السلسلة والحلقة المفقودة

حجم الخط
0

عناية جابرأن يقوم المعلمون في لبنان بإضراب ومظاهرات خلال عدة اسابيع من أجل نيل مطالبهم المحقة بسلسلة للرتب والرواتب فيصلون الى نتائج مشكوك فيها، أمر يستدعي التوقف عنده قليلاً. وهو أمر لا يتوقف تأثيره ومعناه عند الحدود اللبنانية بل يتعداها ليطال أسئلة تعنينا في جميع دولنا العربية. علينا أولا أن نبرىء هيئة التنسيق النقابية التي قادت هذه الحركة من أي أخطاء تكنيكية قد تكون ارتكبتها خلال كل هذا الوقت الطويل نسبياً لمثل هذا النوع من المعارك. المطالب محقة ومعترف بها من قبل جميع المسؤولين في السلطة الرسمية وفي السلطة الفعلية أيضاً. والمعركة التي خيضت من أجلها كانت معركة نموذجية بدون اخطاء وبقيادة شعبية وحكيمة. لا غبار على ذلك. ومع ذلك انتهت المعركة بلا غالب ولا مغلوب. لم نعرف بعد إذا كانت المطالب ستتحقق أم لا. لأن ما تم تحقيقه عملياً حتى الآن يختصر بموافقة الحكومة على المطالب وتحويلها الى المجلس النيابي المعطل لإقرارها.كل ما عرفناه هو أن تحقيق المطالب رهنته الحكومة في مشروعها، إذا ما اقر، بحزمة من الرسوم والضرائب الجديدة التي ستطال وبشكل اساسي فئات اجتماعية محرومة مثل المعلمين بدل أن تطال أصحاب الريوع الهائلة المعفيين من أي ضريبة جدية. على هذا الصعيد المطلبي يمكن القول مع بعض التحفظ أن التحرك، الناجح شكلاً، قد أخفق إجمالا في تحقيق أهدافه المعلنة.على أن التحرك لم يكن مطلبياً أو ‘مصلحجياً’ بحتاً. فهو لم يكن يهدف الى تحقيق مطالب فئوية نقابية حصراً بل هو كان محاولة أخيرة لانتشال البلد من التشرذم الأهلي عبر تحشيد اصحاب المصلحة على حساب أصحاب الهوية كما يقال. يحضرني هنا تصريح لافت لرئيس هيئة التنسيق النقابية حنا غريب عن الموضوع ‘ لو لم يكن هناك سلسلة كان علينا أن نخترع ألف سلسلة لنحمي الوطن من الإنقسامات الطائفية’.أما ما يجري حالياً من خطف وخطف مضاد بين أهالي وعشائر منطقة البقاع الشمالي المحاذية للحدود السورية، بين بلدة عرسال وآل جعفر والمتضامنين معهم من عشائر علّو وناصر الدين وشمص وغيرهم، وما يجري بين أهالي التبانة في طرابلس وحي جبل محسن وما يجري في الكثير من المدن والأحياء اللبنانية لا يوحي بتحقيق التحرك لأهدافه على هذا الصعيد كذلك. فبدلا من الانقسامات الطائفية انتقلنا الى إنقسامات وتفتتات كادت تخلعّ الطائفة نفسها فتعيدها الى عناصرها الأولى. ولعل في ذلك رابطاً ما يجمع ما بين الإثنين، هو الحلقة المفقودة بين غياب الإعتراف بحقوق الأفراد والمجموعات المهنية وبين سيطرة ‘الأهلي’ما قبل الدولة الحديثة على البلاد. فالإخفاق في ‘حماية الوطن من الإنقسامات الطائفية’ هو نفسه ربما الذي يؤدي الى الإخفاق في تحقيق مطالب نقابية بسيطة ومعترف بها مسبقاً. فتحقيق المطالب المهنية يفترض تحشيداً للجمهور الذي عليه سلفاً أن يكون منفضّاً عن بيئته الأهلية الطائفية. أما إذا كانت غالبية العامة تحصل على ‘حقوقها’ ومطالبها عبر قناة أخرى فمن العبث جرّها من رابطتها الطبيعية إلى الرابطة المهنية. وهنا تصبح العلاقة بين الإثنين وكأنها شرطية.الإعتقاد دوماً بأن العامة مضللون ومسيّرون ضد مصالحهم قد يكون صحيحاً لفترة قصيرة ولو طالت. لكن عندما تطول هذه الفترة الى عقود وأكثر وتعم بلادنا العربية من أقصاها الى أقصاها فثمة أسئلة صارت تحتاج الى تفسير عقلاني آخر غير التضليل. يمكن طبعاً لفئة أنانية تهيمن على مقدرات العامة أن تضللها جزئياً ومؤقتاً بشعارات أو روابط وهمية. لكن أن تضللها بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب وفي مناطق جغرافية بعيدة عن بعضها بعد الصعيد وعشوائيات مصر عن ضواحي درعا في سوريا وقلب العاصمة اللبنانية بيروت فمسألة فيها نظر.أهمية ذلك كما قلت سابقاً لا تتوقف عند العمل النقابي والمطلبي بل تتعداه كما يبدو لي لأول وهلة لمسائل سياسية ايضاً من عيار الديمقراطية ودولة القانون وشجرة عائلتهما. فإذا كان من المتعذر إقناع العامة بالإنضمام الجدّي الى روابط مهنية تدافع عن مصالحها المطلبية المباشرة فكيف يمكن جرّها الى معارك بناء الديمقراطية وهي التي ما تزال ‘مقتنعة’ بروابطها الأهلية الى هذا الحد؟ النظر الى الفرد العربي كفردٍ مضلل يمكن نصحه وإرشاده وتعليمه وتربيته ونصحه و’جرّه’ وانتشاله من العبث قد يكون هو العبث بذاته. من يدري؟ قد تكون العلّة في النظر الى الفرد مثلاً. من قال لنا أن الفرد قد وُلد عندنا؟ كم مرة بالنهار يقول عبدنا ‘أنا’؟ بدل ‘نحن’؟ وهل هذه ال’نحن’ هوية، إنتماء فلسفي عقيدي ديني ام شيئ آخر؟ المسألة تتعدى النموذج اللبناني الذي انطلقنا منه ومن تجربة آخر تحرك نقابي ناجح فيه. فلقد تبين اليوم لجميعنا أن الطائفية والعشائرية ليستا ‘لعنة’ لبنانية صرفة بل هي عراقية أيضاً بقدر ما هي سورية وأردنية بقدر ما هي سعودية أو يمنية أو ليبية.حتى الدول العربية التي ظننا لوهلة انها تتمتع بنسيج إجتماعي متماسك ومنسجم كمصر وتونس أظهرت لنا اليوم أولوية الروابط الأهلية الطائفية على ما عداها. روابط عميقة التأثير والنفوذ. حركات سياسية كبرى، وصلت الى السلطة عن طريق الإنتخابات تعلن أن تفسيرها للدين هو رابطها الأساسي ولحمتها.ليست ‘المعثّرة’ هيئة التنسيق النقابية في لبنان مسؤولة عن إعادة اللحمة الى التشظي الذي يصيب مجتمعها بالرغم من نيتها الطيبة. وليس من مسؤولية السلسلة حتماً ان تلمّ بحلقاته. هناك بدون شك حلقة مفقودة على جميع حاملي هم السلاسل أن يجدوها إذا أرادوا للسلسلة أن تلتئم.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية