محمد اليونسي بعد نزهة أولى قادتهم ذات شهر صيام إلى محطة القطار بالمحمدية بنية تنظيم إفطار رمزي يؤسس لشكل نضالي يستهدف إبطال بند في القانون المغربي يجرِّم الإفطار علناً في رمضان، ومرورا بوقفة دعم ‘باسلة’ مؤازرة لفريق عمل مسرحية ‘ديالي’ في مسعاه للاحتفاء بتجارب نسوة مع ‘أعضائهن’ في عرض لم يتورَّع عن تسمية ‘الأشياء’ بمسمّياتها، يبدو كما لو أن المنتسبين إلى حركة ‘مالي’ (الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية) قد آثروا الاستفزاز مسلكاً للدفاع عن ‘الحريات’ وآليةَ دعايةٍ مجانيةٍ تضعهم في بؤرة حراك حقوقي مفتعل بالمغرب مداره الحريات الفردية. ففي آخر حلقة من مسلسل الاستفزاز عمد نشطاء ‘مالي’ بتنسيق مع جمعية نسائية هولندية إلى استقدام سفينة مجهزة طبياً لإجراء عمليات إجهاض بالمجان وتقديم المشورة لفتيات عازبات في وضعية حمل غير شرعي في بلد مسلم اسمه المغرب.ينبئ هذا الفعل وسوابقه عن أمور مؤسفة لعل أخطرها أن أمن المغاربة الروحي صار من الهشاشة والهوان إلى درجةٍ لم يعد معها كثير من أبناء جلدتهم يتورَّع عن المساس بمشاعرهم الدينية بالتنكيت والسخرية تارة كما في عدد من مجلة نيشان تمت مصادرته ليس لما احتواه من تهكم ومس بالذات الإلهية أو بذاءات جنسية، ولكن لما تضمنه العدد من نكات كان محورَها الملك الراحل، وتارة أخرى بدعوى حرية الإبداع والتعبيرات الفنية في الرواية والمسرح والسينما والتشكيل، وحينا بمحاولة التطبيع مع أفعال شاذة باسم الحرية الجنسية، وحينا آخر بالتهجم على شعائر المسلمين والتعريض برموزهم الدينية (الحجاب، الصيام، أضحية العيد.(.لو أن الأذيّة أتتنا هذه المرة ـ وقد أتت ـ من صحف دنماركية أو فرنسية تعمد إلى نشر رسوم مسيئة للنبي الكريم، أو نائب يميني في البرلمان الهولندي أو قبطي حاقد ينتجان أفلاما مدارها التجريح والتعريض بمحمد (ص) وأمهات المؤمنين، ولو أن الإساءة ظلت محصورة في مبادرة قس أمريكي إلى دعوة رعايا كنيسته إلى قداس ديني يقدَّم خلاله كتاب المسلمين الأقدس قرباناً للنار بتزامن مع ذكرى الأحداث الإرهابية في نيويورك، لهان الأمر، وما كان ليهون لولا أن رضينا لأنفسنا الذلّ وارتضى لنا ساستنا الهوان.إنه لأمر يمكن أن نتفهَّم دوافعه إذ نُعيَّر في ديننا أو نُمسَّ في مقدساتنا من قبل أناس من طينة تيري جونز أو نيقولا باسيلي، فهذا دأبُ الحاقدين وهكذا كان ديدنُهم على الدوام، وقد تُلتمس لحقدهم الأعذارُ وتُتفهم إساءاتُهم بحكم عداوة أزلية تسري في الدماء ويورثها الآباء للأبناء، أما أن يطلع من بين ظهرانينا من لا يتورّع عن إهانتنا وازدراء مشاعرنا، فذاك – لعمري- ظلم ذوي القربى الأشدُّ مضاضةً ليس يتعدّاه سوى صمت أولي الأمر مرارةً.فبينما تقضي محكمةٌ بحرمان صحافي من الكتابة عشر سنوات لأنه تحدث بقلة أدب عن ‘حجر’ و’عمارية’، ثمّ تتحفنا أخرى بتغريم صحيفة 600 مليون سنتيم تعويضا عن شرف اعتذرت الجريدة لأصحابه، وتقرر ثالثةٌ إخراس القلم الأجرأ على الفساد والمفسدين والزج بصاحب العمود الأشهر بالمغرب لمدة عام خلف القضبان بتهمة إهانة مقرر قضائي، وبينما تنزل هراوات قوات الأمن على رؤوس معطلين اعتصموا قبالة البرلمان للمطالبة بشغل من صميم حقوقهم، تطالعنا الصور التي تصدَّرت الجرائد بتعامل هادئ ورصين وقدر هائل من التسامح قابلت به السلطة ـ على غير عادتها ـ جماعة لم تجد في هذا البلد من قضية تستحق النضال والتظاهر غير رغبة شاذة في الجهر بإفطار يستفزُّ لا محالة مشاعر المواطنين. وكأني بالمغاربة قد تحرروا بما يكفي سياسيا ونقابيا وإعلاميا فلم يعد لهم من شكوى يجأرون بها سوى الهتاف بحرية الجنس والإفطار والإجهاض.هذه المرّة وبينما كانت الدولة تُجيِّش فرقها الأمنية برّاً وبحراً للحيلولة دون وصول نشطاء مغاربة أو مهاجرين أفارقة إلى الثغور والـــــجزر المحتلة شمالا، كانت سفينة هولندية ترسو بسلام في ميناء غير بعيد عن المكان حيث احتشد عناصر من البحرية والأمــــن والدرك المغربي درءا لكل ما من شأنه تعكير المزاج الإسباني، أما أن يتعكّر المزاج الشعبي استياء من هذا القدر من التسامح أو بالأحرى التواطؤ الضمني مع المتطاولين، فلا يعدو أن يكون من وجهة نظر رسمية جنوحا من قبل شعبويين وطهرانيين إلى سياسة التهويل والتخويف وشيطنة الآخر تهربا من الخوض في نقاش حقوقي صرف.وربَّ سائل يتساءل كيف بالله تستبدل السلطة كل أساليب القمع والتنكيل التي عهدناها فيها مع حركات احتجاجية حقيقيّة تتولّد من رحم المجتمع وتعبِّر فعلا عن هموم أفراده مع الغلاء والبطالة والسكن وسوء الخدمات الصحية والفساد والاستبداد والمحسوبية، بكل تلك الرصانة والحكمة التي قابلت بها ثلّةً من العابثين خرجت من رحابة عالم افتراضي مقطوع الصلة بهموم الشارع وتطلّعات المواطنين؟ أما اقتضى منطق العدالة أن يطال هؤلاء ولو لمرَّةٍ غيضٌ من ذلك الفيض الذي اعتادت السلطة أن تمطر به أجساد المعطلين في طقس شبه يومي يشهده أشهر شارع في المملكة؟ أقلّه كانت ستتحقق في بلدنا عدالة في توزيع الهراوات طالما لم تتحقق عدالة في توزيع الثروات.الفارق بين الموقفين وما يستتبعان من رد فعل غير متكافئ من قبل السلطة، يجد تبريره ببساطة في كون هذه الحركة تجد من الحماية والتغطية والاستقواء بالأجنبي، ما يصرف عنها وأخواتها ذلك الوجه البشع الذي تختص به السلطة من لا جنسية فرنسية له ولا عرَّاب حقوق يسند ظهره فيعفيه من هراواتها ومتابعاتها القضائية وغراماتها الثقيلة. ولخير دليل على هذا التمييز واللاتوازن الذي يطبع رد فعل السلطة في الحالتين، أن نرى كيف يسجن الصحافيون ويتم التضييق على الجرائد في قضايا ‘الشرف’ أو بداعي التشكيك في مقررات قضائية أو بمبرر الإخلال بالاحترام الواجب للمؤسسة الملكية، وأن نتذكر كيف قوبلت احتجاجات المواطنين في تازة وبني بوعياش، ثمّ لا نسمع في المقابل عن أناس توبعوا بتهمة التعريض بالدين وازدراء المشاعر الدينية للمواطنين، وحتى إن تمّ ذلك فسرعان ما تعلَّق المتابعة وتبطل الدعوى.لا يجد المغاربة بدّا في ظل هذا النقاش المائع من التسليم بجدية ومعقولية الطرح الذي يتبناه بعض المتتبعين من كون هذه الخرجات الاستفزازية التي تنفذها بين فينة وأخرى حركة مالي وأخواتها تستهدف بالأساس إطلاق بالونات اختبار لقياس الحدود القصوى التي يمكن أن يبلغها رد الفعل الشعبي، علاوة على افتعال وإثارة قضايا ثانوية تجر المغاربة إلى نقاش هامشي يصرفهم عن الانخراط في حراك ديمقراطي حقيقي على غرار جيرانهم. وما الحياد السلبي الذي تنتهجه السلطة إلا تأكيد لما يذهب إليه هؤلاء الملاحظون، وهو أمر ينذر بعواقب وخيمة إذا ما تمادى دعاة ‘الحريات’ في استفزازاتهم وواصلت الدولة سياسة النعامة وغض الطرف. فالبحر ذاته الذي ساق إلى شواطئنا بواخر ‘الشواذ’ وسفن ‘الإجهاض’ سبق أن باغت ذات زمن قوم نوح بالطوفان. وواهم من لا يكف عن اعتبار الأمر محض أسطورة، بل أوهم منه ذاك الذي لا يعرف للطوفان غير صورة واحدة. كاتب من المغرب