السكوت علي دعوات التطهير الطائفي في سورية مشاركة في جريمة

حجم الخط
0

د. أكرم شلغين

ظهر المدعو فريد الغادري قبل أسبوعين علي قناة الحرة التلفزيونية مطالباً العلويين في سورية بترك دمشق و العودة الي الجبال لأن دمشق، علي حد تعبيره، هي عاصمة الأمويين وليست عاصمة العلويين، وألحق الغادري مقابلته بتوزيع عدة مقالات مكتوبة بأسماء مختلفة ولكنها، بلغتها المليئة بالحقد والكراهية والحض علي العنف الطائفي، تحمل نفس اللهجة الداعية الي التطهير الديني، التطهير الاثني في سورية، حيث توجه النداء الأخير للعلويين للتوجه الي الجبال. وقبل يومين أتبع الغادري ذلك ببيان صادر عما يسمي بـ حزب الاصلاح يحدد فيه موعداً أقصاه ما قبل 8 تشرين الثاني/نوفمبر القادم للعلويين للرحيل عن المدن الرئيسية. ربما يظن أحدنا أن علينا اهمال ما قاله، وما وزعه، الغادري بذريعة أن الأخير لا في داخل سورية ولا في خارجها يمثل أحداً، ولأن شعب سورية ليس طائفياً ولا علاقة له بما يقوله الغادري، ولكن ما أن نتعرف علي الأسباب التي دعت الغادري ـ وهو الذي ادعي العلمانية والليبرالية من قبل ـ للجوء الي هذا الخطاب حتي ندرك أن علينا التعامل مع نداء التطهير آنف الذكر بجدية أكثر. من ناحية ثانية، لا بد أن نميز أننا عندما نعطي جزءاً من وقتنا للخوض بهذا الأمر فان ذلك لا يعني أننا نعطي قيمة للغادري وانما ندرس ونحلل الخطاب الذي استقر عليه هذا الشخص، ونظهر موقفنا من لغة تدميرية لا لسورية ولا لشعب سورية مصلحة بها. وعندما نجزم بأن لغة الغادري مستوردة ولا علاقة لها بسورية وبشعبها فاننا نفتقر الي الدقة في توصيف الواقع السوري لأن هناك بعض الأصوات التي تستخدم اللغة الطائفية، وفي كل الأحوال، ان من يحاول تصوير الشعب السوري وبعده عن النزعات الضيقة والفتن فانما يتكلم عن نفسه فقط، فالفتن الكامنة ـ والتي سببتها جرائم وممارسات نظام الأسد قبل غيره ـ هي أشبه ما تكون بنار خامدة تحت الرماد تحتاج لتهوية فقط لتنتعش فتهب وتلتهم وتدمر. فيما يخص الغادري، لا بد من التذكير بأن المعارضة السورية في الداخل والخارج، ولأسباب عديدة منها ذاتية ومنها موضوعية، رفضت الاعتراف بالغادري كمعارض أو اعتبار أنه يمتلك الحد الأدني من الوعي السياسي أو الثقافي الذي يخوله طرح نفسه كمعارض سوري. فالشخص المذكور اجتهد ليقدم نفسه بشكل ما كشخصية معارضة ولكن سرعان ما تبين من كلامه وسلوكه أنه بعيد عن، بل بالأدق جاهل أيضاً بــ، تاريخ وجغرافية سورية وآلام وآمال وطموحات شعبها. فبتزامن مع غزو العراق ظهر الغادري وأراد تقديم نفسه للمعارضه السورية، بشكل أو بآخر، علي أنه جلبي سورية الا أن الفشل كان رفيقه بشكل مستمر. ثم اعتمد سلسلة من التصريحات التي كشفت ضحالته وجهله بألف باء السياسة بل حتي وبموقع سورية علي خارطة العالم، ومن ثم تبين أن أهداف الغادري لا تخرج عن نطاق طموحات في البزنس السياسي. بكلمات موجزة، ظهرت صورة الغادري الحقيقية وبدا من الضعف بمكان يصعب فيه تقويته حتي ولو وزع صوره مع مسؤول في الادارة الأمريكية بالآلاف أو عمل حثيثاً ليجلب شتائم الدنيا لنفسه علّ اسمه يزداد تكرراً في محركات بحث الغوغل والياهو، الخ. وشيئاً فشيئاً بدأ الغادري يظهر بحجمه ووزنه الطبيعي، وانتهي الي ما هو عليه كأضحوكة المعارضة ومهرجها للبعض وجََرَباً سياسياً، يجب الابتعاد عنه، للبعض الآخر. نكثف هنا القول بما يجدر ذكره عن أن الغادري خلال السنوات التي ظهر بها لم يتوان حين أتيحت له الفرصة اعلامياً أو غيرها عن ترداد أنه علماني وأنه يريد محاربة الاسلاميين بل وأنه يخاف بشكل خاص من خطورة التقية. ولم يأل الغادري جهداً في محاولة الاتصال بالمعارضة السورية والاقتراب منها واحتساب نفسه عليها، فعندما ظهر اعلان دمشق حاول وضع توقيعه كمؤيد للاعلان محاولة منه للاتصال بمن يتمثل بهم الاعلان لكنه قوبل بالرفض القاطع، وعندما ظهرت جبهة الخلاص حاول، ومن جديد قوبل بالرفض، وكذلك لم يستطع الغادري، علي مستويات متفاوتة، أن يقترب أو يتقرب من المعارضة السورية. بالطبع، ما لم يدركه الغادري هو السبب الحقيقي في ابتعاد المعارضة السورية عنه والذي أوجزناه في الأعلي بأن المعارضة السورية، وبعكس الغادري، هي من صلب الشعب السوري وتحاول أن تتشارك معه في الهموم والآمال. بالتأكيد، الحركة الوطنية السورية لها ما لها من مشاكل وعقد وهموم وعثرات ومصاعب هنا وهناك لكنها في نهاية الأمر، وبعكس الغادري، لها أيضاً ثوابت عندما يأتي الأمر الي قضايا سورية وشعب سورية وهي تعمل قطعاً من أجل الشعب السوري. وسط هذا الرفض المطلق للغادري كان لا بد له ولمن ينصحه من التفكير في السبب الذي يؤدي الي نفور السوريين من الغادري. لكن، بدلاً من البحث عن السبب الحقيقي وراء الرفض، اعتقد الغادري وناصحه، بشكل خاطئ، أن عدم نجاحه في التقرب من المعارضة السورية هو ابتعاده عن لغة الشارع السوري غير المعلنة وبتكراره لكلمة علماني عند توصيف نفسه سابقاً انما يضع نفسه في قطار آخر لا نية للسوريين بركوبه اذ أن هدف السوريين ـ كما يتردد، حسب فهمه، وعلي أكثر من منبر ـ هو الخلاص من الحكم العلوي في دمشق، من هنا، جاء توجه الغادري الجديد للتنظيف الاثني من العلويين اعتقاداً منه، وممن نصحه، أنه يتكلم لغة الشارع السوري وأن الناس ستتهافت عليه بأعداد كبيرة. اذا تركنا الغادري ـ يكرر ما لُقّن به، لنتفحص الخطاب الطائفي، الواصل حد المناداة بالتنظيف الاثني، الذي يستخدمه، نري أنه لا بد من التمعن بطبيعة النظام الحاكم في دمشق والي أي حد يمثل العلويين أو الي أي حد يتمثل به العلويون، وفيما اذا كان دقيقاً تصنيف النظام الحاكم في سورية بالحكم العلوي أم أن من يحكم في دمشق ليس الا تشكيل ديكتاتوري فاسد يضم مختلف الطوائف برئاسة آل الأسد ـ الذي صاقب أنهم علويون ـ اجتمعت رموزه انطلاقاً من مصالحها الذاتية وتصميمها علي سرقة سورية وقمع شعب سورية. من هنا، علينا التركيز علي أن الديكتاتورية لا تنبع من، ولا تتغذي علي، دين أو قومية ولو كان منطق ربط ديكتاتورية ودموية نظام الأسد بعلوية حافظ الأسد ووريثه صائباً لكان هتلر وموسوليني وستالين وبول بوت وصدام حسين قد نهلوا مما يسميه البعض مجلس الطائفة العلوية في سورية. وان يكن حافظ الأسد علوياً ولم يأتمن علي صمامات أمان حكمه أمنياً الا ضباط العشيرة بل ووصل مع وريثه حداً حصرها في العائلة، فان قراءة موضوعية لطبيعة النظام السوري توضح أن قوام التشكيل الذي بناه حافظ الأسد وحُكمت وتُحكم به سورية برئاسة عائلة الأسد منذ عام 1970 يتكون من نماذج تتشاطر فيما بينها بتفاهمات، معلنة كانت أو غير معلنة، وتنحصر أهدافها في السيطرة علي القرار السياسي وعلي المقدرات الاقتصادية للبلد، وهذا التشكيل الحاكم في سورية يشتمل علي العلوي وغير العلوي، ولو استعدنا الماضي مثل رؤيتنا للحاضر لوجدنا أن اعتقالات واغتيالات حافظ الأسد لخصومه طالت العلويين قبل غيرهم. نظرياً، أراد حافظ الأسد أن يقول ان حكمه يمثل كافة فئات الشعب السوري فنصّب في هذا المكان أو ذاك مسؤولين من طوائف مختلفة، ولكنه عملياً اختار من كل طائفة من يتوافق ويتشابه معه في ذهنية الاستغلال والقمع والبلطجة، أي أن علاقة من وضعهم حافظ الأسد في دفة الحكم معه من الطائفة السنية وسواها مع طوائفهم تشبه الي حد كبير علاقة آل الأسد بالطائفة العلوية، بمعني أن الأسد لا يمثل العلويين الا بقدر ما مثل السنة عبد الحليم خدام عندما كان نائباً للرئيس أو بمقدار ما مثل، ويمثل، طلاس والشرع ومشارقة وغيرهم ممن يتشاطر مع آل الأسد في الحكم السنّة. ولعل تباهي مصطفي طلاس بتوقيعه أوامر اعدام ما معدله مائة وخمسون سوريا في الثمانينات (دير شبيغل 21 شباط/فبراير 2004) يوضح، من حيث يدري أو لا يدري، من هو وما هو موقعه من النظام، بل ويتماهي طلاس في التحدي (في نفس المقابلة مع دير شبيغل) بقوله: استخدمنا السلاح لسيطرتنا علي السلطة وحافظنا عليها، ولن نتخلي عن السلطة الا بالسلاح. أما ضمير نحن الفاعل المقصود بكلام مصطفي طلاس في استخدمنا و لن نتخلي فبالتأكيد لا يعود للعلويين ولا للسنة ولا للمسيحيين ولا للدروز ولا غيرهم وانما قطعاً لأفراد النظام الحاكم وحلفائهم، بمن فيهم طلاس نفسه، كمستفيدين رئيسيين منه. ولا يوجد أدني شك، أنه لو جيء بقول مصطفي طلاس آنف الذكر دون معرفة قائله ووضع للمناقشة في احدي غرف البالتوك الاسلامية لسمعنا أكثر من جازم بأن قائله نصيري يتمسك بمكاسبه… من يعرف سورية جيداً وماذا يُمارس بها، يعرف أن اجهزة التشكيل الحاكم تزرع الرعب والهلع منذ السبعينات علي نفس المستويات في كل مدن وقري سورية ويعاني من ذلك العلوي مثل غيره. لهذا يكون من الظلم للعلوي الذي عاني ما يعانيه من نظام الأسد أن يسمع ما يسمعه ويقرأ ما يقرأه هنا وهناك. نعم، يوجد مشكلة في سورية اسمها مشكلة الطائفية… وان هربنا من معالجتها وتعامينا عنها فاننا لا نحلها بذلك، وحرصاً منا علي سورية وشعب سورية بدون تمييز فيها بين أي كان مهما كانت هويتهـا الدينية، أو الاثنية أو السياسية، يتوجب علينا جميعاً الكلام عنها بكل جرأة ووضوح ودراسة امكانية معالجتها بشكل سليم وتفاديها. في ثمانينات القرن الماضي كان هناك قتل علي الهوية ولا نستطيع محوه من التاريخ مهما تفادينا الكلام عنه، وكان هناك صدام بين السلطة في سورية وبين الاسلاميين عاني جميع السوريين، بشكل أو بآخر، من نتائجه السلبية وأثره الهدام، ليست نهايته اغتصاب القرار السياسي لتعزيز موقع حافظ الأسد وزمرته. نعم، مرة ثانية نكرر يوجد مشكلة طائفية أسبابها اقتصادية، اجتماعية، سياسية، وتاريخية. نعم، ازداد عدد العلويين بشكل ملحوظ في كل مدن سورية وليس في دمشق وحدها، وهذا ليس بالأمر غير العادي وفقاً للحركة الديموغرافية للسكان وغيرها، ولكن ذلك لا يعني أن دمشق كانت خالية من العلويين علي الاطلاق من قبل. ربما كانت الهوية الدينية لا تعني الكثير للسوريين قبل حكم حافظ الأسد ولهذا لم يلتفت أحد الي وجود العلوي في دمشق أو في المدن الأخري. بكل أسف، ونتيجة ربط قمع ودموية حافظ الأسد بهويته الدينية أصبحت الصورة ضبابية وهناك خلط ما بين سائق التاكسي العلوي في شوارع دمشق وبين الجلاد في فرع فلسطين وغيره، بل وأخطر من ذلك اختلطت الصورة حتي بدأ البعض لا يميز بين السجين عارف دليلة أو فاتح جاموس وبين السّجان الأسد، وأكثر أننا نسمع من منابر اعلامية علي الانترنت، بكل أسف، أن عارف دليلة وفاتح جاموس دبرا مسرحية سجنهما بالاتفاق مع النظام العلوي! . وكما يعيش معظمنا نفس الهموم السياسية، فان المشاكل الاقتصادية لا تنحصر في طائفة ما أو في منطقة ما وانما نعاني منها جميعاً. يبقي أن نذكر مرة أخري أنه يتوقف علينا وعلي وعينا ونظرتنا للأمور كيفية قراءة ما يجري في سورية، فهل نركز علي أن الأسد وارث الرئاسة، والأسد مورثها كذلك، ديكتاتور لأنه علوي أم أنه يفعل ما يفعله في سورية حصراً من أجل هدف واحد يتمحور في الحفاظ علي السيطرة الكاملة علي مقدرات البلد؟ بسبب مشاكل السوريين مع السلطة يتم الخلط ونسمع ما لا يستطيع واحدنا أن يأخذه دائماً بشكل مزاح، يقال الكثير في غرف البالتوك عن العلويين النصيريين وهناك من يعد بتوزيع الصرامي خصيصاً لضرب كل علوي تقع عليه العين بدون تمييزبعد سقوط النظام السوري، ولكن، فضلاً عما يتركه هذا الخطاب من آثار سلبية فانه يقوي، شئنا أم أبينا، من سلطة آل الأسد اذ يجعل الطائفة العلوية بهذا الترهيب والوعيد يصطف قسم منها، حقاً أو باطلاً، وراء آل الأسد كحام لهم من تهديد الاخرين. كتب أحدهم عما رآه في نابولي بايطاليا فوصف لصاً محترفاً نشل كاميرا من حقيبة معلقة علي كتف أحد السياح مستبدلا الكاميرا بنفس الوقت بحجر معادل لوزنها. ثم يتابع ضبطني النشال وأنا أراقبه لكنه لم يهرب، بل تسمر في مكانه غامزاً بعينه وكأنه يشركني في صنيعه. نورد هذا هنا لكي نذكر أننا ان سكتنا علي الخطأ في الخطاب الذي يكرره الغادري، الداعي للتطهير الاثني في سورية، فانما نمتثل لرغبة من يريد اشراكنا في جريمته، وبذلك نساهم في تمديد عمر النظام السوري ونتعامي عن كوارث تنتظر سورية في مرحلة ما بعد نظام الأسد. ربما كلنا مشغول بالهم الكبير وهو الانتهاء من حكم الأسد لسورية ولكن ما لا نفكر به هو الهم الأكبر، في الواقع، وهو مرحلة ما بعد الأسد. علينا جميعاً كسوريين أن نضطلع بمسؤولياتنا ونحدد ما هي سورية التي نريدها! أنريد سورية اقصاء وتفتتا أم سورية قوية تضمد جراح الماضي وتتطلع للمستقبل؟ أنريد سورية المستقبل أن تكون سورية المواطنة بكل ما تعنيه من حقوق سياسية، اقتصادية الخ أم سورية البعض وكما يمارس النظام الحالي؟ أنريد سورية لكل أبنائها أم سورية اقتتال وتشتت ومشاكل لا أحد يدرك أين ستقود!

؟ أنريد محاكمة رموز النظام وكل من شارك بالقتل وكل من ابتلت يده بدم الشعب السوري ومن سرق الشعب السوري أم نساعد هؤلاء ليركبوا طائراتهم ليعيشوا حيث أموالهم مودعة واستثماراتهم قائمة ويبقي فقراء الشعب السوري من كل الطوائف والاثنيات للمجهول!

؟ أسئلة تتطلب منا جميعاً التفكير والتصرف بمسؤولية عالية. انني علي قناعة بأن شعبنا الذي خذل دعاة الطائفية في زمن الاستعمار الفرنسي وأثبت في الماضي ترفعه عن الطائفية والانجرار الي الفتن وأقام جبهة وطنية موحدة قادر من جديد علي احباط كل محاولات الفتن الطائفية وسيرمي دعاة الطائفية الي مزبلة التاريخ.

ہ كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية