الكتابة ترحال دائم ومتكرر، السفر ترحال.. إنهما معا عبور نحو الغياب، فالطريق الرابطة بيني وبين النص المؤجل هي طريق وعرة وشائكة غير قابلة للتشوير أو التبليط.. إنها مثل متاهة تجر روحك وحواسك وتاريخك وتقحمك في مغامرتها، تترك لعجلة اللحظة مسؤولية القيادة، قد توصلك لنصف الطريق، وقد لا ترغب في حمل أشيائك البسيطة، وربما تمر بسرعة ضوئية لتدعك خارج ركابها.. وقلما توصلك بسلام.. وحتى وإن وصلت إلى محطتك تحكم عليك بالغياب والتأجيل، فالنص الذي يرومك غير قابل للحضور، ويدعوك إلى إتمام السفر في ذاتك، في غيرك، في مسارات الحياة، ومنعطفات الأحلام، وأسئلة النزوات الملحة.. وأنت تسافر في نصك لا تحتاج إلى حزام السلامة أو مخدة الأمان، لا تحتاج لعجلة جديدة أو جهاز gprs.. وإنما أنت بحاجة إلى تغدية قلبك كي يتحمل برودة السؤال. والسفر الذي يصدرني إلى حيث أحرك بوصلتي هو سفر يدعوني دائما أن أستعيد لحظاتي الهاربة، فالسفر الطويل يمنحني لذة الانزواء إلى ذاتي لأرمم شقوقها، وألمع نوافذها من رمال الزاوبع، أو أنظف تلك الصورة العتيقة التي تسكنني لكي أبدو وسيما وأنا في مقعدي الخشبي. السفر الذي يحملني من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال يجعلني تواقا إلى ذاكرة البحر الذي يسكنني، بحر الحب، وبحر الطفولة، وبحر الوفاء، وبحر القصيدة، وبحر البحر.. يجعلني تواقا إلى إيقاع حياتي مختلف، يدفعني لكي أتملى في صور مختلفة تحمل معنى مؤجلا، يدفعني السفر الطويل إلى التسلي باستعارات لا تقترب من الواقع، وأن أفتش عن سر الفراشات وهي ترقص رقصتها الأخيرة . إن سفر هو حركة بحرية، إنه مد مشرع على الفرح، وجزر مسكون بالأمل.. ولطالما توجني السفر بنكهاته عريسا في قصيدة مؤجلة.. مثل الأحلام اللذية التي نود إكمالها لكن الأيادي البيضاء توقظنا ونحن في لحظات الانكشاف. يبدو لي أن السفرؤ والكتابة متداخلان حد التماهي، وأنا أسافر إذن أنا أكتب، وأنا أكتب إذن أنا أسافر، إنهما كوجيطو مسكون بالغياب. كاتب من المغرب [email protected]