السفيه من سفّه شعبه

حجم الخط
0

إن اكتفاء ثورة شباب تونس بإسقاط رأس النظام وتحركات تلت ذلك الحدث الهام جابهها النظام بعنفه المعهود ومحاولات إصلاح اصطدمت بصعوبات وتحديات من النظام الساقط رأسه وحواشيه لكادت تقنعني أن ثورة تونس انتفاضة زعزعت النظام ولم تسقطه بل قد تقويه إذا عرف كيف يستفيد مما جرى… لولا فرض شباب القصبة فكرة انتخاب مجلس تأسيسي تلك الفكرة التي حاربها أعداء الشعب ثم أقرت بعد لأي، تلك الفكرة التي لا يعني نجاحها التام غير إكمال الثورة ذات السمة الإبداعية التونسية الصميمة، وأنجزت الانتخابات التأسيسية وكان نجاحها باهرا: إقبالا غير مسبوق وشفافية مبهرة ونزاهة بارزة وحرية ساطعة كما كان المترشحون لها أحزابا ومستقلين كثرا أما مشاريع هؤلاء المترشحين فيمكن اختزالها في مشروعين: مشروع ‘بورقيبي’ فاشل مرت عليه أكثر من 50 سنة يراه المدافعون عنه سرا غالبا وجهرا أحيانا أنه لا ينقصه غير شيء من الديمقراطية.. هذا المشروع اقتنع به واجتمع عليه يساريون وبورقيبيون وبن علويين ورجال أعمال وكبار فلاحين وعقاريين وكل من يرى أن لا مستقبل خارج العباءة الفرنسية، ومشروع ‘جديد’ يستمد روحه من زعماء إصلاح تونسيين زيتونيين وعلمانيين رأوا أن تونس عربية إسلامية وأن مصيرها مرتبط بالشرق الأوسط وإفريقيا والشرق الأقصى وآسيا عامة أكثر من ارتباطه بأوربا وأن مجالها الحضاري ثلاث حلقات أساسية: المغرب العربي والأمة العربية والشعوب الإسلامية وأن التعامل مع أوربا ضرورة بشرط أن لا يكون على حساب استقلال البلاد وثرواتها وكرامتها وتطورها.

و أفعم الشعب التونسي صناديق الاقتراع بعصارة عبقرية جمعية رأت، وهي صائبة لان الشعب لا يخطئ، أن المشروع النهضوي التاصيلي التحديثي الاجتماعي المقؤى بمشروع قومي تحديثي ديمقراطي مدني المسند بمشروع يمكن وصفه بذي التوجه الغربي الواضح هو الحل لقضاياه المزمنة والباب للولوج إلى التاريخ والمستقبل، غير أن اليسار بأصنافه والفرانكفونيين وعامة العلمانيين وبقايا نظام المخلوع سفهوا الشعب، كعادة أستاذهم الأكبر، لأنه رمى مشروعهم في سلة المهملات إذ قام منذ 1955 على العسف والتغريب والترهيب وسلب الهوية والأقلية والشماتة والتشفي وإرضاء الحامي الفرنسي، دون أن يعي أن ما اختاره الشعب هو الصواب لأن عقله ليس عقل فرد إنما هو عقل ملايين وأن ما أراده واقع لا محالة.. وأن على العاقل الملفوظ من الشعب أن يدرس الأسباب التي جعلت هذا الشعب يلفظه لا أن يتهمه بعدم التكليف والسفه والأمية و’السرحة’ كما قال احد اليساريين مخاطبا عبر فضائية تونسية أستاذا يساريا سقط في الانتخابات: كيف تسقط أنت وينجح راع أو بائع قمح؟!

إن البلاد في حاجة إلى يسار يراجع أطروحاته ومطلقاته الفكرية باستمرار على ضوء حركة الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي العالمي وحراك المجتمع الأم المتعدد الوجوه ويحرق معجمه المحشو بألفاظ السب والشتم التهم ويقطع مع أسلوب الأصوات الحادة والدوى المزعج ويؤمن قاطع الإيمان أن دكتاتورية البروليتاريا أو بالأحرى دكتاتورية زعماء الماركسية انتفت من العالم وحل محلها الديمقراطية أو حكم الشعب نفسه.

د.

الضاوى خوالدية تونس [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية