السفر في إطار الموت

الطريقة الكلاسيكية في التعبير عن جمالية الكلام تهتم بدرجات الجمال فيه، فمن الكلام في هذا التصور ما يكون جميلا ومنه ما يكون أجمل ومنه ما يكون فائق الجمال بديعا. والتصنيف التدريجي هذا يكون بالمقارنة عادة مع اللغة العادية، نحن طبيعيا نميل إلى التفكير في مستويات الكلام من حيث الحسن والأجود والأفضل، ونميل حسب بوتر Potter إلى اعتبار الانتقال من الخطاب العالي إلى اللغة العامية المنخفضة نزولا في مقياس القيم.
إن أخطر ما في هذا القول ليس تصنيفه الكلام درجات وأن الجمالي يبدأ صعودا وأن غير الجمالي أو القبيح يبدأ نزولا، الخطر هو أن يعتقد أصحاب هذا الرأي أن هذه الطريقة في التفكير الجمالي هي الطبيعية، وأنه لا يوجد تصور مناقض له يرى الأمور الجمالية لا من خلال تدريج الكلام، بل من خلال تصوراتنا للجمالي من ناحية وللتفاعل بين التصورات والتجربة الاجتماعية والثقافية.
في هذا السياق يقول بول رستال Paul Rastal إن الأحكام الجمالية بما في ذلك التقليدية، تخضع لفهمنا الاجتماعي. فهذه الأحكام تجرى بناء على اتفاق بين مجموعة على الجميل أنه كذلك، وقد يكون الحكم بناء على « تعلم اجتماعي» لما ينبغي أن يكون عليه الجميل. من هذه الناحية هناك انطباع اجتماعي قديم ما زال راسخا، بأن الأدبي بمختلف أنواعه قد يرتب ترتيبا سلميا من جهة جمالية الكلام والتخييل والإنشاء عموما، والغريب أن هذا الترتيب الهرمي لا يخلو عند كل الناس بما فيهم من ذوقية وغياب للمقولة الأدبية، وهذا يصدق أيضا على النقاد «الكبار» أو أصحاب الشهادات «العليا».
إثبات جمالية الأدب ساد فيه بيانها بالاعتماد على تصور وضعياتي Objectivist أي بوجهة نظر يرى فيها الجمالي مقطوعا عن الذهن، ذهن من يبنيها في نظرية الأطر Frames لفيلمور Fillmore ما يفيد بأننا لا نستوعب جمالية قول ما، إلا داخل إطاره الذهني وليس خارجه، والإطار بالمعنى الذي قدمه فيلمور في علم دلالة الأطر يعني أن البشر لا يبنون متصوراتهم، إلا اعتمادا على عمليات ذهنية منجزة، لهم بها معرفة سابقة وبالاعتماد عليها يفهمون الأنشطة المتصلة بها.
في قطعة درويش التالية (أيها الموت انتظر! حتى أُعِد/حقيبتي: فرشاةَ أسناني، وصابوني/وماكنة الحلاقةِ، والكولونيا، والثيابَ) يبنى الموت في إطار السفر. أن يكون السفر إطارا يعني أنه يحوي عناصر كثيرة متشابكة، منها المسافر وآلات السفر والمسافات وحقيبة السفر، وهذا الإطار يعرفه الناس جميعا الذين جربوا بأنفسهم أو مع غيرهم هذا السفر بطريقته الحديثة (وليس بطرقه القديمة).
اختار الشاعر السفر بما هو إطار ليبني به إطارا مجردا هو الموت. (استعارة الموت/ سفر) من الاستعارات المعروفة في تاريخ التفكير البشري يكون فيها السفر إطارا يفسر إطار الموت، لأن الموت وعلى الرغم من معرفة الناس به يظل تجربة فريدة غامضة ملغزة إذا ما قورن بالسفر. السفر تجربة مكتملة ومعلومة العناصر، لكن تجربة الموت حدث وفاجعة بلا تفسير، هي سفر بلا رجعة إلى مكان محاط بالإلغاز والغموض. اختار الشاعر جزءا من إطار السفر كي يبني به تجربة المسافر/ الميت وهو يستعد للسفر/ الموت.

للموت بما هو إطار عرفاني ديني كتابُ الذي يؤتى في عقيدتنا الإسلامية باليمين أو بالشمال، وللسفر كتابه المتعدد الذي يطلع عليه صاحبه بينما يكون كتاب الموت في حكم الغيب.

في هذا الإطار العرفاني الذي تتداعى فيه عناصر السفر كل عنصر يذكر يثير عناصر يتداعى لها الذهن: للسفر حقيبة، وفي الحقيبة لوازم السفر، لكن فيه رفيق سفر يكون مستعدا أو جاهزا، وذاتا «تقرر» السفر بغتة أو «توافقا» على السفر لكنها تريد هنيهة تستعد فيها كي تضع في حقيبته أدوات التنظيف والزينة الأساسية، أدوات رجل مسافر وليست امرأة مسافر، لكنه رجل ينشغل بأدواته المنظفة والمهذبة والمعطرة. يسمح إطار السفر هذا، ومن خلال هذه الأشياء البسيطة، أن يقلب المسافر حدث الموت الفجئي إلى حدث فجئي، لكن فيه مهلة ويسمح أيضا للمسافر أن يأخذ معه شيئا من زينة الحياة الدنيا البسيطة اليومية، حتى لكأنه راحل إلى مكان قد لا يجد فيه هذه الجزئيات التي لن تكفيه دهرا، بل ستكفيه أيامه الأولى للسفر حتى يتعود هناك على أدوت المكان الجديد، ويعرف من أين يوجدها.
السفر في شكل من أشكاله ضياع لأنه يفقدك بوصلة الدنيا التي تعودتها ويجعلك تبحث عن بوصلة جديدة.. البوصلة هي أيضا من أدوات السفر على مدى الأزمان.. لم يستعملها الشاعر لكن استعملها من يقرأ مثلي هذا الشعر بأدوات السفر النقدية لا الشعرية. ما يساعدنا فيه تأطير فيلمور أن هناك سياقا نصيا تصوريا مخصوصا هو الذي يصنع هذا التجاذب الدلالي الذي يولد صور الموت وهو توالد يكتسبه من تداعي عناصر السفر، التي يجذب بعضها بعضا، فالسفر لا يستدعي فقط فكرة الحقيبة، بل يستدعي أيضا فكرة مناخ المكان المقصود، بحكم أن السفر بعبارتنا العامية البسيطة « تغيير جو» يقول درويش في التتمة: (هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ؟ وهل/تتبدلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء/أم تبقى كما هِي في الخريف وفي الشتاء؟) السفر بما هو إطار متشابك العناصر يجعل للموت مدينة أو يجعل الميت خارجا من مدينة إلى أخرى، أو قل بعبارات الحس المشترك من «دار إلى دار.. المدن في الدنيا يمكن أن تكون ذات ألوان وكذلك «الأبدية» هي مدينة بيضاء من زمان، طلقت من أزمنتها وصارت أبدية، وبات من يقصدها مؤبدا فيها.. وللمدن طقوس يتساءل المسافر إن كانت تشبه طقوس الدنيا في حلم خارج ثنائية الجنة والنار، أم هي أبدية في الزمان وفي الفصول.
إطار السفر يستدعي أيضا القراءة، المسافرون يطالعون كتبا في القطار والطائرة يلهيهم عن وقت اسمه وقت السفر، الذي يفصلهم عن مدنهم وطقسهم وعاداتهم القديمة والأبدية البيضاء الجديدة. للموت بما هو إطار عرفاني ديني كتابُ الذي يؤتى في عقيدتنا الإسلامية باليمين أو بالشمال، وللسفر كتابه المتعدد الذي يطلع عليه صاحبه بينما يكون كتاب الموت في حكم الغيب. كتاب الموت لا يسلي مع اللاوقت ، لأنه كتاب يوجه صاحبه إلى نوع من الأبدية بينما كتاب السفر يسلي في مدن اللاوقت الأبدية يقول درويش.. وهل كتابٌ واحدٌ يكفي/لتَسْلِيَتي مع اللاوقتِ، أمْ أَحتاجُ/مكتبةً؟). كلما طال الزمان طال حجم الكتاب، كتاب السفر لكن كلما طال الزمان ثقلت أو خفت في كتب الحساب العقدي في الآخرة.. الكتاب الذي يسلي ولا يصلي هو كتاب السفر المقبل من فضاءات أخرى ترى الموت من بوابات السفر. لكن لإشكال في هذه الكتاب ليست إلا لغة وقتية، فالبشر ناطق وليس بالحد كاتبا أو قارئا.. سيسأم القراءة في هذه الأبدية وسيتوق للحديث.. هل لغة الجنان عربية كما قيل لنا؟ هل لغة الأبدية عربية قياسا عليها؟ لكن العربية اسم للفصحى وللدارجات؟ هل سنتحدث هناك كما نتحدث هنا. يسأل درويش (وما لُغَةُ الحديث هناك/دارجةٌ لكُل الناس أَم عربيةٌ فُصْحى). هل في الأبدية البيضاء سنمارس ازدواج اللغة: عامية كثيرة وفصحى قليلة، أم فصحى كثيرة وعاميات قليلة.. كأن الأبدية لن تحل أزمتنا مع لغتنا.. لا في ازدواجها بين العامية والفصحى، بل في جهلنا أننا ونحن نتكلم بلسانين، أننا في لسان واحد: عربي مبين. ما لم تعلمه الإقامة سيعلمه السفر.. حتى لو كان السفر باتجاه مدن الأبدية البيضاء.. مدن اللاوقت.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية