بغداد ـ «القدس العربي»: كشف السفير الأمريكي لدى العراق، ماثيو تولر، أمس الأحد، عن أبرز مجالات الدعم المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية لصالح الحكومة العراقية، وفقاً لاتفاقية الإطار الاستراتيجية المُبرمة بين البلدين عام 2008، وعدم اقتصارها على دعّم قوات الأمن العراقية في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية».
وقال في مقطع فيديو نشره موقع السفارة الأمريكية، «سألني عدد من أصدقائي العراقيين مؤخراً، عن السبب وراء تركيز بعثة الولايات المتحدة في العراق فقط على دعم قوات الأمن العراقية في محاربة داعش.
حقاً لقد فوجئت بهذا السؤال، لذلك قررت أن أطلب من زملائي هنا في السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية في أربيل التحدث عن العمل المتواصل الذي تقوم به مكاتبهم لتعزيز شراكتنا والمساعدة في النهوض بواقع حياة الشعب العراقي».
وأضاف: «خلال الأسابيع المقبلة، سيناقش زملائي في البعثة بشكلٍ مفصّل كيف تتناول اتفاقية الإطار الاستراتيجي (المُبرمة بين بغداد وواشنطن)، جميع جوانب علاقاتنا الثنائية (السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والعلمية)، وليس الاقتصار فقط على المساعدة الأمنية».
وتابع: «يمكن الاطلاع على المزيد من التفاصيل عن سبل تقديم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الدعم الإنساني ودعم الاستقرار لملايين العراقيين المعرضين للخطر، كما سيسلط قسمنا الاقتصادي الضوء على عمله الدؤوب لجلب الوفود التجارية والاستثمارات الأمريكية وأصحاب الامتياز الأمريكيين والمساعدة للعراق بغية أن يكون مستقلاً في مجال الطاقة».
ومضى المسؤول الدبلوماسي الأمريكي قائلاً: «أما قسمنا السياسي، فسيتحدث عن برامجه التي تعزز حقوق الإنسان والعدالة والمساءلة، بالإضافة إلى إزالة الألغام عن المئات من المواقع الحساسة للبنية التحتية»، لافتاً في الوقت عيّنه إلى «مكتب اللاجئين والنازحين والذي حسّن من حياة الملايين من العراقيين، من خلال إعادة تأهيل المساكن والمزارع والشركات والمدارس والبنية التحتية الأساسية في المجتمعات بجميع أنحاء البلاد».
ورأى السفير الأمريكي أن «الجيل القادم من العراقيين سيستفيد من عمل القسم الثقافي لدينا من خلال إرسال مئات الطلبة العراقيين كل عام إلى الولايات المتحدة، بموجب برنامج التبادل، فضلاً عن عملهم الهام في المساعدة على الحفاظ على التراث الثقافي الثريّ للعراق».
وأتمّ قائلاً: «شراكتنا (مع العراق) تمتد أبعد من مجرد تقديم الدعم للقوات الأمنية العراقية»، معرباً عن تطلعه لـ«لقاءات الحوار الاستراتيجي المقبلة التي تهدف إلى التعاون في كيفية تعزيز هذه الروابط بغية التغلب على التحديات العديدة التي لا يزال العراق يواجهها».
ومن المقرر أن يعقد المسؤولون في العراق والولايات المتحدة الأمريكية «حواراً استراتيجياً» في حزيران/ يونيو الجاري، لترتيب أوراق الاتفاقية الاستراتيجية.
يأتي ذلك، بعد مقتل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، بغارة جوية أمريكية في محيط مطار العاصمة بغداد مطلع العام الحالي.
ورجح الكاتب رانج علاء الدين أن يكون لدى واشنطن وبغداد فرصة لإعادة ضبط علاقتهما عبر الحوار الاستراتيجي المزمع بينهما هذا الشهر.
وقال في تحليل منشور له على موقع مركز «بروكنغز» الأمريكي للأبحاث، إن «هذه العلاقات يمكن أن تكون «مفيدة وفاعلة للطرفين» وذلك بعد توترات شابتها إثر مقتل قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في غارة أمريكية.»
وقدم الكاتب، وهو زميلٌ زائر في مركز بروكنغز، ستة مقترحات قال إنها «يمكن أن تساعد في ضبط العلاقة بين العراق والولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة».
الفصائل المنشقة
وأشار إلى إقامة علاقات طويلة الأمد مع بعض المكونات الرئيسية في قوات الحشد الشعبي، بدلا من مطالبة العراق بحلها كاملا، إذ يرى أن انسحاب ميليشيات موالية للزعيم الشيعي علي السيستاني من الحشد يصنع «فرصة» للولايات المتحدة من أجل تطوير علاقات «أوثق» مع هذه الفصائل، واقترح علاء الدين العمل مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لتقديم الدعم العسكري وتدريب هذه المجموعات لتحويل ميزان القوى لصالحها، بما يخدم مصالح واشنطن، ولم يستبعد أن تطور هذه الفصائل علاقتها مع الولايات المتحدة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر من خلال الكاظمي.
محلل: واشنطن وبغداد أمام فرصة إعادة ضبط علاقاتهما عبر الحوار الاستراتيجي
ودعا، واشنطن إلى عدم توقع قيام بغداد بكبح جماح وكلاء إيران في العراق، فرغم تراجع نفوذ هذه الميليشيات جراء دورها السلبي في التظاهرات الأخيرة والفراغ الذي تركه سليماني والمهندس، إلا أن الجيش والكاظمي لن يتمكنا من احتواء هذه الفصائل، فالجيش العراقي سيركز على محاربة الجماعات المسلحة واحتواء النزاعات المحلية، والكاظمي لا يزال «حديث العهد بمنصبه ولا يملك حتى الآن قاعدة سياسية قوية».
واقترح المحلل أيضا مساعدة الكاظمي في مسائل الحكم، لكنه رأى أن على واشنطن النأي بنفسها عن مسألة إعادة إعمار العراق، لأن هذا الأمر سيكون «مفيدا» لإيران، وسيكون من الصعب تطبيقه في «البيئة السياسية الحالية» بالنظر إلى نفوذ طهران وحقيقة أن السياسيين العراقيين لا يمتلكون إجماعا بشأن مسائل سياسة محلية وخارجية حاسمة مثل مسألة بقاء القوات الأمريكية في العراق، وبدلا من ذلك يقترح أهدافا «قريبة» مثل دعم العراق بإنشاء بنية تحتية مصرفية ومالية حديثة، والاستمرار في تمديد الإعفاءات من العقوبات، وتمكين العراق من الحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وإعادة هيكلة ديونه، وهو ما يمكن أن يساعد على دعم الاقتصاد العراقي ومشاريع بناء الدولة على المدى الطويل.
ورقة الأكراد
وأكد أيضا أهمية الاهتمام في مراكز القوى الأخرى التي يمكن أن تتحكم بمصير الكاظمي خلال الفترة المقبلة، مثل الأكراد، ويقترح دعمهم سياسيا ودعم استقرار إقليم كردستان، حيث تتمتع الولايات المتحدة بوجود كبير هناك. ويرى أن أهمية تمكين الأكراد تكمن أيضا في أن واشنطن قد تحتاج إليهم إذا اضطرت إلى الانسحاب من العراق قبل تأمين مصالحها الأساسية هناك.
ودعا، الولايات المتحدة، إلى عدم تجاهل حلفائها، مشيرا في ذلك إلى الفصائل السنية والأكراد، وقال إنه رغم الخلافات التي قد تظهر بين واشنطن وحلفائها، يجب على واشنطن تجنب إضعاف موقفهم وزيادة نفوذ خصومهم، ويقترح أن تطبيق واشنطن ما تفعله طهران التي تعتبر أن الهجوم على حلفائها هو هجوم عليها وتتوسط في حل الخلافات بينهم.
ونوه في الوقت عينه إلى إقامة علاقات مع الجيل الجديد للقادة العراقيين، وتمكين هؤلاء الذين لديهم القدرة والعقلية الإصلاحية بما في ذلك الذين هم حاليا في الحكومة، ويرى أن تمكين وجود طبقة سياسية ذات عقلية إصلاحية سيدفع بالراغبين في الحفاظ على النظام السياسي القائم وهؤلاء الذين يسعون لتجديده بشكل كامل إلى تبني حل وسط.
وكان مركز «أتلانتك» للدراسات والبحوث الدولية في واشنطن قد ذكر في تقرير سابق حول مستقبل العلاقات بين البلدين أن الحكومة العراقية تسعى إلى الحفاظ على نوع من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة دون إغضاب جارتها القوية إيران.
واقترح، أن تعمد الولايات المتحدة إلى النأي بالعراق عن الصراع الدائر بينها وبين إيران من خلال تخفيض عديد قواتها وتحديد دورها بمحاربة تنظيم «الدولة» وتدريب القوات العراقية.
ورأى أن على طهران منع وكلائها العراقيين من مهاجمة أهداف أمريكية ومنح الكاظمي الفرصة.
وقال تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن مهمة الكاظمي تمكن في الموازنة بين قوتين متخاصمتين، هما الولايات المتحدة وإيران، والحفاظ على «توجيه دفة» العراق بعيدا عن احتمالية التحول إلى ساحة للمعركة بينهما.
وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، قد دعا في السابع من أبريل/ نيسان الماضي إلى «حوار استراتيجي» بين الولايات المتحدة والعراق للبحث في مستقبل العلاقة بين البلدين.
ويرمي الحوار، الذي سيكون عبارة عن سلسلة من الاجتماعات بين كبار المسؤولين الأمريكيين والعراقيين، إلى وضع كافة جوانب العلاقة الأمريكية العراقية على طاولة الحوار.