بكثير من الحذر، يُقارب سفير لبنان لدى واشنطن سابقاً د. عبد الله بو حبيب أزمة “بلاد الأرز” التي ما عاد شيء فيها يشبه “سويسرا الشرق” اللقب الذي تغنت به طويلاً. فهو “الكتائبي الهوى والانتماء” في شبابه، من منظّري “حلف الأقليات” اليوم، الذي عمل لسنوات طويلة في البنك الدولي مستشاراً، وخَبر المؤسسات المالية الدولية، وأطل على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من موقعه الدبلوماسي وكتب عنها طويلاً، ووظّف معرفته في “مطابخ القرار” في عهود عدّة، وليس ببعيد عن العهد الحالي.
يعتبر بو حبيب أن “الثنائي الشيعي” هو الذي يتولى إدارة البلاد، ويبدو له وكأن تيار رئيس الجمهورية تنحى جانباً في قرارات كبرى يتم درسها راهناً، مثل الديون السيادية والتعاون مع صندوق النقد الدولي، عازياً السبب إلى قلة الخبرة! ويرى أن سبب الهروب من صندوق النقد ليس لأنه يفرض شروطه أو يتبع للأمريكيين وإنما لأنه يكشف الأمور، ولم يقل أحد من القلة السياسية التي تحتكر الحكم إنه يريد “الصندوق” لأن هؤلاء لا يريدون التخلي عن جنّة السلطة، ومَن هو خارجها يأمل بالعودة إليها.
لا يستطيع الجزم بما سيُواجه لبنان مع عدم سداد الديون، ولا سيما سندات “اليويوبوندز”. فأصحابها سيرفعون دعاوى في المحاكم الدولية على الحكومة اللبنانية التي لم تُقدّم أي برنامج ولا عندها أي تصوّر، والتي كان يُستحسن عدم قيامها بهذه العملية بشكل منفرد، لأنها ستفشل وتسوء الحالة ما سيؤدي إلى “فرطها”، مؤكداً وجوب أن يحضر صندوق النقد الدولي إلى جانبنا ليكون سنداً لنا، ومجيئه يمنح الثقة للبنوك اللبنانية التي فقدت ثقة مودعيها، ويجلب أموالاً إضافية من الخارج، مثلاً من البنك الدولي، الذي يقوم بمشاريع تُصرف بسرعة.
يجوز أن يكون الانهيار على شاكلة أن تتوقف الدولة عن دفع الرواتب، ويجوز أن ينزل المواطنون إلى الشارع من دون أن يخرجوا منه، وبالتالي تنعدم قدرة الجيش على التحرّك حيال هذا الموضوع.
وهنا نص الحوار:
* هناك قلق كبير على مستقبل لبنان، والبعض يعتبر أن حكومة حسان دياب كرَّست اختلالاً بموازين القوى رغم دستوريتها، هل يمكنها كحكومة متماهية مع محور إيران المتصادم في هذه اللحظة مع أمريكا وحلفائها، أن تُشكّل مظلة أمان للبلد؟
** أعتقد أن 7 وزراء من أصل 20 يحملون الجنسية الأمريكية، وينتمون إلى كل الطوائف، ومعظمهم نهل تعليمه في أمريكا، لهذا لا أظن أن أحداً يعتبر هذه الحكومة إيرانية أو عدوّة. الولايات المتحدة وأوروبا لا يعتبرونها عدوّة، هم يريدونها أن تعمل بطريقة صحيحة، وبالتالي ليست لديهم مشكلة معها. المشكلة أن القوى التي تقف خلف الحكومة والقوى التي تعارضها غير مقتنعة بأنها تستطيع البقاء لوقت طويل، هي بمثابة مرحلة انتقالية ريثما يهدأ الشارع. هذه القلة التي تحتكر الحكم في لبنان تأمل بالعودة إلى جنّة الحكم، يختلفون في مجلس الوزراء لكنهم غير مستعدين للتخلي عن السلطة.
* هل بالإمكان الاستمرار بهذه المقاربة فيما نحن على مشارف انهيار… بل دخلنا به؟
** هناك مجلس وزراء يجتمع راهناً لاتخاذ قرار بشأن الديون، لكن ثمّة فئة واحدة هي التي تُقرّر في لبنان. فرغم أن ثلاثة أطراف تُمسك بالحكومة، إلا أن “التيار الوطني الحر” (تيار رئيس الجمهورية) كما يبدو لي، لا يعرف ماذا يحصل، وترك الأمور وتنحّى جانباً. يبقى “حزب الله” والرئيس نبيه بري في الساحة وهما اللذان يقرران، وبري يتكلم باسم الاثنين، أما السنّة فغير موجودين في الحكم. ما أريد قوله هو أن هذه القوى المجتمعة في الحكومة ليست هي التي تُقرّر.
*الحديث يدور حول وجود “خليّة” تضم “الوطني الحر” و”الثنائي الشيعي” و”المردة” (سليمان فرنجية) تُقرّر كل ما يتعلق بالأمور المفصلية، مثل مشكلة الديون السيادية، ولكن سؤالي: ما الذي يدفع رئيس الجمهورية الرئيس القوي، وتياره الذي له الكتلة الأكبر في البرلمان لأن يكون خارج القرار؟
** لأنه ليس عندهم من يفهم “اللعبة” يستعينون بمستشارين قليلي الخبرة. المستشار يجب أن يتمتع بخبرة طويلة جداً في المجال الذي يُعطي رأيه به.
*لكن هذا قرار سياسي كبير. كتبتَ بالأمس عن الرئيس الشرعي والرئيس الفعلي، بمعنى أنك تسلّم بحقيقة أن الرئيس الفعلي هو “حزب الله” ويُدير الدفة؟
** حالياً “الثنائي الشيعي” هو الذي يتولى الإدارة.
* في رأيك هل هناك تمايز بين قطبي “الثنائي الشيعي”؟
** لا أحد منهما يستطيع العيش من دون الآخر، هما بحاجة لبعضهما البعض.
* قرار “الرئيس الفعليّ” هو عدم دفع استحقاق “اليوروبوندز” ورفض التعاون مع صندوق النقد الدولي للخروج من الأزمة المالية، كيف تتوقع مسار الأمور؟
**111من أصل 193 دولة احتاجت صندوق النقد منذ إنشائه. يقولون إنه يتبع للأمريكيين. أولاً، صندوق النقد لديه مجلس إدارة أحد أعضائه إيراني الجنسية. ثانياً، الصندوق يُقدّم تقريراً سنوياً لمجلس إدارته عن حالة كل البلدان، طبقاً للبند الرابع من ميثاقه. ثم أن موظفي “الصندوق” ينتمون في أغلبهم إلى العالم الثالث، من الدول العربية والهند وباكستان وأمريكا اللاتينية. هناك موظفون أمريكيون، لكنهم يفضلون الذهاب إلى أوروبا للعمل هناك، فالصندوق مُلزَم بتقديم تقارير عن جميع الدول.
على العموم الذي يأخذ القرار في نهاية المطاف هو مجلس الأمناء، ولا أدري لماذا نحن خائفون. الأمريكيون ليسوا ضد استعانة لبنان بصندوق النقد، والأوروبيون يرحبون أيضاً.
* في رأيك، ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء رفض التعاون مع صندوق النقد؟
** صندوق النقد يهمّه توازنين: توازن الموازنة وتوازن ميزان المدفوعات. هم يجلسون مع المعنيين ويضعون الأرقام، مثل الطبيب الذي يقوم بالفحص قبل وصف الدواء، ويدققون بحسابات الدولة. عندنا لا السلطات المالية المسؤولة ولا البنك المركزي أجروا تدقيقاً، كل منهما يُجري حساباته ويقول إنه انتهى ولا أحد يستطيع المناقشة. الصندوق سيطلب تدقيقاً سنوياً، وبعدها قد يُوصي بزيادة الإيرادات أو إنقاص النفقات، وقد يطلب الاثنين معاً، ولكن بطريقة تستطيع الحكومة تحمّلها ولا تُفرَض فرضاً. فعلى سبيل المثال هم لا يفرضون رفع الضريبة على القيمة المضافة 5 في المئة، ولكنهم يقولون إذا رفعتها بهذه النسبة فسوف توفر للدولة مقداراً معيناً من المال، وإذا قالت السلطات أنها لا تستطيع فرض هذه الزيادة، يلجأ الصندوق إلى مُعطى آخر.
في وضعنا اليوم، من غير المعقول أن يدخل صندوق النقد بأي مشروع مع الدولة اللبنانية من دون حل مشكلة الكهرباء التي تكلف الدولة 2 مليار دولار سنوياً. وكذلك المرفأ، الذي تنخفض إيراداته الجمركية حسب الإحصاءات الدولية. أنا أذكر هذه الأمثلة التي تُبين لماذا الكل لا يريد صندوق النقد. إذا تمت السيطرة التامة على المرفأ، فالرسوم الجمركية تكون قد دُفعت، ويرتفع منسوب الإيرادات. الهروب من صندوق النقد الدولي ليس لأنه يفرض وإنما لأنه يكشف الأمور.
* المسألة مرتبطة فقط بالفساد؟
**أنا كنت في البنك الدولي في تسعينيات القرن الماضي، كنا نأتي إلى لبنان لننجز مشروعاً، وحتى تكتمل الإجراءات كنا نحتاج إلى إجراء مناقصة لأننا لا نستطيع التمويل من دونها، لكن السلطات كانت تقول لنا إنها تريد تلزيم شركة معينة. كانوا يستدينون من السوق بفائدة 20 أو 30 في المئة، ولا يأخذون التمويل من “البنك الدولي” ولا من أي من “الصناديق”. الشيء نفسه ينطبق على موضوع الكهرباء، لماذا يفضلون الدفع لتمويلها في وقت بالإمكان الحصول عليها عبر الـB.O.T. هذه الأشياء كلها كانت تحدث. فكيف لنا أن نصل إلى التوازن في ميزان المدفوعات إذا كنا نصرف أكثر مما يصلنا من أموال؟
وبالنسبة لجدولة الدين العام الذي ترزح تحته البلاد، يجب أن يحضر صندوق النقد الدولي إلى جانبنا ليكون سنداً لنا، ومن خلال المفاوضات ربما ندفع المتوجبات بأقل كلفة ممكنة. على العموم، واستناداً إلى “كوتا” لبنان في صندوق النقد، بالإمكان التفاوض والحصول على 3 مليارات دولار سنوياً. يُعطي دعماً للميزانية ولكن يترتب على الطرف المستدين إعادة الأموال بعد 3 أو 5 سنوات، بفائدة بسيطة. فبدل الفائدة التي تُدفع لسندات “اليوروبوندز” والتي تصل إلى 10 أو 15 في المئة، تدفعين 3 أو 4 في المئة حسب سعر السوق.
* وما الضمانات التي يطلبها “الصندوق” في هذه الحالة؟ وهل يتحمّل مخاطر عدم القدرة على الإيفاء؟
** يتحتم عليه القيام ببرنامج لضبط الأمور حتى يستطيع المستدين الوفاء بالتزاماته. وإذا لم يجد انضباطاً للأمور، يتوقف فوراً. مجيء صندوق النقد يمنح الثقة للبنوك اللبنانية التي فقدت ثقة مودعيها، ويجلب أموالاً إضافية من الخارج، مثلاً من البنك الدولي، الذي يقوم بمشاريع تُصرف بسرعة.
* التعاون مع صندوق النقد هو المعبر للدعم الدولي؟
** قال البنك الدولي للحكومة الجديدة إننا لا نستطيع العمل معكم بقضايا المال والبنك المركزي، هذه مهمة صندوق النقد، ولذا عليكم الاستعانة به. بعثة الصندوق زارت لبنان، لكنها لم تُقدم نصائح لأنها تتخوَّف من أنها إذا أشارت إلى خطوة ما من دون إشراف منها، فقد تفشل تلك الخطوة، ويتم التلطي خلفها. هذه طريقة تعامل “الصندوق مع الكل” مع علمه المسبق بأن اللبنانيين ليسوا بالسهلين.
* يعني ليس هناك شيء اسمه استشارة تقنية كما قالت الحكومة؟
** التقرير السنوي الذي ينجزه صندوق النقد حسب البند الرابع من الميثاق يشرح وضع كل بلد. مثلاً في عام 2018 قدّم الصندوق تقريراً عن لبنان لم يُعجب حاكم المصرف المركزي (رياض سلامه) الذي يُمثل لبنان بصندوق النقد، فطلب عدم نشره، وله الحق بأن يفعل ذلك. التقرير يومها تضمن هجوماً قوياً على الهندسة المالية وانتقاداً لها.
* ماذا ستكون في رأيك تداعيات عدم إيفاء الديون السيادية من دون اتفاق مع صندوق النقد؟
** أولاً ليس من المستحسن القيام بهذه العملية بشكل منفرد. آمل أن ينجحوا بذلك، لكن اعتقد أنهم سيفشلون، فتسوء الحالة مما يؤدي إلى “فرط” الحكومة.
* وما الانعكاسات المباشرة لعدم دفع سندات اليوروبوندز من دون الاتفاق على الجدولة مع الدائنين؟
** لا أعرف ماذا سيحدث، أولاً أصحاب السندات سيرفعون دعاوى في إحدى المحاكم الدولية على الحكومة اللبنانية، وفي الوقت نفسه الحكومة لم تقدّم أي برنامج ولا عندها أي تصوّر. يعني الأمور ذاهبة إلى الفوضى. لبنان لا يتمتع بدعم دولي. فإذا أراد البحث معهم بإعادة الجدولة، فماذا يكفل لهم أنه بعد فترة سيدفع، لا يوجد كفيل، يعني نحن نؤجل الأزمة.
* لكن الذي سيقدّم الدعوى هو الطرف المتضرّر، ولن يحصل على شيء، لأننا سنصبح دولة مارقة ونحن أمام حالة إفلاس؟
** لم نصل إلى الإفلاس بعد، لأنه ما زال معنا بعض المال، لكن لا أحد سيعطينا قرشاً واحداً والدين يتراكم والفوائد مستمرة، وعندما ستُصرف هذه الأموال سيفقد البلد الثقة به.
* المسألة ليست فقط اقتصادية وسوء إدارة، المسألة لها أيضاً جانبها السياسي…
** نعم المسألة سياسية. نواب ومسؤولو “حزب الله” يقولون بأنهم لا يريدون الوقوع تحت السيطرة الأمريكية، ولكن ربما هم لا يعرفون شيئاً عن صندوق النقد، ولا حتى قرأوا مقالة عنه. هذا موقف سياسي وليس اقتصادياً. لو كان لبنان مثل أي دولة أخرى لا تتداخل فيها السياسة، كالأردن مثلاً، لكانوا طلبوا المساعدة من “الصندوق”.
* هل ندفع ثمن الصراع الإيراني – الأمريكي في المنطقة؟
** الأمريكيون لا يتدخلون، أنا لا أدافع عنهم. القول إن موقف “حزب الله” سياسي وله امتداد إقليمي… صحيح، وسياسي له امتداد لبناني مصلحي، أيضاً صحيح. لكن ليسوا هم فقط المستفيدين من الدولة، الكل يستفيد منها، والكل يجب أن يتوقف. هناك الكهرباء والمرفأ، والنفايات ومَن يستفيد منها، ومجلس الإنماء والإعمار وبلدية بيروت و”سوليدير”. كل طرف يملك مظلته ولا يريد التخلي عنها.
* الدخول في برنامج “الصندوق” يعني أن هناك تسليماً من كل هذه القوى بالتخلي عن امتيازاتها؟
** دعيني أسألك: هل تعرفين سياسياً واحداً قال إنه يريد صندوق النقد؟ ما زالوا يأملون بعودة الحالة إلى وضعها الطبيعي. السياسيون كلهم والأقلية السياسية التي تحتكر الحكم في البلد لا أحد منهم قال إنه يريد “الصندوق”. نحن اليوم إذا اعتبرنا أن “الثنائي الشيعي” هو الذي يُقرر، لكن “التيار الوطني الحر” و”المردة” أليسوا في الوزارة؟ لم يقولوا لا ولم يقولوا استعينوا بصندوق النقد. المعارضة، أي تيار “المستقبل” لا يعتبر المؤسسات الدولية والإقليمية عدوّة، لكنه لم يقل بوجوب اعتماد برنامج “صندوق النقد”.
* هناك محطة فاصلة قبل 17 تشرين الأول/أكتوبر وما بعده، ولكن ثمة خفوتاً لحراك الشارع. هل همد أم أنه يمنح الحكومة فرصة الـ100 يوم؟
** المطالب مختلفة وكثيرة، وهذا لا ينجح، نحتاج إلى آلية جديدة يسير الكل وفقها، وهي آلية قانون انتخابات جديدة ومبكرة، هذا المطلب الوحيد الذي يمكن أن ينجح به الحراك.
* كيف قرأت قرار المدّعي العام المالي علي إبراهيم منع التصرف بأصول المصارف وأموال رؤساء ومجالس الإدارة لعشرين بنكاً؟
** أريد أن أسأل: هل البنوك في هذه الأيام في حالة ربحية؟ كلامي ليس دفاعاً عنها، لكن البنوك وضعت أموالها في البنك المركزي وهو أعطاها للدولة التي يضربها الفساد. إذاً البنوك دخلت في إطار الفساد واستفادت مالياً بشكل جيد، وفي النتيجة لا يوجد معها دولارات حتى تعطي، هذا مشروع إقفال للبنوك. لو بدأت الإجراءات في الدوائر الحكومية وفي المرفأ والمالية أو البنك المركزي والكهرباء لقلت (على راسي) ولكن أن نستفرد بقطاع من القطاعات، أعتقد أن هذا لا يُفيد. يحاولون جعلهم “كبش محرقة” بينما يجب أن يكونوا جزءاً من المحرقة ككل.
المصارف لم تعرف الدفاع عن نفسها، وخاصة عندما أقفلت لمدة أسبوعين بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر. خلال الحرب الأهلية لم تُقفل المصارف أبوابها كلياً، كان يتم إقفال بعض الفروع في المناطق التي تشهد توترات أمنية، لكن لم تُقفل جميع الفروع. وما زاد الطين بلّة أنه بعد الإقفال قالوا إنه يحق للمودع أن يسحب 200 أو 300 دولار فقط أسبوعياً، لذلك انهارت ثقة الناس كلياً بالقطاع المصرفي، ووضعوا أنفسهم في خانة الاتهام، وكل شخص يتّهمهم بشيء تصدّقه الناس. لقد أساءوا التصرّف. من يقوم بأعمال التكسير والتخريب هم من الذين تتراوح أرصدتهم في البنوك بين 5 و10 آلاف دولار ولا يملكون غيرهم، هذه الفئة يجب أن تحصل على ودائعها.
* بالشكل الملموس، ماذا ينتظرنا؟ وهل وصلنا إلى الانهيار الشامل؟
**إذا لم نعرف كيف نديرها دولياً، أعتقد أننا سنصل إلى الانهيار الاقتصادي. سنصل إلى وقت لا تعود فيه الدولة قادرة على دفع الرواتب. ما زلنا نملك القليل من المال، ونُقنّن الدولار على صغار المودعين، حتى نؤجل الانهيار الذي سيحدث في المستقبل.
* كيف نعرف أننا وصلنا إلى الانهيار الشامل؟
**كنت أتكلم مع أصدقائي حول حتمية انهيار الدولة. الانهيار بدأ مع 17 تشرين الأول/أكتوبر، ولا أعرف كيف سيكون شاملاً. ما أعرفه أن الحراك لن يتوقف، قد يتراخى في بعض الأحيان، لكن عندما يرون شيئاً خاطئاً سينزلون مجدداً إلى الشارع. يجوز أن يكون الانهيار على شاكلة أن تتوقف الدولة عن دفع الرواتب، ويجوز أن ينزلوا إلى الشارع من دون أن يخرجوا منه، وبالتالي تنعدم قدرة الجيش على التحرّك حيال هذا الموضوع.
ربما سيكون الانهيار على شاكلة فنزويلا أو الأرجنتين التي دخلت مع صندوق النقد وضبطت الأمور على مدى 3 سنوات. سألت أحدهم عن تثبيت سعر الليرة، فقال لي إنه كان قراراً خاطئاً، ولكن الآن لا نستطيع إلغاءه لأن كل شيء “مدولر” يجب البقاء لمدة سنة حتى نمنع التعامل بالدولار.
* لكن المشكلة الآن أن هناك سعرين للدولار، واحد رسمي وآخر في السوق الموازية…
** لأن الدولار غير متوفر وليس بالإمكان منع التداول به. الخطأ هنا، يجب أن ننسى الدولار، ويجب توحيد السعر، فلو خفضوا السعر إلى 2000 ليرة مقابل الدولار قبل فترة كان يمكن أن “تمشي الأمور”.
* البلد يُدار من قبل شبكة صيارفة، خلفهم جهة ما… كيف لا يوجد دولار في البنوك، فيما الصيارفة يؤمنون لك 100 أو 200 أو حتى 500 ألف دولار؟
**أموال الصيارفة ليست هي أموال البنك المركزي، الذي لا يملك دولارات.
* إذن هناك عملية تبييض للأموال؟
**يجوز أن يكون قسم من هذه الأموال نتيجة تبييض أموال، لا أعرف بالتحديد. حتى قبل هذه الفترة كنا نذهب إلى الصرّاف ويعطينا الدولار بسعر أعلى من السعر الرسمي. ما أقوله إنه يجب إيقاف عملية “الدولرة”. نشتري من الخارج بالدولار ولكن يجب يكون التسعير بالعملة الوطنية. بعدما نوقف عملية “الدولرة” نبدأ شيئاً فشيئاً بوقف تثبيت العملة.
تثبيت سعر صرف الليرة وبفائدة مرتفعة، معناه أننا أوقفتا الصناعة والزراعة والسياحة. أصبحت سياحتنا غالية الثمن، فنجان القهوة الذي أشتريه من “ستاربكس أمريكا” أرخص من فنجان القهوة في “ستاربكس لبنان”! المقاهي والفنادق أسعارها مرتفعة بشكل غير معقول، هذه الأسعار لا تجوز في بلد سياحي، لماذا؟ لأن الذي يريد إعمار فندق عليه الاقتراض بسعر مرتفع، أعلى من الفائدة التي يعطونها للناس، هذا معناه أن الأسعار سترتفع، وبرفع سعر الفائدة أَوقَفوا كل شيء. كنا نُورّد منتجاتنا الزراعية والآن تأتينا معلبات من السعودية، كيف هذا؟ عندنا مشاكل اقتصادية قوية، كلها جاءت نتيجة تثبيت سعر الليرة، والفائدة المرتفعة، وهذا ما جعل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يوجهان الانتقاد للحكومة اللبنانية منذ بداية التسعينيات.
* ما المخرَج اليوم؟
* لكن الأزمة ليست اقتصادية محض، ما المطلوب سياسياً؟
** لا أحد في الغرب يقول اذهبوا نحو الانهيار، أو إما نحارب “حزب الله” أو ننهار، لا أحد يقول هذا الشيء. يجب أن نبدأ بالإصلاحات، وهي بالتالي ستصطدم بـ”الحزب” الذي إذا انخفضت المبالغ التي يملكها لا أحد سيسنده دولياً، إيران نفسها لا تستطيع إسناده. على الدولة أن تستوعبه شيئاً فشيئاً، وعليهم أن يقبلوا الاستيعاب. لا يمكن لبلد أن يكون له جيشان وحكومتان ومجتمعات مختلفة، لم يعد عندنا مجتمع واحد في لبنان.
* كثيرون يتخوفون من سنة 2020 التي يتم وصفها بسنة الضغوطات الكبرى، كيف تقرأ المشهد في المنطقة وانعكاساته على لبنان؟
** إيران تنتظر الانتخابات الأمريكية. السعودية توسّع صداقاتها، وهناك انفتاح على العدو لأنهم خائفون. لا أحد يذهب إلى العدو إلا لأنه خائف. أثناء الحرب اللبنانية-أنا لم أكن هنا-ذهبنا (المسيحيون) إلى إسرائيل لأننا كنا خائفين، فلو كنا أقوياء ولدينا السلاح لما ذهبنا إليها، واليوم الخليج خائف. هناك متغيرات ستحدث هذه السنة، وأوروبا لا تستطيع العمل من دون الحصول على إشارات أمريكية، ودونالد ترامب ليس على صداقة مع الأوروبيين، وبالتالي الأوروبيون ضائعون في هذه العملية، وإيران تنتظر لإعادة إحياء الاتفاق النووي في حال فوز جو بايدن، أو تجديده أو إنجاز اتفاق جديد مشابه للقديم الذي يكون قد شارف على الانتهاء، فهذه السنة ليست سنة استقرار في المنطقة كلها. الكل متأهب حتى يرى ماذا سيحدث في العالم، وماذا سيحدث مع القوى الإقليمية، وحتى ماذا سيحدث في إسرائيل. هذا يهمنا، صحيح أن بنيامين نتنياهو فاز لكن هل سيكون بإمكانه تأليف حكومة؟ والعرب أصبح لديهم 15 نائباً.
القوى الموجودة على الأرض اليوم هي الولايات المتحدة وليس أوروبا، هناك إسرائيل والخليج وإيران، الكل ينتظر كيف ستحدث العملية بينهم، هناك عدم اطمئنان وعدم استقرار، هناك تهيّب، حتى الدبلوماسية الأمريكية تنتظر ماذا سيحدث داخل أمريكا لأنهم لا يعرفون ماذا سيقول لهم الرئيس.
هذه سنة ليست جيدة للمنطقة ومن ضمنها لبنان، نحن نتأثر بكل التطورات الإقليمية وهنا يكون دور الرئيس الحَكَم وليس الحاكِم، الرئيس الحَكَم هو الذي يعمل على تقريب وجهات النظر لبنانياً لخلق نوع من التوافق حتى نستطيع العيش، وحتى نخفّف من تأثيرات الخارج على الداخل. المنطقة في حالة غليان. وهناك مشاكل سياسية وعسكرية وأمنية وإقليمية لا أحد يستطيع البتّ بها.