حدث ذو أهمية آنية طرأ الاسبوع الماضي ولم يحظ باهتمام واسع لاسباب عديدة اولها انه ليس مثيرا جدا، والثاني توتر الاوضاع في العراق نتيجة اجتياح مقاتلي «داعش» وتوسع دائرة العنف، والثالث لان تبعاته ليست واضحة للكثيرين.
فقد جاء الافراج عن أحد أبرز منظري السلفية الجهادية، أبي محمد المقدسي، من السجون الاردنية ليسلط الضوء على السجالات الفكرية في اوساط الجبهة ومدى الاختلافات بين تياراتها الفكرية. عصام البرقاوي (وهو الاسم الحقيقي للمقدسي) يعتبر من أكبر منظري تيار السلفية الجهادية، وأحد أساتذة أبي مصعب الزرقاوي الذي قتل في العراق قبل بضعة اعوام.
وللرجل اطروحاته المنسجمة مع التوجهات العامة لتنظيم «القاعدة» ويعترض بشدة على محاولات حرف تلك التوجهات او الدخول في حروب داخلية تصرف الانظار عن الصراع مع الولايات المتحدة الذي تعتبره «اولوية الجهاد» في الوقت الحاضر. كما يرفض الخروج على قيادة التنظيم، ويرى ان التمرد على توجيهات أيمن الظواهري انحراف عن الخط وترويج لمشروع آخر لا ينسجم مع الخط العام لـ «القاعدة». المقدسي يحظى باحترام واسع في الاوساط القاعدية. بل ان كبار رموزهم دأبوا على الرجوع اليه وهو داخل السجن لاستمزاج آرائه. ويمكن الاستماع لبعض تلك الاتصالات المسجلة بالبحث عنها في الشبكة الدولية. ويمكن اعتبار المقدسي امتدادا للايديولوجية القتالية والفكرية التي كانت لدى أسامة بن لادن، فهو يرفض حرف مسار «الجهاد» ويعتبر بعض رموزه الحالية في سوريا والعراق «خوارج»، على صعيد ما يطرحونه من ا فكار وتوجهات خصوصا على صعيد العلاقات بين المسلمين، وعلى مستوى الممارسة التي تتسم بدموية مفرطة. ويمكن الاستنتاج ان الرجل يعتقد ان ما يحدث في الساحة «خروج» على «الخط الجهادي» العام لتنظيم «القاعدة».
ليس معروفا بعد ما اذا كان اطلاق سراح المقدسي صدفة ام خطة من قبل السلطات الاردنية التي اصبحت قلقة جدا من تمدد نفوذ مجموعات السلفية الجهادية واحتمال استهداف الاردن، في زمن غير بعيد، من قبل «داعش» على وجه التحديد. فمنذ ان نشرت جماعة أبي بكر البغدادي خريطة «الدولة الاسلامية» التي تعمل من اجلها، اصبح الاردن قلقا جدا لان تلك الخريطة تضم اراضيه ضمن مشروع دولة «داعش». ولا يستبعد ان يكون اطلاق سراح المقدسي محاولة لخلق توازن فكري في اوساط الشباب الاردني المتحمس الذي قد ينساق وراء ذلك المشروع ويهدد مستقبل الدولة الاردنية. وثمة تناقض واضح في مواقف الحكومة الاردنية التي تشعر الآن ان خطر «داعش» بات يداهمها. فوفقا للتقارير الموثقة فان عناصر من «السلفية الجهادية» التي كانت تقاتل في سوريا قد تدربت في الاردن على ايدي ضباط امريكيين. يومها ربما لم تقدر السلطات الاردنية خطر دعم العنف والتطرف وتدريب عناصره على رفع السلاح. لقد اصبح واضحا الآن ان خطر التطرف يداهم البلدان العربية المتاخمة لسوريا والعراق.
كما يتضح كذلك ان التجربة الافغانية تتكرر في الشام. فقبل ثلاثة عقود دعمت امريكا وحلفاؤها من الحكومات العربية مجموعات «المجاهدين» وساهمت في تأسيس تنظيم «القاعدة» و طالبان. وسرعان ما انقلبت تلك المجموعات على مؤسسيها ودخلت معهم في حرب استنزاف دموية بلغت ذروتها في حوادث 11 سبتمبر/ايلول. واليوم يتكرر السيناريو نفسه فتحتضن الدول الاقليمية مجموعات تمارس العنف بدون حدود بهدف تحقيق هيمنة اقليمية هنا وهناك. انه سلاح ذو حدين، وسرعان ما يوجه لصدر داعميه ومروجيه.
جاء الافراج عن المقدسي في فترة عصيبة تبدو فيها اوضاع الامة متجهة نحو المزيد من التدهور، خصوصا في ضوء ما يجري في العراق. وليس جديدا القول ان ما يجري يهدف اساسا لتقسيم العراق وفق خطوط التمايز العرقي والمذهبي، على غرار ما حدث في السودان. كما ليس جديدا الادعاء بان قوى الثورة المضادة، تسعى لمواصلة مشروع التفتيت والتجزئة لتشمل كلا من سوريا ومصر. وما اكثر المبررات التي تطرحها تلك القوى مباشرة او على ألسنة المجموعات المسلحة، وهي مبررات ذات طابع محلي ولاسباب تتعلق بالدور السياسي لهذه المجموعة او تلك. ولكن الحقيقة التي تم التعتيم عليها بشكل واسع ان لدى قوى الثورة المضادة مشروعا لسحق روح المقاومة والحرية لدى الشعوب العربية لحماية العدو الاسرائيلي من جهة، واحتواء تطلعات الشعوب من جهة اخرى. جاء ذلك بعد ان ادت عقود القمع والاستبداد والهيمنة الغربية لبروز تيارات جديدة تتميز بالتشدد والتطرف وتمارس الارهاب بذرائع استعادة كرامة الامة وكسر شوكة امريكا والانتقام لعقود الاذلال والاحتلال والهيمنة. ولكن حدث تغيير جوهري بعد حوادث 11 سبتمبر/ايلول فتم اختراق تلك المجموعات واعادة توجيهها بعيدا عن اهداف مؤسسيها. فاستبدلت الاهداف وتم توجيه الطاقات وفق مقولة «تنقية الجبهة من الداخل». وهنا تتشعب هذه الحسابات وتتعدد مجموعات «الداخل». فتارة تكون الحسابات مع الآخر المختلف مذهبيا، فيصبح الشيعة هدفا مشروعا للانتقام والقتل. وتضفى الشرعية على استهداف الآخر المختلف مذهبيا. وتصدر فتاوى من هنا وهناك لتضخيم الخطر الناجم عنه. ثم توجه الحراب الى صدور الآخر المختلف سياسيا وان كان من ضمن ابناء المذهب الواحد بل حتى المجموعة السياسية ذات الاتجاه المحدد.
من هنا يجد اشخاص مثل ابي محمد المقدسي انفسهم في مواجهة مع واقع جديد مفروض عليهم بالقوة، في غياب الصف الاول من القادة الذين تمردوا على واقعهم وبحثوا عن اسباب التخلف خارج الحدود. وقد ادى ذلك لحالة من التشرذم الفكري والنفسي والسياسي خلطت الاوراق وتداخلت فيها الامور وتشوشت الاذهان. ولقد كان ثمة اعتقاد بان الانقلاب على حكم الاخوان في مصر سيعيد الصواب الى تفكير المحسوبين على «السلفية الجهادية» فيكتشفون خطر الثورة المضادة ويتصدون لها، ولكن حدث امر معاكس لذلك. ونتيجة ضخ الاموال النفطية بمعدلات غير مسبوقة، واختراق المجموعات المسلحة في عدد من البلدان، وجهت البوصلة الى عكس اتجاهها الطبيعي وحدث ما يحدث الآن من اقتتال بين الاخوة – الاعداء. ففي حالات الصعود النفسي والسياسي يتوحد عشاق الحرية على طريق النضال والجهاد من اجل تحقيقها، ويتم تناسي القضايا المختلف عليها، وهي هامشية وفرعية في الاعم الاغلب. ولكن الذي حدث عكس ذلك تماما. من هنا يعكس البيان الذي اصدره ابو محمد المقدسي قبل شهر واحد (26 مايو/ايار 2014) من سجنه في الاردن ما كان يشعر به من ألم ازاء تطورات الساحة في صفوف السلفية الجهادية. وعبر في ذلك البيان عن غضبه لما تمارسه «داعش» التي اعتبرها متمردة على «شرعية» تنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري. وجاء في ذلك البيان:
«نحن نعلن هنا أن تنظيم الدولة في العراق والشام؛ تنظيم منحرف عن جادة الحق، باغ على المجاهدين، ينحو إلى الغلو، وقد تورط في سفك دماء المعصومين، ومصادرة أموالهم وغنائمهم ومناطقهم التي حرروها من النظام، وقد تسبب في تشويه الجهاد، وشرذمة المجاهدين، وتحويل البندقية من صدور المرتدين والمحاربين إلى صدور المجاهدين والمسلمين .. إلى غير ذلك من انحرافاته الموثقة «.
وذهب المقدسي الى ابعد من ذلك، فتطرق الى مسألة الشرعية وما اذا كانت «داعش» تستند الى تقعيد شرعي معتبر، فقال: «هذا البيان هو بمثابة سحب الغطاء الشرعي عن هذا التنظيم العاق لقيادته، وهو بمثابة إعلان البراءة من نهجه المغالي وسفكه الدماء المعصومة، المشوه للجهاد والمجاهدين، والضال عن سبيل الله لانحرافاته وبغيه وإمتناعه عن حكم الله». انه تعبير عن اليأس من اصلاح هذه المجموعة التي واصلت طريقها لاحقا لتحقق انجازات كبيرة على ارض العراق، ولتطرح نفسها بديلا للتنظيم الام الذي انشقت عنه وتمردت على قيادته. ورأى المقدسي ان عليه مسؤولية اضافية ازاء «داعش» في ضوء ما حدث قائلا: «صار لزاما على أهل الجهاد التحذير منه، ودعوة المجاهدين إلى مفارقته والانحياز إلى أهل الحق والجهاد الأتقياء الصادقين، ليلتئم أمر الجهاد، وتتوحد صفوف المجاهدين، فإن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ولا يرضى لأهل الجهاد التفرق والتشرذم الذي يذهب بالريح، ويضعف الجهاد، ويسلط عليهم الأعداء.»
وليس معلوما بعد ما اذا كان المقدسي سيغير ايا من مواقفه المذكورة بعد خروجه من السجن. فهناك مستجدات عديدة من بينها ان «داعش» بسطت نفوذها على مساحات واسعة في العراق، وقد يجد الشيخ الذي قضى في السجون الاردنية 14 عاما من عمره، نفسه محاصرا بالاتباع الذين قد يرى بعضهم ضرورة التلاحم مع «داعش» للحفاظ على المكاسب السياسية التي حققتها، ولكن من المحتمل ايضا ان يعتبر المقدسي تلك الانجازات خطرا يتهدد السلفية الجهادية التي يراها البعض «اداة» بايدي انظمة استبدادية، متحالفة مع الغرب، وتسعى للتصالح مع الكيان الاسرائيلي، بل ربما تتعاون معه ميدانيا. وفيما يرى البعض ان تمدد «داعش» سيقوي التيار المتشدد، فثمة من يرى ان اقامة دولة تحت رعاية تلك الانظمة يعتبر انقلابا على ايديولوجية الجهاد التي تبناها بن لادن وأسس تنظيمه عليها. وهكذا يتحول العراق والشام الى فتنة ومحنة واقتتال ليس بين مواطنيهما فحسب، بل في اوساط المجموعات المقاتلة التي لم تحقق توافقا داخليا او اجماعا فكريا حول مشاريع الحرب او الغزو، وحول ثقافة القتل واراقة الدم وتصفية المخالفين. ولعل الاهم من ذلك تشوش الموقف لدى هذه المجموعات ازاء التعامل الايجابي مع انظمة الاستبداد وحلفائها الغربيين، واعادة كتابة مفاهيم الحرية والوحدة وتحرير الارض ورفض الاستبداد. وفي ما يتعلق بالانتماء الاسلامي، فان من أخطر التحديات تحديد الاولوية حين يتحقق التمكين في الارض: اهو اقامة العدل كنظام ديني محوري ام المسارعة لتطبيق الحدود الشرعية في غياب النظام العادل!
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي