2021 وسبقتها جولة خليجية لولي العهد، حيث أَكّـدَ على التنفيذ الدقيق والكامل للرؤية بما فيها استكمال مقوّمات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة، وتنسيق المواقف بما يُعزِّز من تضامن واستقرار دول مجلس التعاون لدول الخليج، وباركَ افتتاح مقر القيادة العسكرية الموحدة في مدينة الرياض. مؤكداً أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ وفقاً لمبدأ الدفاع المشترك ومفهوم الأمن الجماعي، والنظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاقية الدفاع المشترك.
تحتاجُ المملكة إلى مجلس تعاون خليجي موحَّد وقوي تتكئ عليه لجبه التحديات التي تواجهها، لكنه أيضاً سيكون رافداً لرؤية المملكة 2030 والتي تضع في استراتيجيتها أن يكون الاقتصاد السعودي الأقوى في المنطقة العربية من ضمن أكبر 15 اقتصاداً على مستوى العالم.
رؤية 2030 هي رؤية طموحة. بعض الخبراء الاقتصاديين يشككون في واقعية أرقامها المتوخاة، غير أن المهم أن المملكة، التي شكَّلت الثروة النفطية مصدر موازنتها، تبني استراتيجيتها الوطنية على الاستثمارات في قطاعات غير نفطية كقطاعات الصناعة، والطاقة المتجددة، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والبُنية التحتية الرقمية، والرعاية الصحية، وهذا ما يتطلب بيئة جاذبة لاستثمارات القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في ظل طموح ولي العهد بتحويل المملكة إلى مركز تجاري إقليمي.
وهي ربطت تجديد عقود حكومية للشركات والمؤسسات التجارية العالمية بتواجد مقرّاتها الإقليمية في المملكة، وليس في أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، وأعطتها فرصة حتى نهاية 2023 لتأسيس مقرّات لها أو المخاطرة بخسارة عقودها. وكشفتْ أنها منحت تراخيص لـ44 شركة دولية لإنشاء مراكز إقليمية لها في الرياض. بالطبع، ستأتي هذه الخطوة، في جانب منها، على حساب دبي، التي كانت تستضيفُ المقرّات الإقليمية للشركات العالمية. ويُنتظر أن تنتقلَ بشكل كليّ شركات الإعلام السعودي المملوكة من الدولة.
في رأي متابعين أن شرط وجود المراكز الإقليمية في المملكة يصبح طبيعياً ومنطقياً عندما تتوافر كل الظروف المؤاتية لمثل هذا الانتقال. وهذا يُحقق، في جزء كبير منه، مناخات الانفتاح التي تسود المملكة في ضوء تعديلات شملت قوانين عدة. ويقول زائرون للمملكة، سبق أن عاشوا فيها لفترة طويلة من الزمن، أن حجم التحوّلات كبير، وهو اعتمد على سياسة الصدمة. وتلقى هذه التحوّلات صدىً إيجابياً عند جيل الشباب الذي كان يتوق إلى رؤية مجالات الترفيه موجودة في بلاده. ولعل الإقبال على المهرجانات يشكل دليلاً ملموساً على ذلك التوق، إذ بلغ عدد الحاضرين لمهرجان «مدل بيست» وهو من أكبر مهرجانات الموسيقى في العالم، 732 ألفاً خلال أربعة أيام، والذي أُقيم ضمن موسم الرياض.
شهدت المملكة بعص الأصوات على مواقع التواصل المطالبة بإيقاف «موسم الرياض» ما يشكل انعكاساً لبعص الأصوات المنتقدة لحال الانفتاح وصوره وطفرة المهرجانات الموسيقية، فكان أن تصدى أحد الأصوات الإعلامية التي تُعبّر عن توجهات ولي العهد بتغريدة قال فيها: المطالبة بإيقاف «موسم الرياض» تُشبه المطالبات القديمة بمنع قيادة المرأة للسيارة، والتخويف من السينما وغيرها. فرضُ الوصاية الفكرية سلوكٌ نابع من التطرّف الديني. للإنسان حق الحضور أو البقاء في منزله، ولكن ليس من حقّه منع الآخرين من متعة يراها هو لا أخلاقية.
أضحتْ مجالات الترفيه وجهة استثمارية في السعودية، وهي بذلك تُلبّي حاجة السعوديين، تماماً كما هي المشاريع الاستثمارية الضخمة التي سيتم من خلالها تطوير مناطق جديدة في المملكة، على غرار مشروع نيوم الهادف إلى إقامة مدينة للعلوم والتكنولوجيا شمال غرب السعودية تُطل على البحر الأحمر، و»ذا لاين» الذي يُجسِّد مدينة خالية من الانبعاثات الكربونية ويُحاكي العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن مشاريع لمدينة إعلامية ستشكّل مركزاً لاستقطاب صناعة الأفلام الضخمة.
كلها تحوّلات تحملُ في طيّاتها ترجمة أحلام طموحة إلى واقع، مع ما تحمله من فرص عمل ونمو وتغيير في نمط الحياة، وتنويع في الاقتصاد لدولة كانت تُواجه تحديات ما بعد الفورة النفطية. لا تقف مبادرة بن سلمان، من مشروع السعودية الخضراء التي هي جزء من رؤية 2030 إلى مبادرة الشرق الأوسط الأخضر الذي لقي ترحيباً من دول الجوار.
غير أن تلك المشاريع والمبادرات والطموحات تحتاج بدورها إلى تأمين بيئة آمنة وتصفير للمشاكل والأزمات من حولها، وعلى حدودها، ولا سيما حرب اليمن والوضع في العراق، فضلاً عن الملفات المفتوحة في الإقليم.
تُدرك الرياض أن المنطقة تعيشُ مخاضاً بفعل تبدّل الأولويات الأمريكية، وبفعل ما يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات مع إيران على سلاحها النووي وصواريخها الباليستية. كان لافتاً أن تنتهي السنة على ما كشفته شبكة الـ»سي.أن.أن» الأمريكية، نقلاً عن مصادر الاستخبارات الأمريكية وصور الأقمار الاصطناعية، بأن «المملكة العربية السعودية تعمل الآن بنشاط على تصنيع صواريخها الباليستية بمساعدة الصين»؛ وهو تطوُّر سيكون له ما بعده.