السعودية: سوداء اليمامة ذات الاجنحة المتعددة

حجم الخط
0

السعودية: سوداء اليمامة ذات الاجنحة المتعددة

د. مضاوي الرشيدالسعودية: سوداء اليمامة ذات الاجنحة المتعددة اسقط فيلم قناة الجزيرة الوثائقي سوداء اليمامة جناحين من اجنحة طائر السلام. ظهر واضحا ان الجناح البريطاني والسعودي قد دخلا موسوعة جينيس وضربا الرقم القياسي للفساد في صفقة العصر. احتوي الفيلم علي كثير من التفاصيل الدقيقة وعرض قائمة المدفوعات المشبوهة التي تلقاها الجانب السعودي وخاصة جناح الامير سلطان عبد العزيز وزير الدفاع وحلقة من الاقرباء والتي تضمـــــنت الاناث ايضا. وقــــــد اثارت الصراحة غير المعهودة في ذكر الاسماء وتحديد علاقتها العائلية بعضها ببعض حفيظة الكثير من المتابعين لهذا البرنامـــــج في الداخل السعودي، حيث تعود هؤلاء علي التلميح وليس تسمية الاسماء بأسمائها ناهيك عن ذكر وتفصيل رحلات شهر العسل والتي رافقتها كميات هائل من اللبان الذي استــــهلك يـــبدو لي بشراهة غير عادية.في هذا الفيلم الوثائقي استعملت الجزيرة الفضائية وطبقت معايير الفيلم الوثائقي كما عهده المشاهد الغربي وليس العربي لذلك جاءت فاجعة السعودية بفساد رموزها طنانة ولها دوي هائل. تعود هذا السعودي علي قصص الفساد ولكنه دوما يلصقها بتلك البطانة الفاسدة وليس بأحد ولاة الامر والذي ينتظر دوره ليتوج مليكا علي بلاد الحرمين ان سنحت الفرصة والاقدار خلال الاعوام القليلة المتبقية. لقد نشر الفيلم الوثائقي اقذر الغسيل علي الملأ وليس ذلك الناطق بلغة الضاد بل ايضا الناطق بالانكليزية. ورغم ان الفيلم في مجمله قد ركز علي مشاركات شخصيات بريطانية مسؤولة سابقا وصحافيين لا يزالون يمارسون مهنة الصحافة ووزراء سابقين واصحاب خدمات سياحية الا انه قد بدا واضحا ان المشاركة العربية كانت غائبة تماما. اعتقد ان هذا الواقع عكس مدي جرأة الفيلم والذي لن تجد الجزيرة ربما عربيا مستعدا لان يشارك فيه او انها تعمدت اخفاء الوجوه العربية وهناك طيف كبير منها قد يكون مستعدا للمشاركة وعنده من المعلومات ما يمكنه ان يقدم تحليلا دقيقا وصريحا. اختفاء الوجه العربي وخاصة السعودي من شاشة التلفاز جعل من هذا الفيلم وثيقة صريحة انكليزية تدين الجناحين في المعادلة الفاسدة. قد يتفهم المشاهد غياب صوت المسؤولين السعوديين والبريطانيين الحاليين ولكنه قد لا يتفهم استبعاد اصوات المعنيين بالشأن السعودي نفسه من ابناء البلد الذين يعانون من معضلة الفساد.صفقة اليمامة ليست الا حالة نادرة كثفت مفهوم وممارسة الفساد السعودي ولكن هناك اجنحة اخري لم يتعرض لها الفيلم الوثائقي وليس هناك من داع لاسقاطها علي فيلم موضوعه هذه الصفقة فقط.هناك اكثر من يمامة فاسدة في السعودية واجنحة اخري يجب ان تفضح في افلام وثائقية علي نفس المستوي الذي طرحه هذا الفيلم المختص والمكثف. واذا بقينا في موضوع الاسلحة فسنجد ان وزارة الدفاع السعودية ليست الا طرفا واحدا مهمته تسليح الجيش السعودي واقتناص الرشاوي علي ظهر هذا التسلح المشبوه والذي لم يجعل من هذا البلد بلدا قادرا علي حفظ امنه الخارجي وحدوده مع دول الجوار رغم ميزانية دفاعية تفوق تلك الموجودة في ايران واسرائيل.هناك اجنحة اخري مهمتها تجارة السلاح ونقصد هنا جناح الملك عبد الله نفسه حيث انه منذ ما يقرب من نصف قرن يتولي مهمة الاشراف علي الحرس الوطني وتسليحه. الكل يعلم ان هذه المؤسسة ذات التركيبة البدوية والقبلية ما هي الا بؤرة لسند الظهر من خلال معاشات ووظــــــائف لافراد مهمتهم تقديم السمع والطاعة لزعيمها وقت الشدة وخاصة عندما تصبح التوازنات داخل العائلة المالكة موضع الشك، والشبهات. تسليط الضوء علي فساد ورشاوي وزارة الدفاع قد يدفع البعض الي الاعتقاد ان مؤسسات عسكرية اخري قد ارتفعت عن الانزلاق في متاهات الفساد والرشوة. الجناح الثالث والذي هو ايضا موضع علامات استفهام كبيرة هو جناح وزارة الداخلية المنوط بها خوض الحرب علي الارهاب والتي طورت آلياتها ومعداتها تحت امرة نايف بن عبد العزيز وابنه. تظل هذه الوزارة مستلمة لميزانية ضخمة وتتعاقد مع طيف كبير من الشركات الغربية المستميتة في توقيع صفقات خيالية.واذا ابتعدنا عن المجال العسكري فنحن هنا بصدد سلسلة من الفساد لن يستطيع اي فيلم وثائقي ان يحصرها ويفصل ملامحها ويفك عقدها. فمن مصادرة اراض وسرقتها من اصحابها الي عقود تجارية مزيفة وشراء معدات من مؤسسات مملوكة كليا لامراء عاملة تحت اسماء وهمية ندخل الي دهاليز الممارسات الشاذة والفاقدة للشفافية في بلد ينعدم فيه القضاء المستقل والذي من المفترض ان يكون الملاذ الاول والاخير لمن انتهكت امواله او تجارته او حتي اضطر الي دفع الرشوة من اجل تسيير معاملة تجارية قد لا تري النور الا اذا كانت ضمن مصالح فئة قليلة من المنتفعين الكبار.تظل اجنحة كثيرة ومتعددة ومتشعبة خارج نطاق الافلام الوثائقية ناهيك عن المحاسبة والعقاب. في السنوات الاخيرة كثرت الهيئات المناط بها محاربة الفساد والرشوة والنصب والاحتيال وكان آخرها هيئة مكافحة الفساد التي اعلن عنها بمرسوم ملكي مؤخرا ستظل هذه الهيئات غير قادرة علي مناقشة فساد الكبار تماما كما هو الحال في الهيئات القديمة والتي لا تتجزأ علي التعاطي بقضايا يرفضها المواطنون علي كبار الامراء واولادهم.اما الغرب ذاته فهو ايضا سينزلق في متاهات الفساد والرشوة خاصة في العقود المتعلقة بصفقات الاسلحة وهذا امر مرتبط بالتغييرات الاقتصادية التي حصلت في الغرب في العقود الثلاثة الماضية. تحول الاقتصاد الغربي من الصناعة البسيطة المرتبطة بالسلع الاستهلاكية الرخيصة والتي اختطفتها منها الدول النامية في آسيا كالصين والهند والشرق الاقصي، حيث استطاعت ان تغرق السوق العالمية بالصناعة الخفيفة والرخيصة والتي اكتسحت السوق العالمية ومنها العربية والسعودية ولم يبق للاقتصاد الغربي سوي الاعتماد علي صفقات الاسلحة الكبيرة والتي تعوضه عن خسارة في مجال السلع الخفيفة. وبما ان الاحتكار في صناعة الاسلحة قد توسع ليضم دولا اخري منها اوروبا الشرقية وكوريا وروسيا وكلها دول دخلت مؤخرا في لعبة بيع السلاح سيجد الغرب القديم نفسه في موقع منافسة شديدة مع هذه المصادر الجديدة وكثير منها ما يزال غير مقيد باتفاقيات بيع الاسلحة المحتكرة سابقا من نخبة قليلة تتصدرها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. لذلك سيضطر هؤلاء الي دفع الرشاوي وتجاوز قوانين بلادهم وقيودها واجهزتها القضائية في سبيل ما يسمي بالمصلحة القومية تماما كما فعلت الحكومة البريطانية عندما فاحت رائحة العفن من صفقة دبرتها تاجرة السلاح الاولي مارغريت ثاتشر. ولم تنفع شعارات بلير الداعية لسياسة خارجية اخلاقية ولا المحاسبة والشفافية لاسقاط الستار عن صفقة اليمامة ورفعها الي الاجهزة القضائية المختصة بمتابعة مثل هذا العبث الدولي والمعولم. تعدد مصادر بيع السلاح اليوم سيجعل المشتري كالنظام السعودي مثلا حريصا علي اتمام الصفقات التي تضمن اكبر مبلغ من الرشاوي للمسؤولين والذين سيلعبون اللعبة العالمية ويحولونها لمصلحة جيوبهم المنتفخة اصلا.سار الجناح البريطاني ونظيره السعودي علي طريق طويل اعتقد كلاهما انه سيظل عتما ومغلفا بسرية تامة ولكن تطورات الاحداث وتشعبها في عصر الانفتاح الاعلامي لدرجة ان ليس بامكان اكثر الصفقات سرية ان تبقي تدار خلف الكواليس. والفضل في ذلك يرجع الي الصحافة الحرة الموجودة في بريطانيا والتي تعتبر عملا بحثيا وليس تطبيلا للسلطة. ما يؤسفنا في فضح اسرار اليمامة السوداء ليس المبالغ المهدورة لان هذه قد ولت بلا رجعة ولكن نأسف علي صحافتنا العربية ووضعها المزري وان كانت قناة الجزيرة قد خطت خطوات جريئة وتجاوزت كثيرا من المحرمات الا ان وضع الصحافة العربية لا يزال متأخرا غير ملتحق بركب الاعلام العالمي وليتنا نسمع عن صحافي لاحق قضايا الفساد في بلد كالسعودية وعري المسؤول الحقيقي خلف اعمال السرقة الكبيرة والنهب المستمر لخيرات البلاد. مع الاسف سنجد صحافيا يسلط الضوء علي سرقات الصغار بينما تظل عمليات الفساد والرشوة خارج نطاق عمله ان هو اراد ان يبقي في مكتبه ينظر ويرسم مشاريع مستقبلية ويتحدث بنظريات ومثاليات دون ان يخرج ليجمع مادته في المؤسسات الحكومية تماما كما ترويها السنة البسطاء ويؤصل لها بوثائق يعرضها علي الملأ. لا نزال مع الاسف ابعد ما نكون عن هذا النمط من العمل الصحافي الجريء وما علينا نحن ابناء البلد الا ان نظل مشدودين لشاشة الجزيرة القطرية حتي تصلنا خيوط العمولات ومستلميها وقصصهم المخزية والتي برهنت لملايين المشاهدين ان ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية