لم يكن الحَجْر على هشام المؤيد، كفكرة وكتطبيق، إلا نقطة الذروة في السعي الذي بدأه ابن أبي عامر منذ وقت مبكر، وتمثّل- كما أشرتُ سابقاً – ، في تحويل السلطة واستجرار قنوات ضخها نحو حقول جديدة يهيمن عليها ويقطف ثمارها. لكن الرجل، وبحسّه السلطوي التاريخي النادر، قرر أن يقوم بخطوة أخيرة حاسمة وضرورية، قبل إخراج الحَجْر إلى حيز التنفيذ : بناء مدينة الزاهرة، التي أطلق أوامره للبدء ببنائها حين أيقن أن السلطات الواسعة التي بات يمتلكها، تتطلّب بالضرورة تهيئة مجال جديد، ينظمه ويسيطر عليه و يتيح لصلاحياته المتنامية التحقق والفعل والانتشار. خاصة أنه كان يتهيأ لتحويل قصر الخلافة الآفلة إلى مجال مغلق معزول وبدون سلطة. وبكلام آخر يمكن القول: إن الزاهرة لم تكن في نهاية المطاف إلا المجال الذي شيّدَه ابن أبي عامر ونظّمه بالشكل الذي يُمكّنُه من تحويل السلطة واحتواء الرصيد المُحَوّل منها في الوقت نفسه. إنها مركز إدارة استثمار سلطاته الواسعة التي حصل عليها، والتي يتهيأ لرفدها بسلطات جديدة، في سيرورة عطش للسلطة لا يرتوي أبداً. وهذا بالضبط مغزى وهدف الإجراءات التالية التي اتخذها ابن أبي عامر بعد انتقاله إلى الزاهرة مباشرة : ‘ رتّب فيها جلوسَ وزرائه ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطة بخطته، ونَصَب على بابها كرسي شرطته، وأجلس عليه والياً على رسم كرسي الخليفة… وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تُحمَل إلى مدينته تلك أموالُ الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، وحذّر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج، فاقتُضيت لديها اللبانات والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار ‘.
من جهةٍ أدرك المنصور أن الحَجْر على الخليفة الصبيّ، بوصفه عملية إغلاق ومحاصرة للمجال المركزي الذي تستعلن فيه سلطة الشرعية و رمزيتها؛ لم يكن ممكناً إلا انطلاقاً من مجال جديد يمنحُه مزيداً من السلطات والقدرة على المبادرة واستخدام الصلاحيات المتنامية. كما أدرك – من جهة ثانية- أن استثماره للمجال الجديد، كفضاء لاستقطاب وإعادة توزيع السلطة وإنتاج تمثلاتها الجديدة، لن ينجز بشكل كامل ما دام المجال القديم قادراً على فعل الأمر نفسه. مما حتم عليه القيام في المقابل بإعادة تنظيم المجال القديم أيضاً، مستغلاً إلى أبعد مدى كل ما تحصّل له من سلطات : في الجيش والإدارة، في الشارع القرطبي، وأخيراً بامتلاكه مجال جديد مستقل ومنظم تحت إشرافه وتدبيره.
ولتحقيق ذلك سارع المنصور إلى القيام بخطوتين متكاملتين لإعادة تنظيم المجال القديم واستكمال مقدمات الحَجْر. تمثلت الأولى في السيطرة على قصرالخليفة من داخله، أي على الفاعلين الأساسيين في المجال المباشر لسلطة الشرعية، وذلك من خلال تغيير طاقم الخدمة والحراسة داخل القصر، و وضع نظام مراقبة داخلية صارمة على المجال المهيب للسلطة. أما الخطوة الثانية فتمثلت في تطويق القصر الخليفي بحراسة مشدّدة، و مراقبة خارجية مستمرة تتيح له عزل الخليفة، وقطع خطوط التواصل المفتوح بينه وبين العالم الخارجي. من هنا لجأ إلى تنظيم مصادر الأخبار، و جعل حَجْب الخبر عن الخليفة، أو توصيله إليه، مسألة خاضعة لرقابته وإذنه، وبما يكفل صرامة الحَجْر وتحقيق كامل أهدافه. و تشير المصادر إلى أنه كان متشدداً في الرقابة على وصول المعلومات إلى الخليفة، حتى أنه كان ينكّل بمن يخالف تعليماته بهذا الخصوص.
لقد أقام الخليفة الصبيّ ‘ خفيَّ الذكر، عليلَ الفكر، مسدودَ الباب، محجوبَ الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص و لا عام ‘ على حد تعبير صاحب البيان. وثمة إشارة واضحة إلى أن المنصور أمر ببناء سور و حَفَْر خندق حول قصر الخليفة. ويقول ابن خلدون في تاريخه إن المنصور حَجَب هشاماً و ‘ غلب عليه ومنع الوزراء من الوصول إليه إلا في النادر يسلّمون وينصرفون ‘.
* * *
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو التالي : هل يصح فعلاً اعتبار – الحجر على صاحب الدولة- تطوراً سياقياً تاريخياً للحجابة بمعناها المعهود وهو : القيام بشأن الباب السلطاني وحفظه والاستئذان للداخلين عليه..؟!.
إن نقاط التماثل بين الحجر والحجابة، الذي جعل ابن خلدون يصنّفُ الحَجْرَ على أنه حجاب ثالث، لا ينبغي أن تحجب التمايز الجوهري بينهما. وهو تمايز يحيل إلى سيرورة كاملة للدولة والسلطة وأشكال التغلب والحكم في التاريخ الإسلامي. وقد لاحظ ابن خلدون بعمق أن اللحظة التي تستدعي خطة الحجابة، تختلف تماماً عن تلك التي تستدعي عارض الحَجْر على صاحب الدولة. فالأولى من لوازم تحول الدولة من البداوة إلى الملْك، وتترافق مع استبداد صاحب الدولة على قومه وانفراده عنهم بالمجد. أي تأتي في سياق صعود الدولة و قوة صاحبها. أما الثانية فيستدعيها واقع مختلف تماماً، صاحب الدولة فيه ‘ صبي صغير أو مضعّف.. يؤنَسُ منه العجز عن القيام بالملك ‘، مما يقدم ذريعة وحافزاً لأحد الوزراء أو الحاشية بالتغلب على الملْك وتحويله إليه.
في الحجابة، كما في الحَجْر، ثمة حجبٌ وأبواب وأحراسٌ تفصل بصرامة بين السلطان والعالم. ثمة فضاءان: داخلٌ تقبع فيه الرمزية بما تمتلكه من شرعية أو مشروعية، أو كليهما معاً، و خارجٌ مرهون لانتظار على الأبواب، أو لحلم التماهي بالداخل، أو الحلول محله، أو الإحساس المستمر إزاءه بالخوف أو الإجلال أو البغض الشديد…الخ. ولكن خلف التماثل يكمن السؤال عن السلطة الحقيقية التي تقيم هذا الفصل الصارم بين عالمين، وتستثمره بكل ما تستطيع من أجل وجودها واستمراره. من الذي يراقب الأبواب و يسهر على ترتيب فتحها وإغلاقها وينظم حركة العبور بين العالمين؟ من الذي يسمح بخروج الإذن، إلى المنتظرين على الأبواب، بولوج الحضرة، أو يمنع ذلك فلا يصل منتظرٌ إلى مأموله وراء الحجاب؟ ومن الذي يأمر برفع الحجاب ليتسنى للناس مطالعة وجه السلطان و وجهته، أو يأبى ذلك فتظل الحجبُ مرخيةً مستبدةً بالآفاق، والأبصارُ كليلةً والأفكارُ طائشةً؟!
في الحجابة، بمعناها المعهود، تكون السلطة الحقيقية وراء ذلك كله بيد المحجوب نفسه، الذي تتحصل لديه في نهاية الأمر مكاسب الترتيبات القائمة على بابه، واستثمارات التوزيع الدقيق للإذن والمنع، ورسوم الدخول إليه. السلطة هنا تقع داخل الفضاء المحجوب، تعمل من داخل إلى خارج. ومجال السلطة مملوك بالكامل لصاحب الدولة الذي تشكل خطة الحجابة جزءاً أساسياً من البنية الإدارية والسياسية والأمنية لدولته. إنه يستخدم صلاحياته المطلقة في الحجْب والإذن لترسيخ سلطته، والإعلاء من شأن رمزيّته، كمانح كبير للامتيازات، في مواجهة رعية مطيعة صابرة تنتظر على بابه.
أما صاحب الدولة المحجور عليه، فلا سلطة له خارج رمزيّته التي تُستَخدم الآن من قبل الحاشية التي تتأهب للانقضاض الكامل على الحكم. إنه سجين حجُبِه. و حاجبُه هو سجّانه الانقلابي بكل ما للكلمة من معنى.
هنا لا يقع مركز سلطة الأمر والنهي والمرجعية الحاكمة بشأن الباب، في جوّانية الفضاء المحجوب، بل في خارجيته. والمجال ليس مملوكاً لصاحب الدولة، بل هو جزء من حصاره وانسداد أفق سلطته.
كاتب من سورية