صحف عبريةان الكشف عن محاولة اغتيال سفير السعودية في الولايات المتحدة هو آخر شهادة على الصراع الجاري، من وراء ستار في الأكثر، بين ايران والسعودية. وهو صراع على التأثير الاقليمي وعلى المكانة في العالم الاسلامي الذي تأتلف فيه معا تقديرات جغرافية استراتيجية وطائفية. لكن القضية الحالية التي تأتي وبين يديها توتر سابق بين الاثنتين، تفضي بالعلاقات الى حضيض جديد وهي ذات قدرة كامنة على جعل االمواجهة بينهما أكثر انكشافا ومباشرة مما كانت من قبل.
كانت علاقات الاثنتين متوترة بصورة خاصة منذ آذار هذا العام حينما أدخل السعوديون قوات الى البحرين لمساعدة آل خليفة السنيين على قمع الانتفاضة الشيعية في الجزيرة ـ وهي انتفاضة تُرى انها مؤامرة ايرانية ـ ولمنعها من الانتقال الى المناطق الشيعية في شرقي السعودية.
عندما ازداد الاحتجاج في سوريا عمقا ولبس زيا طائفيا وقفت السعودية على رأس معارضي الأسد، حليف ايران، وبدأت تساعد المتمردين مساعدة فعالة. فالسعودية ترى ايران مصدر تهديد مركزيا. وايران أولا تريد ان تدفع الى الأمام بمخطط أمني مختلف في الخليج نقي من التدخل الاجنبي، الامريكي قبل كل شيء، مخطط يكون فيه لايران منزلة القيادة. وثانيا، ترى ايران نفسها ممثلة مخلصة للعالم الاسلامي، وباعتبارها كذلك تتحدى دور الرياض في هذا السياق باعتبارها ‘حامية الاماكن المقدسة للمسلمين’، هذا الى ان سعي ايران الى قدرة ذرية عسكرية والتأثير الذي ستمنحه هذه القدرة في صوغ برنامج العمل الاقليمي يهدد الرياض بطائفة من الموضوعات: من التأثير المحتمل الذي سيمنحه لايران في سوق النفط حتى الدعم الذي سيحصل عليه الشيعة داخلها.
لم يكن الشيعة في السعودية قط قريبين من تهديد النظام لكن هذا قد يتغير ايضا. ففي مطلع الشهر أمسكوا بالسلاح لاول مرة. ان أحداث الشغب التي نشبت قرب قاعدة شحن النفط الكبيرة في رأس تنورة أفضت بالسعوديين الى اتهام ‘دولة اجنبية’، (وهذا اسم شيفري لايران) والى قمع المظاهرات بقوة.
وعلى العموم حصدت السعودية منذ بدء الربيع العربي انجازات لا يستهان بها في صراعها مع ايران: فقد غدت ايران تُرى أكثر من ذي قبل قوة سلبية في الخليج وذلك لتأييدها الهبة الشيعية. والى ذلك فان حبك الصراع الطائفي لا يجدي على ايران التي تؤيد صرف الانتباه الى اسرائيل وتحويله عن الصراع السني الشيعي. وفي النهاية فان نتائج الاحتجاج حتى الآن برهنت ايضا على محدودية قوتها وصعوبات مساعدتها للجماعات التي تتمتع بتأييدها ايضا. لكن شبكة قوة ‘القدس’ من حرس الثورة التي أُنشئت في مطلع التسعينيات لدفع مصالح ايران الى الأمام بوسائل مختلفة خارج ارضها لها نظام ‘خلايا نائمة’، وبخاصة بين المجموعات الشيعية. لكن ايران امتنعت عن تدخل مباشر في تنفيذ اعمال ارهابية في الغرب بسبب خشيتها من المس بصورتها وحافظت على املاكها هذه ليوم حاجة. ان الطاقة السلبية الكامنة من وجهة نظرها في الاحداث في سوريا من جهة تأثيرها في النظام الاقليمي قد تدفع ايران جانبا، وهي في رد على ذلك قد ‘تشعل’ ميادين مختلفة في الشرق الاوسط وخارجه.
ان الاشارة الى ايران باعتبارها تقف من وراء محاولة الاغتيال لا تأتي من فراغ. ففي الاشهر الاخيرة اتهمت الولايات المتحدة ايران بزيادة المس بجنودها المنسحبين من العراق وتحدي قطعها البحرية في الخليج وهذا سلوك ذو قدرة على الافضاء الى مواجهة واسعة.
كشفت الزعزعة في العالم العربي عن عمق العداوة الايرانية السعودية بل ربما زادتها قوة. ان الحزم السعودي في البحرين بل في سوريا يعرضها، أي السعودية، للعدوان الايراني أكثر من ذي قبل. ما يزال عند الطرفين اهتمام بابقاء المنافسة بينهما في صعيد خفي، لكن محاولة اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة ستزيد التصميم السعودي على مواجهة ايران بقوة أكبر. وهي تمنحها أداة تأثير في لاعبات كالصين وروسيا كي تلائما سياستهما نحو الاسد وايران مع التطورات. وهذه المحاولة ايضا تثبت مرة اخرى ترابط المصالح بين اسرائيل والكتلة السنية التي تقودها السعودية.
اسرائيل اليوم 18/10/2011