السعودية: سفور في الخارج ونقاب في الداخل
د. مضاوي الرشيدالسعودية: سفور في الخارج ونقاب في الداخل انبهرت وسائل الاعلام العربية والعالمية بالحراك السافر للدبلوماسية السعودية والتي جاءت قمة الرياض لتتوج حصيلة اشهر من اللقاءات والتحضيرات وتجعل من القيادة السعودية محورا مهما لحل الأزمات العربية من فلسطين مرورا بلبنان والعراق والصومال والسودان. فبعد حالة شلل تامة فرضتها احداث المنطقة علي القيادة السعودية انتفضت هذه القيادة من سباتها العميق لتدخل العمل الدبلوماسي من باب عريض وتتصدر قمة اعتبرتها الصحافة العالمية من اهم القمم والتي قد تفتح الباب علي مصراعيها للسلام القادم المرجو. ولكن قد لا يجد هذا الزخم الاعلامي مادة ملموسة يستند عليها من اجل ان يصدق المعنيون بالأزمات العربية والمعايشون لها علي ارض الواقع مدي تبلور قرارات القمم وتفعيلها حتي تنفرج أزماتهم وتلوح بوادر السلام علي ارضهم. كثرت التكهنات حول خلفية السفور الدبلوماسي السعودي فبعضهم عزاه الي الرغبة الامريكية في الخروج من مأزقها الحالي خاصة في العراق والآخر عول علي الرغبة العربية في الخروج من حالة الاستقطاب والعداء المفضوح بين المحاور العربية والذي لم تعد بالامكان تغطيته او التكتم عليه. فريق ثالث استحضر الدور السعودي والشعور بالمسؤولية تجاه احداث العرب من اجل ان ينفخ الدور السعودي الاقليمي ويصوره كمحور مضاد مدافع عن المصالح العربية المشتركة في وجه محور ايران والذي هو ايضا تجاوز حدوده الاقليمية ليخترق الساحات العربية الشعبية وعلي مستوي الانظمة معا.كل هذه التحليلات والتكهنات حول اسباب الحراك السعودي تتجاهل مدي اهمية هذا الحراك علي المستوي الداخلي حيث يبقي هذا الداخل منقبا ومحجوبا عن أعين الصحافة واهتماماتها. السفور الدبلوماسي السعودي في الخارج يقابله نقاب ثخين يسدله النظام علي تطورات الساحة الداخلية والتي تشهد منذ بداية عام 2007 حالة تململ واضحة وعودة الي تلك الفترة التي تلت احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) حيث برزت اصوات سعودية في الداخل تطالب باصلاحات جذرية للنظام وأسس الحكم.وبعد حملة اعتقالات واسعة شهدتها السعودية عامي 2003 و2004 اعتقد البعض ان الستار قد اسدل علي الجولة الاولي من المواجهة بين النظام والمطالبين بالاصلاحات خاصة الدستورية منها ولكن اتضح بعد ذلك ان هذه التكهنات لم تكن صائبة حيث عادت العرائض والاعتقالات من جديد لتظهر مدي جدية المطالبة بتغيير شامل للنظام السياسي المغلق وغير القابل للتطور والانفتاح. تزامنت مرحلة الحراك الجديدة مع بوادر تنبئ بمدي استعداد النظام لقمع الاصوات الداخلية المطالبة بالاصلاح تحت سلسلة من الاتهامات الجائرة وذرائع مكافحة الارهاب لتضلل الرأي العالمي وتبعده عن الشأن الداخلي السعودي وملفاته الساخنة. وجاءت العودة الي المطالبة بالتغيير علي خلفية سقوط القناع الذي اخفي مدي تفشي الفساد علي مستوي القيادة السعودية وخاصة ما يتعلق بملف صفقة اليمامة المشهورة ومضاربات سوق الاسهم والتي اودت بثروات المستثمرين الصغار وهددت بجرف طبقة سعودية متوسطة الدخل الي الهاوية. هذا بالاضافة الي تداعيات الاحتقان الطائفي والذي يهدد البنية السكانية ويضرب تعايشها وقد يؤدي الي انفجار كبير لن تستطيع الاصوات المنادية بالوطنية ان تحتضنه وتخفف من حدته.علي هذه الخلفية المحتقنة في الداخل جاء الحراك السعودي علي جبهات العرب ليغطي الثغرات الداخلية. وكانت قمة الرياض التي مثلت السفور الدبلوماسي بمثابة المنقذ من متاهات الداخل المحتقن والذي ما زال يطالب بالتغيير رغم حملات الاعتقال وانتهاكات الحريات. انقذت قمة الرياض الملك عبدالله ولو لمرحلة وقتية من حالة الشلل التامة علي الصعيد الداخلي. فبعد فشله الواضح والصريح في دفع عجلة التغيير والتي وعد بها منذ بداية حكمه واستبشر بها الكثير ممن هم في الداخل نجده اليوم آثر ان يتصدر السياسة الخارجية بعد عجزه التام وفشله الذريع في مجال السياسة الداخلية كرست قمة الرياض دور الملك عبدالله كملك للخارج بينما ظهر واضحا ان السياسة الداخلية لها ملوكها غير المتوجين. فشعارات محاربة الفساد والنزاهة وتقليص صلاحيات الاسرة الحاكمة وامتيازاتها وفتح المجال للمشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي بقيت ترفع دون قرارات ملموسة لها صداها في تغيير الوضع الحالي. لم يبق للملك عبدالله سوي الساحة العربية الخارجية بعد فشله الواضح في ترك بصماته علي السياسة الداخلية. وقد وفرت الساحة العربية وخاصة قضية فلسطين وجبهة العراق وأزمة لبنان الكثير من الفرص للسفور الدبلوماسي مع بقاء النقاب مسدولا علي الملفات الداخلية. ظهر العجز الداخلي واضحا وجليا عندما تم تثبيت الوزراء الحاليين في مناصبهم رغم مرور اكثر من اربع سنوات علي تعيينهم وكذلك في تكريس مبدأ البيعة السرية وهيئتها المستحدثة والتي تستثني الملك الحالي وولي عهده من اي تغيير قادم. لن يدخل الملك عبدالله ارشيف التاريخ كملك ترك بصماته علي النظام السياسي الداخلي ونقله نقلة نوعية من مرحلة الملكية المطلقة والسرية التامة الي مرحلة الانفتاح التي تتطلب بناء مؤسسات تعكس طموحات شعبية ترجو تفعيل المشاركة الشعبية ولكنه قد يدخل ارشيف التاريخ كملك سعودي قاد عملية التطبيع مع اسرائيل دون تنازلات ملموسة وانجازات واضحة تستفيد منها القضية الفلسطينية وتلبي طموحات الفلسطينيين بانشاء دولة مستقلة يعود اليها آلاف اللاجئين والمشردين في مخيمات منتشرة في اراضي دول الجوار العربي وتكون القدس عاصمتها.ليس من المستغرب ان يلجأ ملك مقيد داخليا الي الساحة الاقليمية ليفك الحصار الذي يعاني منه في بلاده. هذا الحصار لم تفرضه شرائح اجتماعية وحشود جماهيرية سعودية مطالبة بالتغيير بل فرضته تداعيات الاسرة الحاكمة وتركيبتها الحالية وتشعب سلطاتها وامتيازاتها والتي لن يستطيع الملك ان يحد منها حسب الشعارات التي رفعها سابقا. ورغم ان للملك ميليشيا خاصة به وجهازا كبيرا من النخب الوزارية والثقافية التي تدور في جوقته الا انه يعلم علم اليقين ان منافسيه من اعضاء الاسرة الحاكمة ذاتها لهم ايضا محاور اجتماعية مستقطبة وكفيلة بأن تسقط مشاريعه الداخلية في اصلاح الوضع السياسي لذلك سيبقي الملك الحالي معولا علي انجازات دبلوماسية واهداف خارجية ربما تنجح او تسقط تحت ضغط العنجهية الاسرائيلية وتحولات السياسة الامريكية وتخبطها في المنطقة.تحولت قمة الرياض تحت التغطية الاعلامية المكثفة من قبل الاعلام العربي المملوك من قبل السعودية الي مهرجان للمهراجات العربية يذكرنا بالدور الذي لعبته مهراجات هندية في تثبيت دعائم الاستعمار البريطاني في الهند. كانت هذه المهراجات تحج الي مركز الحاكم البريطاني وتدخل في احلاف مستقلة وجماعية مع هذا الحاكم علي حساب مصلحة ومطالب شرائح هندية كبيرة مطالبة بالاستقلال النهائي عن حكومة بريطانيا وبعد استقلال الهند سقطت هذه المهراجات ولم تجد لها مكانا في الهند المستقلة وتحولت قصورها الي متاحف يزورها السياح كشاهد علي مرحلة ولت ولن تعود. وان كان حكام العرب اجتمعوا في الرياض تحت عباءة اكبر المهراجات العربية ليقدموا ولاءهم للمشروع الامريكي ـ الاسرائيلي فسيجدوا انفسهم كمهراجات الهند المنقرضة ان لم يكن اليوم فغدا. تصدر السعودية لمثل هذه اللقاءات والقمم قد يكون فرصة آنية تتيح للملك اثبات وجوده علي الساحة العربية ولكن سيبقي ملف الاصلاح الداخلي المعطل نقطة ساخنة تعود لتطفو علي السطح بعد انحسار التغطية الاعلامية للانجازات المزعومة والتي حققتها قمة الرياض. وبما ان السياسة تكون دوما مدفوعة بما هو محلي يخص البلد ذاته لن تستطيع القمم العربية ان تبعثر اهتمام المواطن بشأنه المحلي ولن تثنيه عن التفكير بهمومه الخاصة واحلامه في بناء دولة تضمن حقوقه. فكم من قائد انجز الكثير في حروب خارجية ومعاهدات سلام خارج الحدود ولكنه سقط تحت ضغط الهم الداخلي. ولنا هنا عبرة في تاريخ بريطانيا الحديث حينما استطاع ونستون تشرشل ان يضمن استقلال بريطانيا تحت المد النازي الالماني ولكنه سقط داخليا فورا بعد انتصاره في الحرب العالمية الثانية. وان كانت هذه حال من قاد بلاده في حرب طويلة ودخل التاريخ من بابه العريض فما بالنا بمن جمع قيادات العرب ليقدموا اكثر المبادرات الخجولة دون نتائج ملموسة حتي هذه اللحظة. وكيف نتوقع اصلاح الوضع العربي واطفاء حرائقه المشتعلة من ملك لم يستطع انجاز القليل من وعوده السابقة وخاصة تلك المتعلقة باصلاح حال اسرته وبلاده. قبل القدوم علي اتخاذ خطوات جريئة علي الجبهة العربية يجب علي الملك ان يقف لحظة ليتأمل الشأن السعودي الداخلي وتدهوره من سيئ الي اسوأ. ويبدو انه قد فقد القدرة علي التكرم بمكرمة ملكية تطلق سراح سجناء ابرياء ادخلوا السجن دون محاكمات او تهم واضحة وصريحة وفك الحصار عن نخب ثقافية منعت من السفر ناهيك عن مكرمة ملكية تنقل البلاد الي دولة حديثة ومؤسسات تمثيلية تمارس من خلالها الشرائح الاجتماعية حقها في تقرير سياستها ومشاركتها في الحكم. لن يعمي السفور السعودي الخارجي هذه الشرائح الاجتماعية عن المطالبة بحقوقها وستظل تطالب باسقاط النقاب عن الشأن الداخلي.9