السعودية نحو طي صفحة الخلافات مع إيران والتوافق على فك الألغام في علاقات البلدين

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

تتحرّك المملكة لخفض درجة التوتر على جبهات عدة في الشرق الأوسط، لكن هدفها الرئيسي إخراج نفسها من الصراع الدائر في اليمن والذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى.

الدوحة ـ»القدس العربي»: تمضي المملكة العربية السعودية نحو مراجعة سياساتها الخارجية، وتحديداً مع إيران، وتسعى لطي خلافات الماضي، لتقليل وتيرة التوتر في المنطقة، وحل القضايا العالقة، تحديداً في اليمن وفي العراق، وفي مياه الخليج.
وعلى امتداد أسابيع تواترت تحليلات، وقراءات غربية، وأنباء عن اجتماع ضم ممثلي الرياض وطهران، وكان موقع اللقاء العراق، وشرعت مختلف المؤسسات في رصد ردود الفعل، لتأكيد الخبر أو نفيه، وإن كان المعلقون واثقون من دقة المعلومات المسربة عن حدوث تقارب بين البلدين.
والمرة الأولى التي تقر الرياض بحدوث اللقاءات جاءت على لسان مدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة خارجيتها السفير رائد قرملي، وتأكيده أن المحادثات بين السعودية وإيران «تهدف إلى خفض التوتر في المنطقة».
وإن كان المسؤول استطرد أنه «من السابق لأوانه الحكم على النتيجة» لكنه شدد أن الرياض «تريد أن ترى أفعالاً يمكن التحقق منها».
وتابع المراقبون تحركات المسؤولين السعوديين، لاستنتاج مدى سرعة الرياض في الانفتاح على طهران، وكانت كل زيارة نحو بغداد تصنف في هذه الخانة.
وقبل أيام حل وفد سعودي هام في العراق في زيارة لم يعلن عنها، بقيادة نائب وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان (شقيق ولي العهد السعودي) وبالإضافة إلى الأمير حضر مقر رئاسة الحكومة مسؤولون أمنيون آخرون.
وإن كانت المصادر الرسمية في السعودية والعراق تحدثت عن لقاءات رسمية لمسؤولي البلدين، فإن تقارير صنفت الزيارة ضمن سياق لقاء مسؤولين إيرانيين وسعوديين، في تواصل مباشر يعد الأبرز بين البلدين منذ قطع الرياض علاقتها الدبلوماسية مع طهران مطلع العام 2016.
السلطات الإيرانية من جانبها أكدت اللقاءات ولم تنفها، حيث كشف علي ربيعي المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، عن عقد جولتين من المفاوضات مع المملكة السعودية، مشيراً إلى استمرارها حتى التوصل لنتائج.
واستطرد التأكيد أن جولات المفاوضات بحثت «المواضيع الثنائية والإقليمية» ووصفها بالإيجابية لحل الخلافات.
وبعد سنوات من الحروب بالوكالة، تؤشر المحادثات السرية بين السعودية وإيران إلى تحوّل دبلوماسي، في وقت تسعى المملكة جاهدة الى إيجاد حل للنزاع في اليمن حيث تدعم الحكومة في مواجهة المتمردين المدعومين من طهران، ولو أن احتمالات حدوث انفراجة تبدو بعيدة، بحسب محللين.

حسابات الربح والخسارة

تسعى الرياض بحسب المتابعين للحصول على دعم من طهران يساهم في إنهاء انخراطها العسكري المكلف الذي دام ست سنوات في اليمن المجاور، حيث يشن المتمردون الحوثيون حملة للسيطرة على مأرب، آخر معقل للحكومة في الشمال، ويصعّدون ضرباتهم بالصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة.
وفي موازاة الجهود المبذولة في بغداد، التقى وفد أمريكي بقيادة المبعوث الخاص تيم ليندركينغ والسناتور كريس مورفي مؤخراً مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث في سلطنة عُمان كجزء من مسعى دبلوماسي لوقف إطلاق النار في اليمن.
ويقول أحمد ناجي الباحث في معهد «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» هناك صلة مباشرة بين المحادثات السعودية الإيرانية وما يحدث في مسقط بالنظر إلى نفوذ الإيرانيين على الحوثيين.
ويضيف «السؤال الرئيسي هنا هو: هل يمكن لهذه الجولة من المفاوضات أن تضع حداً لحرب اليمن التي طال أمدها أو أن تؤدي إلى وقف إطلاق نار مؤقت فقط؟».
ويتابع «كل الجهود تهدف إلى محاولة تهدئة الصراع بين السعوديين والحوثيين، لكن هناك طبقات عدة من الصراع… وسيتطلّب الأمر آليات طويلة المدى ومتعددة المسارات تبدو غائبة» حتى الآن.
وتأتي التحركات في وقت يضغط الرئيس الأمريكي جو بايدن لإحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 والذي خرج منه سلفه دونالد ترامب.

عين الرياض نحو الملف النووي

وتصب بعض القراءات أن السعودية تسعى  للحصول على مقعد على طاولة المفاوضات، لكن وسط تحفظ من جانب إيران بسبب مخاوف من أن تحاول السعودية تخريب الصفقة، يرى مسؤولون أن المملكة تأمل على الأقل في «مقعد في غرفة مجاورة للغرفة».
وبحسب تشينزيا بيانكو الباحثة في معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «لا يوجد شيء أكبر في الحوار السعودي الإيراني» مضيفة «اليمن مقابل الاتفاق» النووي.
وتسربت تصريحات من دوائر صنع القرار في السعودية تشير أنّ توقعات المملكة من حوارها مع إيران محدودة، مستبعدة حدوث اختراق سريع بعد سنوات من التنافس المرير.
فقد دعمت السعودية وإيران طرفي نقيض في العديد من الصراعات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن. وتعتبر الرياض المجموعات المسلحة المدعومة من طهران تهديداً رئيسياً، لا سيما بعد هجمات عدة على منشآتها النفطية.
لكن المراقبين يعتبرون بالرغم من التناقض الحالي في وجهات نظر الرياض وطهران، إنّ المحادثات ستساعد على الأقل «في القول لإدارة بايدن إننا عقلانيون ومنفتحون على الحوار».
ويقول محللون إن الجهد الدبلوماسي المتجدد يؤكد القناعة في الرياض بأن سياسة «الضغوط القصوى» التي انتهجها ترامب والتي تهدف إلى الضغط من أجل الحصول على تنازلات من إيران، لم تؤت ثمارها.
كما تراجعت علاقات الرياض مع واشنطن بعد العلاقات الوثيقة جدًا في عهد ترامب، إذ يسعى بايدن للضغط على المملكة في مسائل متعلقة بحقوق الإنسان.

تحركات سعودية لخفض التوتر

تتحرّك المملكة لخفض درجة التوتر على جبهات عدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك التصالح مع قطر بعد حصار امتد لأزيد من  ثلاث سنوات، وعلى الصعيد الداخلي الاستثمار لتمويل مشاريعها العملاقة الطموحة وتنويع مواردها بدل الاعتماد على النفط.
لكن هدفها الرئيسي بحسب القراءات هو إخراج نفسها من الصراع الدائر في اليمن والذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى وتسبّب بأزمة إنسانية كبرى.
وتقول إيلانا ديلوزير الباحثة في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»: «يفضّل الحوثيون أن يكون لهم وسيطهم الخاص مع السعودية ولن يرغبوا بأن تأخذ إيران مكانهم في ذلك».
وتتابع «حتى إذا انتهى الأمر بحصول السعودية على بعض التأثير على خيارات إيران في ما يتعلق باليمن، فلن يتمكن الإيرانيون من اختطاف المحادثات السعودية الحوثية بالكامل».
وركز المراقبون على تصريحات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، مع ما حملته من تغيير كبير في اللهجة من شخص وصف قبل ثلاث سنوات المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بأنه «هتلر الجديد» واستبعد الحوار والتعاون مع إيران باعتباره «استرضاء».
وتأتي اللهجة السعودية الجديدة بعد ست سنوات من تحول المملكة إلى سياسة خارجية «عدوانية» تواجه إيران ووكلائها في العراق وسوريا ولبنان.
وينقل تقرير بحثي عن غريغوري غوس، رئيس قسم الشؤون الدولية في جامعة تكساس، «لم تنجح سياسة المواجهة مع إيران لا في اليمن، ولا في سوريا، أو حتى في لبنان».
ويقول التقرير إن من المرجح أن يركز الانفراج، على المجالات المباشرة ذات الاهتمام المشترك، مثل الأمن البحري، وفق المراقبين.
ويقول البروفيسور غوس: «سيكون اليمن مقياساً إذا كان هناك أي انفراج إيراني سعودي خطير. كما يمكن أن يكون الحوار مفيداً في اليمن، موطن أسوأ كارثة إنسانية في العالم».
وبعد اليمن، ستكون بحسب المتابعين المواضيع الأكثر صعوبة هي العراق ولبنان وسوريا – وهي ثلاث دول عربية ذات عدد كبير من السكان الشيعة حيث رعت إيران بشكل منهجي جهات مسلحة غير حكومية موالية لها.
وخلص التقرير إلى أنه من غير الواضح كيف يمكن أن يحدث انفراج في سوريا، حيث دعمت إيران نظام بشار الأسد بـ «حزب الله» الوكيل لها، وحيث تسيطر تركيا أيضا.
ويرى المراقبون أن الصلح بين السعودية وإيران سيشكل ضربة قاصمة للنزاعات المشتعلة في أكثر من دولة بالشرق الأوسط، وسيخفف كثيراً من حدة الاستقطاب الشيعي-السني.
كما تأتي المناوشات في مياه الخليج ومضيق هرمز الضيق، الذي يتم من خلاله شحن 25 في المئة من النفط في العالم، نقطة اشتعال للتوتر من عام 2018 إلى عام 2020 في ظل حملة الضغط القصوى التي شنها الرئيس السابق دونالد ترامب ضد إيران.
ويؤكد حسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، أن المياه شهدت «حرب ظل» من أعمال التخريب التي كان يمكن أن تؤدي إلى تصعيد عسكري.
ومن المرجح أن تتوسع المحادثات الإيرانية السعودية لتشمل مكافحة الإرهاب الإقليمي، خاصة ضد تنظيم «القاعدة» الذي نما نفوذه مؤخرا في اليمن، وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» الذي يهدد السعودية والجماعات المدعومة من إيران في العراق وسوريا.
وينتظر المراقبون ما ستسفر عنه مفاوضات المرحلة المقبلة والتي ستكون حاسمة، بعد جلسات جس نبض، بين الرياض وطهران.
لكن الاتجاه العام الذي يذهب إليه المتابعون لتطورات الأحداث في الخليج والشرق الأوسط، فإن اتجاهاً جديداً من المؤكد أن يطبع مواقف البلدين، السعودية وإيران، بما يسهم في حلحلة عدد من الملفات العالقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية