السعودية ومأزق المواجهة مع تنظيم ‘القاعدة’

حجم الخط
0

بشكل عام السعودية تعيش مأزقا كبيرا يهدد الاستقرار ونظام الحكم، وجذر الازمة يعود الى عوامل نشأة النظام السعودي، واقصد بذلك الاتجاه السلفي المخاصم للتغيير والعقل والتطور، وما تشهده السعودية من مشكلات وازمات انما هو نتاج مرحلة التأسيس للنظام. واليوم اذا ارادت حل اشكلاته المستعصية والخروج من نفق الازمات التي تواجهها انما يكون من خلال فك الارتباط بين النظام بتوجيهه نحو المستقبل وفق مسار التغيير والتطور وبناء دولة مدنية، وبين مرتكزات سلفية واجتماعية وتحالفات كانت ضمن ضرورات التأسيس ولم تعد المملكة بحاجة لها حاليا.
واول مواجهة حقيقية لازمات المملكة هو مواجهة مرتكزات التأسيس ونفيها والخروج من اسرها .فالسعودية ليست دولة دينية وهذا الامر معلوم لكل الاسرة الحاكمة وللشعب ايضا، ومن ثم فمبرر الاستناد الى تصور ديني ومنظومة فقهية مخاصمة للواقع وللتغيير وللعصر لا يساعد في استقرار المملكة ولا المجتمع، بل يشكل مبررا لخروج تمردات وجماعات مناهضة للنظام وفق نفس مبررات النظام التي يستند اليها.
ومن هنا فحضور دولة سعودية تنتمي لعصرها وتعكس مظاهره المؤسسية والقانونية والدستورية، وتبلور فاعلية حضرية ومدنية من خلال تعدد منظمات المجتمع المدني، انما يعزز وجود الدولة ويعكس واقع المجتمع المتعدد بطبعه اجتماعيا وثقافيا ومذهبيا.
وهنا نتذكر ان اولى حركات المعارضة خرجت من نفس جماعات الامر بالمعروف واعتمدت نفس مقولات النظام ومنظومته الفقهية وخلقت لها انصارا ومؤيدين داخل المجتمع بسهولة كبيرة. واليوم تنظيم ‘القاعدة’ رغم كل الضربات الامنية والتعقب المستمر الا انه يجد باستمرار اعوانا ومناصرين واعضاء من فئة الشباب، وتتعدد مجموعاتهم التنظيمية داخل مختلف مدن المملكة، بل ويجاهرون بالعداء للنظام وعليه فان المواجهة مع هذا التنظيم لا تكون فاعلة من خلال قوات الامن فقط، بل لابد من اعادة النظر في اسس ومرتكزات تأسس عليها النظام وشكلت واجهة له، ونعني بها الاطر الفكرية والمنظومة الفقهية التي تعتمد منظورا تقليديا في المعنى والدلالات، التي تعكس تصورا ماضويا لانموذج بناء الدولة وفقهها واساسها الفكري. وربما يجد النظام حرجا في الاعتراف بخطأ التأسيس مع ان هذا الامر سينقذ النظام ويخرجه من نفق الازمات التي يعبر اليها.
فالتأسيس كانت له ضروراته وقد تم تجاوز تلك المرحلة واليوم يدخل النظام والمجتمع مرحلة جديدة مغايرة كلية للمرحلة السابقة، وان مراجعات كثيرة سياسية وفقهية وثقافية، بل حتى ادارية وامنية لابد ان تتم ليستقيم امر الدولة وفق المتغيرات العولمية، ووفق التحديات المحيطة بها اقليميا. فالصراع مع ‘القاعدة’ طويل ولن ينتهي بضربة امنية هنا وهناك، او القبض على مجموعة او اكثر من التنظيم، كما ان التحديات تأتي من دول الجوار ذات الطموح بالدور الاقليمي المنافس للسعودية، ناهيك عن ان المتغيرات الدولية تعمل على تفعيل ادوار اقليمية متعددة، بعضها اكثر حضورا واكثر دعما للمسار الاستراتيجي الامريكي والغربي، ونعني بها تركيا وايران ومن داخل الخليج اصبحت قطر تلعب ادوار منافسة وبديلة للحضور السعودي. ان غالبية سكان المملكة هم من الشباب اضافة الى نفس النسبة من العمالة الوافدة، ومن هنا يكون النظر تجاه جذر الازمة وفق تطلعات الشباب ورغباتهم في التحرر من القيود والاكراهات الممارسة عليهم، ضمن اعلام محلي متخلف وخطاب ديني منغلق على ذاته، في حين ان الشباب يمتلك ادوات التواصل الاجتماعي ويعبر من خلالها الى آفاق اقليمية ودولية والى مصادر معرفة تتجاوز المصدر المحلي بكل مجالاته، هنا تتشكل تناقضات مع الداخل السياسي والديني وتتشكل جماعات ذات خطاب نقدي ومعها او بجوارها تتشكل جماعات مثل ‘القاعدة’ وغيرها.
اذا المواجهة مع تنظيم ‘القاعدة’ لا تجدي نفعا اذا اقتصرت على الاسلوب الامني وحده، بل لابد من اعادة النظر في المسألة التعليمية والثقافية والاعلامية واعادة النظر في الخطاب الديني وفي اسلوب الادارة السياسية للدولة، وهو المدخل الايجابي الذي يؤسس لدولة مستقرة تستوعب متغيرات الخارج والداخل في آن واحد.
لابد من الخروج عن ذلك الخطاب الوعظي والفتاوى ذات النزعة الاتباعية السلفية المخاصمة للتغيير، وما رافقها من تجميد لاعمال العقل والاجتهاد وفق متطلبات العصر واسئلته المفتوحة، فهذا النمط رافقه فرض تدين طقوسي افقده روحانيته التي يكون حضورها وفق تدين يعكس ضمير الافراد وعلاقاتهم بالخالق، من دون اجبار او مراقبة، وهنا تم تحويل الخلاف السياسي بين النظام والافراد، وبين الافراد بعضهم بعضا الى المجال العقيدي، فظهر التكفير وما رافقه من سهولة فتاوى القتل وهو اليوم يرتد عبر تنظيمات مسلحة نحو المملكة ونظامها السياسي.
زد على ذلك ان النظام تجاهل عمدا وباصرار واقعا اجتماعيا ديناميا، من خلال فئات الشباب والبعثات التعليمية الى الخارج وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي والسفر الدائم لنسبة كبيرة من السكان، واطلاعهم على مظاهر متغيرة في الثقافة والسياسة والسلوك وحتى في التدين، وما يخلقه كل ذلك من تغيير مقابل لدى الافراد والجماعات داخل المملكة، وهنا لابد من الاعتراف بهذا التغيير والتجديد وما يقابله من ضرورة الانفتاح على التعدد والتنوع في الداخل الاجتماعي، مذهبيا للطوائف واجتماعيا للفئات والشرائح المختلفة، ومدنيا تجاه الاعتراف بمؤسسات المجتمع المدني، ونقابيا للعمال حق تأسيس نقاباتهم وهنا فقط يكون استقرار المملكة في استقرار المجتمع الذي يجد دوما وسائل وآليات لتعبيراته المختلفة وفق نظام وقانون مدني تنتظم له حركية الافراد ومطالبهم في اطار من تعزيز الحقوق والحريات العامة، هنا تظهر مملكة دستورية قوية بمؤسساتها ونظامها الذي يجعل من حقوق المواطنة مبدأ اساسيا في نظامها.
في هذا السياق يمكن للمجتمع ان يصطف مع النظام في محاربة التنظيمات التكفيرية والارهابية والمسلحة، لانه في ذات الوقت سيدافع عن حياته وحقوقه وعن نظامه الذي يرتبط به من دون اكراهات مادية او معنوية، لان الافراد في حالة الحرية وتوسيع الخيارات يكون موقفهم انعكاسا لانتمائهم للوطن واحترامهم للنظام الذي يمثلهم، وهو الامر المطلوب هنا بان يكون النظام تمثيلا للمجتمع وتعبيرا عنه، في حين ان الواقع المعاش يعكس وجود نسبة كبيرة من الشباب ومن عامة المجتمع يعانون من الاغتراب السياسي عن نظامهم وحكومتهم. ولان المجتمع السعودي يشهد هجرة كبيرة من العمالة الوافدة وغالبيتها من دول عربية واسلامية ومن مختلف دول العالم، فبالتأكيد سيكون منهم رافد لتنظيم ‘القاعدة’ وفقا لعالمية التنظيم الذي يستطيع من خلال تحركات افراده بطرق مختلفة ان يكون حاضرا وفاعلا داخل المملكة في اي وقت ووفق ظروف استدعائهم .
ان مواجهة ‘القاعدة’ للنظام خطيرة وقد تتوسع مكانيا وتنظيما وقوة لتفجر النظام برمته. وهنا يكون على النظام اعتماد كل الاساليب السياسية والامنية والثقافية والدينية وفق متغيرات حقيقية تستدعي منطق العصر ببناء دولة دستورية بكل لوازمها المؤسسية والثقافية والعلمية، لتتشكل معها ووفق منطقها حزمة متكاملة من الاجراءات المتعددة اللازمة لمواجهة تنظيم ‘القاعدة’ وكل التنظيمات الارهابية. ان بناء مملكة دستورية وفق مؤسساتها الحديثة وخطاب سياسي وديني مستنير وعقلاني هو المدخل الوحيد لتجاوز حالات الفوضى الامنية ونفي التنظيمات الخارجة على القانون.

‘ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن

أ.د. فـؤاد الصـلاحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية