السلام مع لبنان لن يتحقق بالحيل الاعلامية ولكن بتسوية مع سورية
بيروت مرتبطة اقتصاديا وسياسيا مع دمشقالسلام مع لبنان لن يتحقق بالحيل الاعلامية ولكن بتسوية مع سورية سيكون لبنان من بين الدول الاخيرة اذا لم يكن آخرها، التي توقع علي اتفاق مع اسرائيل، وذلك رغم المشايعة الكبيرة للمسيحيين، بل ربما بسببها . هذه الاقوال قالها شارل الحلو، الذي أصبح مع الايام رئيس لبنان، في لقاء سري أجراه مع دبلوماسي اسرائيلي في أواخر عام 1948. شبه الحلو علاقات الدولتين بلعبة كرة قدم، يجب أن تُدار علي حسب قواعد شفافة في الملعب الدبلوماسي، وبهذا فان كل محاولة لاجراء اتصالات غير رسمية من اجل السلام يُحكم عليها بالفشل سلفا.يمكن أن نُخمن فقط ما الذي دفع أو من الذي أشار علي رئيس الحكومة أن يُعلن عن نيته اجراء تفاوض سري مع لبنان. ربما يكون الحديث عن حيلة اعلامية، تهدف الي منح البطة العرجاء من شارع كرمية لحظة رحمة سماوية؛ وهذا عنوان غير متصل بالاخفاق، أو الفساد أو الائتلاف المتعثر. إن حيلة اعلامية كهذه مقبولة في كل ثقافة سياسية، لكن يظهر من تواتر تصريحات السلام أن الناس الذين أداروا الحرب يكشفون عن جهلهم في دبلوماسية الشرق الاوسط ايضا.ينظر بشك للنظام في لبنان والتزامه مع العالم العربي. الاقتصاد الحر، والانفتاح علي الغرب ووجود اقلية مسيحية كبيرة ومؤثرة كانت سر القوة التاريخية لارض الأرز، لكنها كانت ايضا مصدر ضعفها. كان من فضلوا أن يروه قطعة من الغرب، حينما تحين الساعة قد يخون جاراته المسلمة. وهذه الاقوال صحيحة بالقياس الي نظام البعث السوري.إن انعدام نزاع سياسي بين اسرائيل والمعسكر المسيحي في لبنان يثير هو ايضا الريبة السورية. في لحظتي امتحان مهمتين امتنع لبنان من مساعدة جارته العربية: عندما رفض غزو اسرائيل في حرب التحرير، بل إنه عمل في اثنائها سرا لاحباط مخططات سورية للسيطرة علي الجليل؛ وعندما صد عن التعاون مع الجيوش العربية في حرب الايام الستة. لكن أقسي الصدمات السورية تمت عندما وقعت ادارة أمين الجميل، قبل 23 سنة، علي اتفاق مع اسرائيل. عرض هذا فورا مصالح سياسية، وعسكرية واقتصادية سورية للخطر، وبذلت في إثر ذلك موارد كثيرة لاحباطه. اليوم ايضا يري الأسد اتفاقا مستقلا بين لبنان واسرائيل نوعا من الخيانة.يمتلك النظام اللبناني اسبابا كثيرة تدفعه الي التخوف من اتصالات مع اسرائيل. في الحقيقة أن سورية سحبت قواتها من لبنان، لكنها لم تنفصل عنه. حزب الله، بعد الضربة التي تلقاها من اسرائيل ايضا، أفضل كثيرا من الجيش اللبناني النظامي. يشتمل الجيش علي نسبة كبيرة من الشيعة، لن يُحجم كثيرون منهم عن التمرد علي قادتهم؛ وسينضم اليهم الجواسيس، وأفراد الاستخبارات وعملاء السوريين الذين ظلوا بعد الانسحاب. كذلك لا يجب أن ننسي مئات آلاف العمال السوريين العاملين في لبنان، ولا الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين، الذين سيفرحون لمحاسبة الدولة التي تسلبهم الحقوق المدنية الأساسية.ولكن حتي اذا تخلي الأسد عن وسائل عسكرية، فانه يملك وسيلة ضغط ناجعة جدا. فاقتصاد لبنان مرتبط ارتباطا كاملا بالاقتصاد السوري، سواء في استيراد المواد الخام والغذاء أو في تصدير البضائع. بحسب سورية أن تفرض قطيعة أو اغلاقا للمعابر الحدودية لتُسقط كل حكومة عاصية في لبنان.وفوق كل هذا توجد المصلحة الوطنية اللبنانية. حتي الحرب الأهلية عُرف لبنان كـ سويسرا الشرق الاوسط، وليس ذلك عجبا. القطيعة العربية لاسرائيل هي التي جعلت ارض الأرز المركز المالي والسياحي للعالم العربي، بدل فلسطين الانتدابية. النمو المتجدد في لبنان في العقد الأخير، وبموازاة الانتفاضة، والحرب في العراق والارهاب الاسلامي في المنطقة، لم يحدث عرضا هو ايضا. ضمن الفوضي في الشرق الاوسط، عرض لبنان فقاعة نادرة من الاستقرار.في بداية سنوات الخمسين التقي عضو الكنيست دافيد هكوهين رجل اعمال مسيحياً من بيروت. أبطل اللبناني باستهانة امكانية اقامة سلام، وزعم أن بلده تستفيد فائدة كبيرة من وجود النزاع الاسرائيلي ـ العربي، نحن نعارض الصهيونية وسنظل نكره اسرائيل، لأننا نربح من هذا الوضع كله . هذا الاقتباس يعرض بقدر كبير الواقعية التي تقوم في أساس التفكير اللبناني. في حسابات الفائدة بازاء الكلفة، يوجد للبنان الكثير مما يخسر اذا ما بدأ تفاوضا لانهاء النزاع مع اسرائيل. لهذا يُحسن اولمرت ووزراؤه الصنع اذا سكتوا حول هذه القضية. عليهم أن يستوعبوا أن السلام مع لبنان لن يتم احرازه بالحيل الاعلامية، بل كجزء من اتفاق مع سورية. لن يضر ايضا الاصغاء الي النغمة التي رد بها فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة اللبناني، أن لبنان سيكون آخر من يوقع علي اتفاق مع اسرائيل.غاي معيان(معاريف ) ـ 13/9/2006