قال نتنياهو إن إسرائيل تريد بقاء السلطة الفلسطينية، وهي غير معنية بانهيارها ولكنها على استعداد لدعمها ماليا. وأكمل أن على إسرائيل الاستعداد لفترة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
رام الله ـ «القدس العربي»: من جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي سربت جانبا مقصودا من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حيث قال إنه يجب العمل على اجتثاث فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، وقطع الطريق على تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة لهم.
وفي المقابل قال إن إسرائيل تريد بقاء السلطة الفلسطينية، وهي غير معنية بانهيارها ولكنها على استعداد لدعمها ماليا. وأكمل نتنياهو أن على إسرائيل الاستعداد لفترة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وكالعادة جاء الرد الفلسطيني الذي شدد على أن التصريحات المسربة تظهر للعالم حقيقة النوايا الإسرائيلية الرافضة للشرعية الدولية والقانون الدولي حسب الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، فيما قالت الخارجية الفلسطينية إن تلك التصريحات تمثل اعترافا بسياسة حكومة نتنياهو المعادية للسلام.
وبدون شك لا يمكن التقليل من أهمية التصريحات وتحديدا في ظل أن حكومة نتنياهو رفعت وما زالت من وتيرة التوسع الاستيطاني بالقدس والضفة الغربية المحتلتين من خلال مشاريع جديدة لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية، رغم المعارضة المعلنة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو أمر يضاف إلى استمرار هجمات المستوطنين لأكثر من اسبوعين متتاليين.
وحسب المحلل السياسي نهاد أبو غوش فإنه وإن تفاجأت بعض الأطراف الدولية أو العربية من التصريحات الحادة التي صدرت عن نتنياهو لكن الفلسطينيين هم آخر من يتفاجأ.
وأضاف: «نحن نرى ترجمات في الميدان لطبيعة الحل والتصور الاحتلالي، فهناك سياسة إغراق الأرض بالاستيطان، وتهويد القدس والضفة برمتها، ربط كل حياة الفلسطينيين وشؤونهم بالاحتلال، تقسيم الأراضي المحتلة لقطع منفصلة ومقطعة الأوصال وبلا رابط، ومن ثم الضغط المتواصل على السلطة الفلسطينية لدفعها للدور الأمني الذي يريده الاحتلال، وكلها مؤشرات وممارسات تؤكد أن الاحتلال يسعى لتدمير أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية».
ويشدد أبو غوش أن هذا التصور للحلم الفلسطيني ليس اختراعا من نتنياهو، فكل عناصر هذا الحل الإسرائيلي موجودة باتفاق أوسلو، فهو اتفاق لم يشر إلى وجود احتلال، أو أنه سيفضي لدولة فلسطينية، فكل الألغام التي زرعتها إسرائيل في نصوص بنود الاتفاق كانت ستقود لهذا الواقع الذي نعيش في ظله، كنا أمام اتفاق كان ملتبسا على البعض، وهو ما تعمق في بنود صفقة القرن.
جذور سياسة نتنياهو موجودة في اتفاق أوسلو، فمن يفسر وينفذ الاتفاق هو الطرف الأقوى الذي يمتلك قوة إدارة الأمور، فيما «كان لدى بعض الفلسطينيين مجموعة من الأوهام التي تبخرت بعد الانتفاضة الثانية، واليوم يفترض أن ندرك أن الاحتلال يريد تكريس وجوده كسقف لطموحاتنا الوطنية».
ويحلل سياق الموقف الإسرائيلي وفق المشهد الداخلي قائلا: «قد تكون هناك تباينات طفيفة بين القوى الإسرائيلية حول احتلال الضفة وتقويض السلطة وانهيارها، حيث يقول نتنياهو إنه يريد بقائها وفق شروط الإسرائيليين، أي أن تعمل السلطة على إعفاء الاحتلال من عبء التعامل مع الشعب الفلسطيني». ويؤكد أن إسرائيل تحتاج للسلطة لتشكل حاجزا ماديا بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني وهذا أولا، ثانيا: إسرائيل تحتاج السلطة لتتولى مهمة أمنية وتلعب دورا مهما في قمع المقاومة، وثالثا: يحقق بقاء السلطة ووجودها حالة من الإيحاء لبعض الأطراف الدولية بإن هناك عملية سياسية.
ويتابع: «صحيح أن عملية السلام متعثرة ولكنها ليست ميتة، فمنذ 30 عاما هناك عملية سياسية لكنها مشوهة، وحقيقة وجود السلطة يعمي الأنظار عن رؤية إسرائيل لدور السلطة، فالاحتلال يعمل كل ما يمكنه لمنع تحقيق السلطة كل ما تريد أن تحققه أي دولة فلسطينية تعتبر ترجمة للمشروع الوطني الفلسطيني، ومع الوقت يستمر الاحتلال بالضغط أكثر وأكثر لتكون السلطة الفلسطينية أداة أمنية على غرار جيش لبنان الجنوبي الذي كان له الدور الرئيس في حماية الاحتلال.
ويطالب أبو غوش بما تم إقراره فلسطينيا عام 2015 وعام 2018 حيث قررت المؤسسات الفلسطينية إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال، والتأكيد على أنها علاقة صراع، لكن ما جرى منذ ذلك الحين وحتى اللحظة هو أن هذه التوصيات لم تترجم لسياسات تعيد تعريف العلاقة من جديد.
ويرى أن السبب في ذلك هو وجود مصالح سياسية واقتصادية تمنع البعض من استخلاص العبر اللازمة لإعادة العلاقة مع الاحتلال على أنها علاقة صراعية.
وأن كل «اجتياح واعتقال في المناطق التي تحمل تصنيف (أ) هو فعل إحراج للسلطة وإضعاف لشرعيتها وسير في مسار تآكلها، فالاحتلال يريد سلطة ضعيفة وخاضعة، فاقدة للقدرة على حماية المشروع الوطني، حيث تصبح عبارة عن حوالة مالية، وبحاجة إلى رعاية وحماية إسرائيلية».
ويختم أبو غوش أنه من الطبيعي ألا يكون الاحتلال معنيا بانهيار السلطة، فهذا خيار سيضعها أمام حالة من الفوضى غير معروفة النتائج.
وحسب المحلل السياسي المصري حسن نافعة فإن رسائل نتنياهو من خلف تسريب تصريحاته لجهات كثيرة وهي إلى كل من يهمه أمر الدولة الفلسطينية.
ويرى نافعة في مقال طويل حمل عنوان «رسائل نتنياهو إلى كل من يهمه أمر الدولة الفلسطينية» أن الرسالة التي أراد نتنياهو أن تصل إلى الحكام العرب، ومفادها أن إسرائيل مهتمة حقاً بتطبيع علاقاتها مع جميع الدول العربية، وخصوصاً تلك التي لم تقم بالتطبيع معها حتى الآن، ولكن بشروطها هي، وليس بالشروط المتضمنة في المبادرة التي تم تبنيها في قمة بيروت العربية عام 2002.
أما جانب من الرسائل فهي موجهة إلى قادة الدول الحليفة التي ما تزال تتحدث عن «حل الدولتين» وترى فيه الخيار الوحيد المتاح لتحقيق سلام دائم وعادل في المنطقة. ويرى نافعة أنه يبدو أن نتنياهو بدأ يضيق ذرعاً بكل خطاب يتحدث علناً عن حل الدولتين، «فمجرد الاستمرار في ترديد هذا الخطاب، ولو على مستوى اللغو والشعارات الرنانة، يبقي الأمل حياً في نفوس الشعب الفلسطيني في إمكانية تحقيق حلم الدولة الفلسطينية يوماً ما، وهو ما لا يريده ويسعى لوأده بكل الوسائل المتاحة».
ويخلص في مقاله إلى استنتاج مماثل للمحلل أبو غوش حيث يقول إنه بات على السلطة الفلسطينية أن تقرر ما إذا كانت ستقبل الاستمرار في القيام بدورها لحساب إسرائيل.
أما حكام الدول العربية والحديث لنافعة فعليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيقبلون التخلي عن مبادرة بيروت للتسوية والانصياع نهائياً إلى الشروط الإسرائيلية، وعلى المجتمع الدولي أن يقرر ما إذا سيقبل بدوره الخضوع للابتزاز الإسرائيلي والتخلي عن منح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.