السفير الأمريكي بالمغرب… حاكما مدنيا؟

حجم الخط
0

السفير الأمريكي بالمغرب… حاكما مدنيا؟

يحيي اليحياويالسفير الأمريكي بالمغرب… حاكما مدنيا؟تنتدب الدول والحكومات، منذ قديم العهود والأزمان، ممثلين لها لدي الدول والأقوام الأخري، يعمدون للدفاع عن مصالحها، ويقومون علي خدمة رعاياها المتواجدين هناك، ويقدمون تقارير سرية أو علنية عن واقع ذات الدول والأقوام، وما يتموج من بين ظهرانيها سلبا أو بالايجاب.ولما كانوا خاضعين لأعراف وقوانين في الدبلوماسية والعلاقات فيما بين الدول، فهم (الممثلين أعني) مقيدون حتما باحترام سيادة الدول حيث يوجدون، فلا يتدخلون في شؤونها الداخلية، ولا يأخذون مواقف من القضايا المحلية سياسية كانت أم اقتصادية أم ثقافية أم ما سواها، حتي وان جمعوا بشأنها الأخبار والمعلومات، وأمدوا بها مسؤولي بلدانهم لحظة بلحظة من باب الاخبار الروتيني أو لحسابات محددة، قد لا تكون معروفة بدقة حتي من قبل السفير ذاته.الدول والأقوام، بالعرف كما بالقانون الدولي، سواسية لا أفضلية لواحدة علي أخري، والسفراء (أو القناصل أو ممثلو المصالح) متساوون أيضا، لا تراتبية بالمنظور العام بين سفير وسفير، ولا امتياز لهذا علي ذاك الا لربما في القدرة علي خدمة مصالح بلاده، والرقي بمستوي العلاقات بين دولته والدولة حيث مكان التمثيلية.وعلي الرغم مما قد يكون امتيازا ظاهريا لبعض السفراء (سيما ممثلي الدول الكبري اقتصاديا، أو ذات النفوذ الأقوي بالمؤسسات التقريرية الدولية)، فان ذات الامتياز لا يمنحهم مع ذلك الصفة للتدخل في شؤون البلد المضيف، أو الشرعية لمحاباة هذه الجهة أو تلك، أو السلطة للتجسس المباشر علي البلد اياه، أو المس بمصالحه العليا عبر هذا السلوك الطائش أو ذاك.ومع ذلك، فلا يعدم المرء حالات التجاوز بزاوية التجسس علي الدولة المضيفة، أو التدخل بشؤونها الداخلية زمن الحرب كما زمن السلم، لكن ذلك يبقي الي الاستثناء أقرب منه الي القاعدة بالنسبة للدول الكبري تحديدا…في حين أن قدرات الدول المتوسطة أو الصغيرة تبقي محدودة في ذات المسلك، أو لا ترتجي هي نفسها فائدة كبري من ذلك.واذا سلم المرء جدلا بأن ما تقوم به العديد من سفارات العالم، من أعمال تتبع وتجسس وجمع أخبار لفائدة بلدانها، يبقي من صميم وظيفتها المتعارف عليها بالغالب الأعم، فان الذي لا يستطيع ذات المرء التسليم به، هو انجرار بعض سفارات الدول الكبري (لدي الدول المتوسطة أو الصغيرة) وراء منطق القوة، لتتحول من هذا المنطلق ليس فقط الي فاعل محلي معتبر ضمن الفاعلين المحليين الأصليين، أو الي مراقب لقواعد اللعبة الداخلية وان عن بعد، بل وأيضا الي آمر وناه في العديد من قضايا الشأن العام، لدرجة يصدق معها نعتها بالمقيم العام أو المندوب السامي، تماما كما كان الحال أيام الاستعمارين الفرنسي والبريطاني بالقرن الماضي.وأزعم، بهذه النقطة، أن السفارة الأمريكية بالمغرب انما باتت (سيما بعد تغول ادارة جورج بوش، وتبرمها الفج عن قواعد القانون الدولي، ناهيك عن الأعراف أو الأخلاق المكملة له) حاكما مدنيا (أو يكاد)، يتصرف في البلاد والعباد، علي شاكلة ما كان يقوم به المقيم العام طيلة سنين الحماية الفرنسية علي المغرب: ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) من العام 2001، جمعت السفيرة الأمريكية مارغريت تيتويلر أعضاء الحكومة المغربية (وفي مقدمتهم رئيس الوزراء) وجل زعماء الأحزاب السياسية اليميني منها كما اليساري، العلماني منها كما ذي التوجه الاسلامي، المتطرف منها كما المعتدل…لم يتخلف منهم أحد…جمعتهم جميعا بكنيسة سان بيير بالرباط لاحياء ذكري ضربتي مانهاتن…فأثثوا الحفل مدثرين باللباس الأبيض، خاشعين، داعين، لينصرفوا مطمئنين لما قاموا به، بعدما انتهت أطوار القداس المهيب، وتجلت علامات الرضا والارتياح من علي وجه السفيرة.كيف يفسر المرء تجرؤ السفيرة علي جمع أركان الدولة (وكلهم مسلمون سنة) بكنيسة للمسيحيين، ليدفعوا دفعا بجهة التماهي مع طقوس روحية خاصة بأصحاب الديانة، ويسمعوا القراءات والتراتيل وما سواها… كيف يفسر ذلك الا بكونه صدر عن جهة تعلم علم اليقين أنها الحاكم المدني للبلاد بامتياز؟ ماذا يا تري كانت ستكون عاقبة من سنحت له نفسه بالتخلف وزيرا كان أم سياسيا أم نقابيا أم مستشارا؟ ماذا يا تري كانت ستكون ردة فعل المتخلفين ان عمدت السفيرة الي تعنيفهم، أو تأنيبهم أو تسجيل فعلتهم في ميزان سيئاتهم بالدنيا؟ وفي أعقاب ذات الأحداث (أحداث الحادي عشر من ايلول) ضغطت السفيرة بقوة، لاجبار وزارة التربية الوطنية علي تغيير برامجها التعليمية بجهة ازاحة ما من شأنه اثارة نعرات الحقد والكراهية بازاء غير المسلمين وبازاء الأمريكيين تحديدا، وذهبت (علي الرغم من قصر مدة شغلها للمنصب) في ذات الضغوط لدرجة مطالبتها الوزارة اياها بالترخيص لمصالح السفارة بتقديم حصص دعائية بالمؤسسات التعليمية، تقدم للناشئة من خلالها دروسا في سمو الديمقراطية الأمريكية ، وتبين لهم أفضال الأمريكان علي المغرب، وعلي العرب والمسلمين وعلي العالم أجمع .لم تكتف السفيرة بذلك، بل مارست ضغوطا موازية أخري بجهة دفع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية الي لجم خطباء الجمعة، وثنيهم عن مناهضة السياسات الأمريكية والاسرائيلية بفلسطين والعراق وأفغانستان، فتتحول ذات الخطب، بالمحصلة، الي مواعظ في الدين، ونصائح مكتوبة من بين أروقة الوزارة، دون الخطباء ودون اعتمادها الطرد والتشريد… وقد تم طرد العشرات ممن لم يرضخوا في عهد الوزير السابق.لا، بل ذهب الأمر بالسفيرة (وهي بمكتب محافظ العاصمة) لدرجة منع مسيرة تضامن سلمي مع الشعب الفلسطيني، بعدما تم الترخيص لها من لدن وزير أول محسوب تاريخيا علي الخطين القومي والوطني، وذي تاريخ نضالي محترم. وخليفتها في المنصب (السفير توماس رايلي) باشر منذ شهوره الأولي، التدخل في شؤون المغرب الداخلية جهرا وعلانية، عندما عبر عن موقفه من محاكمة نادية ياسين، فقال بهذا الشأن صراحة: اذا دعمت أمريكا المغرب كنموذج، فان أعضاء الكونغرس سيتعذر عليهم قبول محاكمة تمس حرية تعبير نادية ياسين وهي التي تنبأت باقتراب نهاية الملكية بالمغرب، وتفضيلها للنظام الجمهوري. لم يخرج السفير، بهذا الموقف، عن الحد الأدني من اللياقة الدبلوماسية المتعارف عليها، بل طعن في نزاهة مؤسسة قضائية احتارت من تاريخ التصريح اياه، في سبل طي ملف معروض أمام المحكمة، من الاهانة حقا للجسم القضائي ركنه للجانب دون مسوغ قانوني يذكر. والسفير اياه تجرأ، فمهد الطريق لمعهد أمريكي معروفة توجهاته (المعهد الوطني الديموقراطي للشؤون الدولية) لتأطير ورشة كيف يمكن للأحزاب السياسية المغربية الاسهام في تطوير المسلسل الديمقراطي؟ ، اجتمعت حولها ثلة من الأحزاب (والدكاكين السياسية الباهتة) بغرض تعلم آليات وسبل تطوير المسلسل الديمقراطي ثم ورشة بلورة الأرضية الانتخابية: تحديد الخطاب ، التي نظمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، للتحسيس بأهمية تحديد الخطاب في الحملات الانتخابية، ناهيك عن مواقفه من العلاقات بين المغرب والجزائر، ومن ملف الصحراء وهكذا. والسفير الجديد لم يكتف بذلك، بل ذهبت به الجرأة لدرجة تجاوزه علي المساطر واللوائح والقوانين السائدة في تعامله مع الجمعيات غير الحكومية، فآثر الاتصال بها مباشرة والنظر في سبل وآليات تمويل مشاريعها ، دونما استئذان مسبق من السلطات، أو طلب لائحة المصنف ضمنها بخانة المنفعة العامة.بامتداد لذلك، أشار السفير اياه علي جمعية حقوقية، كانت تعتزم القيام بمسيرة لبلدة تيفاريتي بجنوب المغرب، فأثناها عن ذلك تحت ذريعة عدم استتباب الأمن هناك، ومخاطر البادرة علي المشاركين، وتداعيات ذلك علي ملف الصحراء مستعصي الحل…فانصاعت الجمعية قسرا (وطواعية فيما زعم البعض). والسفير اياه (ومن خلفه سفارة حكومة الاحتلال بالعراق) نجح في اغلاق أبواب مسرح محمد الخامس الوطني في وجه جمعيات وشخصيات، حصلت علي ترخيص لاحياء أربعينية اغتيال الرئيس/الشهيد صدام حسين…فانصاعت السلطات لأوامره دونما تردد أو تلكؤ.هل ثمة بعد الذي أوردناه، فارق يذكر بين ما كان يقوم به المقيم العام الفرنسي أيام الحماية، وما يقوم به السفير الأمريكي بداية هذا القرن؟بالقطع لا…هل يدرك الأمريكان بعد كل هذا لماذا تشتد كراهيتنا لهم، تماما كما كنا نكره المقيم العام الفرنسي؟ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية