مطاع صفدي
منذ أيام ابن خلدون حتى عصرنا الراهن البائس، لم يستطع تاريخ العرب، في مختلف تقلّباته، أن يحلَّ معضلة التناقض بين الحاكم والمحكوم. فأين هي العلّة، هل لأن العرب فقدوا حريتهم كدول ومجتمعات، وخضعوا لسلطات الأغراب، أم لأن العقل العربي نفسه ظلّ عاجزاً عن ابتكار أي نظام يساوي بين الناس، بقدر ما يجعل السلطة نتاجاً تشاركيّاً لهذه المساواة، وقوة رعاية لها في الوقت عينه. ليس من البساطة الجزم بأية تعليلات سريعة في هذا الموضوع المحفوف بشتى ألغاز الصراع بين الطبيعة والثقافة. فقد يميل الغرب إلى اعتبار أن الديمقراطية هي المحرك الذاتي للمشروع الثقافي الغربي، وهي غايته التاريخية وربما كانت امتيازاً يخص هوية هذا المشروع، واختلافه عن مشاريع بقية الحضارات الإنسانية. ولعلّ العرب والإسلام مثّلوا دائماً بعضاً من هذه البقية. كأنما العرب قد أوكلوا إلى الدين ومؤسسته أمرَ تنظيم مجتمعاتهم، فأعطوا للعقل شبه إجازة دائمة، أو جعلوه مقيداً أبدياً في غرفة الانتظار، حتَى يحين دوره (شبه المستحيل؟) يوماً ما.
ذلك أن تنسيب مختلف عورات المجتمعات العربية إلى كونها ضحيةً لنموذج التخلف المزمن، بسبب من اختطاف الدين لوظيفة حراسة هذا التخلف، هذا التأويل الإختزالي يتناسى أن كون المجتمع متخلفاً، فإن تديّنه سيكون متخلفاً معه كذلك. فلا انفصال بين الكتلة البشرية وأعراضها من العقائد والعادات والقيم، بحيث لا يمكن لأحد هذه الأعراض كالدين مثلاً، أن يتحمل وحده مسؤولية التأخر أو الجمود، أو أن يكون هو علّة البطالة الحضارية التي تجعل الكتلة البشرية، بدلاً من أية فعالية تغيير، فإنها تكرر نظامها المتوارث في التفكير والسلوك والاعتقاد. ذلك أن انطواء الأجيال تحت قوالب الآباء والأجداد الجاهزة أسهل بكثير من تحديات التفكير فيما لا قالبَ له بعد.
لذلك جرى الاعتقاد أن الاستبداد قديمٌ في نموذج المجتمعات الأهلوية قِدَم الطبيعة. ومنذ أن سيطرت الغزوات الشعبوية فَقَدَ السكان الأصليّون شعورَهم بالاستقلال والأمان معاً. لم تعد مسألة الحريات الفردية مطروحة منذ أن تطورت السلطات الشعبوية، إلى صيغة الاحتلالات الأجنبية التي عرفتها جغرافية العرب منذ أواسط القرن التاسع عشر، بدءاً من الاحتلال الفرنسي للجزائر. فقد يصحُّ القول إذن أن العرب لم يمتلكوا حرية مدنية للجماعة أو للأفراد، ربما منذ بعض التجليات الصدفوية لصيغة الناس الأحرار في أوج الحضارة العباسية والأندلسية. فليس غريباً إلى حد ما ألا تستيقظ هذه الصيغة إلا متأخرةً جداً في عصر الاستقلالات السياسية، لأكثر من عشرين كيانا دولتيا معترفا به ومُمثّلا في هيئة الأمم المتحدة.
هل نقول مع بعض الفكر الغربي ان افتقار الجماعة السكانية من شعور الحاجة إلى الحرية يجعلها متآلفة مع سلوك التبعية كأنها هي الحالة الطبيعية المعتادة. لكن متى يقع الاختلاف إذن! عندما تنحدر التبعية، إلى مستوى العبودية. في هذه الحالة يقع القهر على رأس كل فرد. يصبح الفرد هو المستهدف من سطوة الإذلال الفوقي. إذ أن معاناة المهانة تبدأ ذاتية وفردية، لتتفجر قوةَ رفضٍ جماعية هائلة، في لحظة صدام آتية مع القوة القاهرة.
ليس ثمة مفاضلة مفهومية أو نوعية بين ثورة الكرامة وثورة الجوع، وأيهما هي السابقة والمنتجة أكثر من زميلتها. كلاهما جوع لكرامة النفس وحاجة الجسد للبقاء على قيد الحياة. فما أشقّ على شعوب كاملة أن تعيش على شفا الجوع والموت والمهانة، ليسعد بضعة أفراد منها بكل المال، الذي هو مال الآخرين جميعاً، وبكل السلطان الذي هو تاج من معدن زائف، يكلل قمة جبل من الكرامات المسحوقة والإرادات المغلولة. فما الذي يوقظ المستعبدين من الهجْعة الطويلة مع عادات، من الخوف واللامبالاة، وحتى من نوع ذلك الاحتقار المعكوس المكبوت الذي يغدو جحيماً من الحقد المشروع، والمقموع دائماً، ولكن إلى حين مع ذلك. ليست وحدَها هي شهوة الانتقام، أو الرغبة الجامحة في معاقبة الظالم الأكبر، واللص الأكبر، والقاتل الأكبر. فالانتقام والعقاب محركان حقيقيان، قد يوقظان الهاجعين، السادرين عن طلب الحق، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإيقاد شعلة الحرية فوق رؤوس الجميع، من الغاضبين الثائرين والمغضوب عليهم كذلك، من لصوص الاستقلال والعدالة والكرامة، إنْ لم يخترع الجمهور أخيراً فضيلة الشجاعة من دون حساب لأثمانها الباهظة.
مع ذلك، فقد برهن الاستبداد العربي أنه هو الحارس الأمين على (تراث) التخلف. لقد حرم شعوبه من وَقْدَة شعلة الحرية، ليحلّ الظلام في العقول قبل النفوس. فهو المشارك، مع المستعمر، والمنفذ المباشر لسلوكيات الإحباط المنظم ضداً على محفزات النهضة ومنعاً لمكتسباتها الثقافية خاصة، من إنتاج عصرِ تنويرٍ فاعل حاسم. فالنهضة الفاقدة لعقلها التنويري، لا تستطيع أن تحمي حركات الإصلاح أو الثورة في سياقها، من خطر الانتكاس والوقوع ثانية في شباك الظلاميات السابقة. ولقد عملت أنظمة الحكم المطلق، الملكية منها والجمهورية الاسمية، على وأد كل حركة تحرير عقلية، من كل جيل ثقافي طامح إلى مواجهة حدّية مع سلطات السلفويات شبه الأميّة، والمحترفة لذهنيات التحريم في كل شأن عقائدي أو سلوكي جماعي. يستوي في هذا الوضع نموذجا الحكم العربي، الملكي العشائري والجمهوري (التقدمي؟) أو الليبرالي؛ وهذا الأخير استعار كل مساوئ الأول، بدون أية اختراقات تذكر، سوى المسحة الرقيقة من التقدمية أو الليبرالية، إسمياً وشعارياً فحسب.
هكذا يواجه ‘الربيع العربي’ نوعين من الاستبداد، السياسي السلطوي في القمة، والعقائدي الشعبوي في القاعدة، من مجتمع مصاب بالبطالة الاقتصادية، والعطالة الحضارية معاً. مثلما اصطدمت ثقافةُ التنوير قبل الثورة، بذهنيات التحريم التقليدية ومؤسساتها المسلحة دائماً بسلطة النص المقدس، كذلك قد تزدوج الثورةُ بنقائضها السلفوية هذه أثناء الصراع ضد استبداد القمة الحاكمة. وتساهم في التباس شخصيتها الوطنية الجامعة، وقد تنحدر بها إلى مهاوي أضدادها، من شبكيات الصراعات الفئوية. حَدَثَ هذا في انتفاضة سورية، مما أخرج بعضها عن طابعها اللاعنفي، فاعطى تسويغاً لتضرب السلطةُ بأعنف ما لديها من وسائل البطش البهيمي. وفي الوقت عينه يعثر (الغرب) المتربص، على فرصته ليدسّ أنفه في تفاصيل الحدث الثوري العربي، ملقياً عليه بعض شُبُهات المؤامرة الدولية المعهودة، في عين الجماهير المراقبة، مما يدفعها إلى التردّد، وحتى الانسحاب من خطوط الصراع الأمامية.
لقد تلاحقت ثورتا تونس ومصر خلال أشهر قليلة، بحيث لم يتح لكلا الصنفيْن من التدخل الخارجي الغربي، والتحريف والتشويه الداخلي، من السلفويات والفئويات الأخرى، أن يلعبا أدوارهما، في مرحلة التخلص من رأس السلطة المستبدة الفاسدة. لكن كلا الخطرين هذين سوف يرتدّ على الثورتين المنتصرتين بهدف منع النتائج التغييرية المنتظرة، فيما لو تمكنت الثورتان من إرساء قواعد إنشاء الدولة المدنية العادلة، بديلاً عن حطام دولة التسلّط المنهارة. تلك هي ساحةُ وساعةُ الصراع الجديدة المفتوحة في القطرين الرائدين حالياً. إنها قوة التغيير الكبير التي اكتسبها الجمهور العادي، غير المسيّس ولا المتخرب ولا المتشظي حتى الآن؛ هي الكنز التاريخي الذي اكتشفه الشعب الثائر في تضاعيف وجوده الحزين السابق، لكنه لا يعرف بعْدُ كيف يستثمر انتصاراته الأولى الحاسمة، في الوقت الذي تتهافت على سرقته أو تشويهه، أو تحريفه، قوى ظاهرة وباطنة، لا عناوين لها أوضح من مصطلح الثورة المضادة؛ فكل ثورة مضادة في التاريخ، كان لها مهندسوها ومخرجوها وأدواتها التنفيذية، وخاصة في تجارب النكسات السياسية في سيرة النهضة العربية الثانية الآفلة راهنياً.
الربيع العربي تحفّ بأبطاله وزهوره هاويتان على جنبيْه هما: أفخاخ الغرب والسلفويات المحلية والإقليمية. فقد أضحت ثورة ليبيا نموذجاً مفزعاً دامياً، من لعبة الأمم غرباً وشرقاً. فهي مهددة بأفجع أضغاث أحلام النتائج التي ستؤول إليها، سواء في مرحلة تصفية طاغوتها الأكبر، أو في المرحلة الأصعب التي ستتبع هذه التصفية الشاقة الفاتحة على شتى احتمالات الانتكاس والتحريف. إذ يكاد مصيرُها تحدده مُحاصصةٌ خفية لئيمة بين عمالقة الشركات النفطية الفاعلة ما وراء حكوماتها، المتورطة في حرب معلنة ضد القذافي، في حين تصيب مخططاتها الخبيثة مختلفَ أعدائه كذلك في وقت واحد.
ومن الواضح أن المعاناة الليبية سوف تطول ما دامت هذه المحاصصة بين عملاقي النفط الاوربي والأمريكي، لم تبلغ المعادلة المطلوبة؛ عندئذ سوف تكون هذه الثورة الصحراوية مهددةً بمستنقع حرب أهلية، أو بتقسيم ثلاثي بل رباعي لأصقاعها الجغرافية الواسعة، وذلك تبعاً لتوزعها القبلي القديم وتبايناته الفئوية المتوارثة.
لن يكون حال ثورة اليمن بأفضل كثيراً من مثيلتها الليبية؛ هذا بالرغم من اندلاع إنتفاضة الشباب السلمية منذ ثلاثة أشهر، فإن التركيبة القبلية لا تزال تقاوم مدنية الثورة الشبابية، وتفرض خارطتها الأهلوية، والطائفية بخاصة، على خلفية المشهديات اليومية للجماهير المتوزعة انقسامياً في ساحات العاصمة صنعاء وبقية المدن.. وصولاً إلى الأرياف والجبال. ما يمكن قوله ان عصر الثورة العربية الشبابية لن يقدم هداياه الثمينة إلى شعوبها بالسهولة التي تصوّرها أحلامُنا المتعجلة. فالانتهاء من دول الطواغيت لا يعني بالضرورة الفورية إشادة دول الناس الأحرار السعداء بالعدالة والمساواة والحداثة المبدعة. فمن يفتح بوابات النهضة العربية الثالثة، لن يلقى أمامه جنان النعيم المفقود، إلا مصحوبة كذلك بأفاعيها السامة. إن إزالة أهرامات الطواغيت ليست عملية آلية تتحقق من تلقاء ذاتها بعد القضاء على رؤوسها، فالأهرامات الفاسدة قائمة، وقد تنبت لها رؤوسٌ أخرى.
هذه هي النهضة الحقيقية. إنها تعيد وضع شعوبها أمام تحدياتها الكبرى الأصلية. فإما أنها تمتلك الطاقة المبدعة للحلول والإمكانيات المتكافئة مع هجوم تلك التحديات، وإما أنها ستخترع ديوان بكائيات جديدة، تتلوها طويلاً على حطامها، وتُورثها إلى أجيالها القادمة.
لكن فلسفة النهضة لا تنثر تفاؤلاً طفولياً ولا تشاؤماً هَرِماً. كل ما في جعبتها هو الدعوة إلى الالتزام بثقافة الحقيقة فقط.. هل تعرفها!’ مفكر عربي مقيم في باريس