‘السلفي اليتيم’ لحازم الأمين: دراسة للنفوذ الفلسطيني في الحركات السلفية الجهادية

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: يقدم الصحافي حازم الأمين في كتابه الصادر حديثا عن دار ‘الساقي’ بعنوان (السلفي اليتيم ـ الوجه الفلسطيني لـ ‘الجهاد العالمي’ و’القاعدة’)، تصويرا مفصلا عن الهوية الفلسطينية ودور الفلسطينيين تحديدا في تشكيل الثنائية الجامعة ما بين السلفية، كعقيدة، والجهاد كممارسة عملانية، وبالتالي النفاذ إلى ‘الجهاد العالمي’ انطلاقا من جهود بعض الفلسطينيين بُعَيد النكبة. الكتاب، بما يحمل من جهود بحثية قام بها الأمين، يتجه منذ صفحاته الاولى إلى تصويب أصول ظاهرة السلفية الجهادية السائدة اليوم، والمتمثلة في تنظيم القاعدة بوصفه الجماعة المسلحة الأكثر قوة وقدرة على تنفيذ هجمات ضد الامريكيين وقوات الأطلسي ومدن الغرب. ولا يخفى أن الكتاب يثير التساؤلات، بقدر ما يثير الاستغراب والتعجب للوهلة الاولى. وبغض النظر عن موقف القارئ النهائي من سياقه العام، يتضح أن الكاتب سعى إلى توظيف تفاصيل من سيرة حياة فلسطينيين ‘جهاديين’ أوائل، لبناء عجينة يطوِّعها، ليصل إلى تثبيت وجهة نظره فيها، مستعينا بالتغييرات الإقليمية والدولية من جهة، والمستجدات الفكرية من جهة أخرى، إضافة إلى الحقائق التاريخية التي يلتزم بها في سياق زمني، للمرور بكافة الوجوه ‘الجهادية’ ودراستها سوسيولوجيا وفكريا مركِّزا على واقع أنها تحمل الجنسية الفلسطينية أو أنها ذات أصول فلسطينية. السؤال الأبرز الذي ينكشف بعد قراءة الكتاب، يتمثل في مدى فعالية هؤلاء الفلسطينيين في مسار ‘الجهاد العالمي’، وليس توارد أسمائهم فقط. ذلك أن المجموعات ‘الجهادية’ التي تأسست على أيدي صالح سرية (كان الفلسطيني الوحيد في تنظيم سري بناه في مصر) ومحمد سالم الرحال (أسس تنظيم ‘الجهاد الإسلامي’ وفُكِّكَ عام 1984. خرج الرحّال من السجن مصابا بالشيزوفرينيا وطعن والده وأودع السجن من جديد، وهو لا يزال هناك إلى اليوم)، لم تربط مباشرة بين الهوية الفلسطينية والجهاد، ولم تُعن بالقضية الفلسطينية بنحو سياسي أو نضالي مباشر كما لم تطرح الإسرائيليين عدوا مباشرا، وهو ما لا يتفق مع ما يوحي به عنوان الكتاب للقارئ. بذل الكاتب جهدا ملموسا، في دراسة أصول هذه الظاهرة، ولا شك في أن ما يعرضه في الكتاب من محطات، تتفق تماما مع كون بعض فاعلي المسار ‘الجهادي’ فلسطينيين، أثّروا، أو التقوا، بجهاديين آخرين، أو انفصلوا فيما بعد (كعلاقة عبدالله عزام بأسامة بن لادن واختلافهما فيما بعد). لكن الكتاب، بلا شك، يحل لنا الكثير من أسرار تشكيل التنظيمات ‘الجهادية’، وأفولها السريع، وكيفية تشكلها، وبهذا، لا يألو الكاتب جهدا كي يبين لنا شخصيات لم نعرف عنها سوى النزر اليسير، ليضعها في كتاب يعد بمثابة مرجع واحد، وحديث، نحن في أمس الحاجة إليه في الوقت الراهن لنفهم أكثر ذهنية قيادي تلك التنظيمات، ومدى إسهام البيئة المحيطة بهم، والظروف المعيشية الصعبة والضائقة الاقتصادية والانغلاق عن العالم الخارجي الواسع، ودورها جميعها في ترسيخ الميول ‘الجهادية’ في بلدان بعيدة عن مركزية القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط. وبحسب ما جاء في مقدمة الكتاب، فإن آخر الشخصيات الفلسطينية التي ورد اسمها في سياق أعمال عسكرية ضد جنود أمريكيين، هو الرائد نضال حسن الذي كان طبيبا في الجيش الأمريكي وفتح النار فجأة على زملائه في الجيش موقعا ثلاثة عشر قتيلا عسكريا ومدنيا واحدا، ليلحق به بعد أقل من شهرين، همام البلوي، وهو أردني من أصول فلسطينية، إذ قام بتفجير نفسه بقاعدة للـ ‘سي آي إيه’ في أفغانستان موديا بحياة سبعة عسكريين أمريكيين وضابط أمن أردني، كذلك مقتل القيادي في تنظيم القاعدة، محمود مهدي زيدان وهو أردني من أصول فلسطينية، بغارة أمريكية على قواعد التنظيم في باكستان (زيدان تتلمذ على يد شيخ فلسطيني أيضا هو خالد بن فتحي الأنصاري كان قد قتل أيضا في باكستان قبله بأشهر). بهذه الوقائع الطازجة، يدخلنا الأمين في قلب كتابه، مهيئا إيانا لتقبل الصدمة، وأن نزيح عن فكرة أن للجهاد بنسخته السائدة اليوم، أصولا خليجية، أو سعودية تحديدا. ففي الفصل الاول من العمل، والذي يحمل عنوان ‘باكورة الجهاد العالمي: صالح سرية ومحمد سالم الرحّال’، يعرفنا الامين، على رجلين، طواهما الزمن، لربما، ولم يعد لهما عظيم شأن قياسا بالصراع القائم والذي يحمل الكثير من التأويلات والالتباسات ما بين القاعدة وحلف شمال الاطلسي الذي تقف وراءه الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن الوقوف عند سيرهما الذاتية، وعلاقة الأول منهما (سرية) برموز عراقية سيادية كعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، بالإضافة إلى زينب الغزالي (قيادية بارزة في جماعة الإخوان المسلمين)، والخلافات الظاهرية التي أعلنت نفسها بين سريّة وجماعة الإخوان، كلها تشير إلى أهمية الرجل الرمزية في إنشائه التجربة الأولى لـ ‘الجهاد المسلح’ في مصر. أما الرحّال، فيورده الكاتب بقدر أقل من الأهمية، فمحاولاته ‘الجهادية’ باءت بالفشل وأودع السجن كما ذكرنا، وهو اختار في مسيرته الهامش ‘الجهادي’ في البيئة الإسلامية، مبتعدا بذلك عن خط جماعة الإخوان المسلمين الملتزمين بالعقيدة السلفية دون الجهاد، وهذا ما نأى به جانبا خارج اهتمامات التنظيم الإسلامي الأكبر في ذلك الوقت. غير أن الرجل الذي يمكن اعتباره شكـّل ثقلا حقيقيا في ‘الجهاد العالمي’، كان عبدالله عزام. فهو بحسب ما يذكر المؤلف، ظل السؤال الأول في ما يتعلق بعلاقة تنظيم ‘القاعدة’ بالفلسطينيين، على الرغم من أن عزام لم ينتمِ يوما إلى التنظيم، بل ظل على التزامه بجماعة الإخوان حتى يومه الأخير، على الرغم من أنه توجه إلى باكستان عام 1981 ليكون قريبا من المقاتلين الأفغان ضد الاحتلال السوفييتي. فعزام تلقى تدريباته الأولى كشيخ إخواني في معسكرات فتح في الأردن قبل عام 1970. وبعد حوادث أيلول الأسود، اضطر الإخوان إلى الوقوف إلى جانب سلطة الملك حسين ضد الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها فتح، فوجد عزام نفسه خارج بوتقة الإخوان وبعيداً في منهجه الفكري عن منهج فتح وممارساتها، فتوجه إلى القاهرة، ومن ثم إلى الأردن ليعمل مدرسا للشريعة فيها، فالسعودية، فباكستان. ثم تعرف بأسامة بن لادن، الذي أصبح ممولا وحيدا لـ ‘مكتب خدمات المجاهدين’ في بيشاور الذي تولى استقبال شبان عرب من كافة البلدان، للالتحاق بالمقاتلين الأفغان. عبدالله عزام اعتبر المشرف على هذا المكتب. غير أن خلافات بين عزام وبن لادن قامت على أثر أمور لوجستية داخل المكتب إضافة إلى تحلّق عناصر من جماعة الجهاد المصرية (بزعامة أيمن الظواهري) حول بن لادن. فعزام تحصن بخلفيته الإخوانية، بينما كان بن لادن اختار مسارا مختلفا مع أعضاء جماعة الجهاد، بحسب الكتاب. إذن، فالرجلان التقيا في خضم معركتهما ‘الجهادية’ ضد الجيوش السوفييتية التي كانت تحتل أفغانستان، فيما سلك كل منهما في اتجاه لاحقا. واغتيل عزام في بيشاور عام 1989. وفي الفصول اللاحقة من الكتاب، يسهب البحث في تشكيل كل الملامح المطلوبة لأبي مصعب الزرقاوي (أحمد فاضل نزال الخلايلة)، وعلاقته بأستاذه ورفيقه في السجن عصام البرقاوي الشهير بأبي محمد المقدسي (لكن الرجلين تعرفا إلى بعضهما بعضاً في بيشاور وتحديدا في منزل الفلسطيني أبي وليد الأنصاري الذي كان التقى بدوره عبدالله عزام في فترة ما). المقدسي هو من وسم مدينة الزرقاء الأردنية (مسقط رأس أبي مصعب)، بالسلفية الجهادية كما يقول حازم الأمين. فالأمر إذن لا يتعلق بالزرقاوي، بل بالمقدسي الشيخ الفلسطيني الذي عاد إلى الأردن من الكويت عام 1991. والمقدسي، الذي سيُقتل ابنه عمر البرقاوي في العراق عام 2010 في اشتباك مع القوات الأمريكية والعراقية، هو أول من أدخل التراث الوهابي وفتاوى أئمة الدعوة النجدية في الإطار النظري لـ ‘السلفية الجهادية’ فيما كانت فلسطين غائبة عن أدبياته. ويوعز الكاتب ذلك إلى تصدع الوهابية الأولى بسبب البنية النفسية الشتاتية، وإلى أن الاسلام كان هوية بديلة سعى فلسطينيون كثر إلى الالتزام بها كتعويض عن هوية جغرافية مشتتة، وبخاصة أنهم كانوا يقيمون في مجتمعات لم تقبل بهم، وقاومت اندماجهم فيها، ولا تزال. ويعمد الكاتب في الفصل الرابع إلى الإحاطة بتفاصيل الحياة الاجتماعية في مدينتي الزرقاء وسلط، ويركز على الخطوات التي انتهجتها الحكومة الأردنية في تصويب الاتجاه الديني، كما والاحتفاءات بالشهداء في الأردن، ويذكر الأمين على لسان شاهد، الطقوس ‘المغلوطة’ التي كانت قائمة آنذاك، والتي كان أول من تصدى لها الفدائيون الفلسطينيون عندما أقاموا معسكراتهم في محيط مدينة الزرقاء في نهاية ستينيات القرن الفائت، حتى أن الشاهد يقول إن ثمة اعتقاداً في أوساط بني حسن يتمثل في أن الفلسطينيين خسروا الحرب مع الجيش الأردني (1970) بسبب سعيهم لاقتلاع هذه العادات. ويفرد الكتاب كذلك فصلا كاملا للحديث عن أبي قتادة (عمر أبو عمر) الفلسطيني الذي سكن في منطقة رأس العين في عمان، وهو حائز على درجة الماجستير من كلية الشريعة. يكشف الكاتب ملامح عدة من شخصية الرجل، ويقيّم، كما فعل في الفصول السابقة، صرح كتابه بناء على شهادات من عرفوا أبا قتادة، أو التقوا به خلال فترة من حياتهم. يتضح أن أبا قتادة، لم يولِ اهتماما بالقضية الفلسطينية، بل آثر الابتعاد في المقابل عن السلفية التقليدية ‘الساكنة والصامتة’ بحسب ما يورد المؤلف، فأسس مع رفيقه في السلفية والكتابة حسن أبو هنية ‘حركة أهل السنة والجماعة’ التي لم تحسم موقفها تماما بشأن السلفية السرورية (نسبة إلى محمد سرور الشيخ السوري الذي عرف نفوذا سلفيا في الخليج العربي بعد هربه من السلطات السورية وإقامته في السعودية). أما الفصل الأخير من الكتاب، والذي يحمل عنوان ‘الشتات اللبناني أو السلفية اليتيمة’، فتطرق إلى مسألة ظلت مثار جدل واسع في لبنان، في الأوساط الشعبية، وكذلك في المخيمات، وهي مدى حقيقة سلفية الجماعات الموجودة في لبنان وجهاديتها، وما هي أسباب استقدامها إلى المخيم في فترة السنوات الأخيرة. يأخذ الكتاب ‘عصبة الأنصار’ نموذجا أكبر للدراسة، ومن ثم ‘جند الشام’ المنشقة عنه، وكذلك ‘فتح الإسلام’ مبقيا حدها تحت سقف المحاولات الفردية لأقطاب هذه الجماعات، متجاهلا دور الدول الإقليمية فيها وتوظيفها في معادلات لبنانية داخلية لمواجهة امتداد ‘حزب الله’ حينا أو لإرساء قوة سنية في سعي لمعادلة ميزان القوى في الحياة السياسية اللبنانية، وغير ذلك مما قيل. مخيما ‘عين الحلوة’ و’ نهر البارد’، يمثلان نموذجين أساسيين نظرا للتطورات الأمنية والصدام مع الجيش اللبناني واختفاء بعض قياديي هذه التنظيمات الإسلامية المسلحة. ومرة أخرى، نلتفت إلى الجهد الشخصي الذي قام به الكاتب، في مقابلة العديد ممن عايشوا تلك الفترة داخل المخيمات وممن كانوا مقربين من بعض النافذين في تلك الجماعات. ‘السلفي اليتيم’، لا يعرض لوقائع وحقائق فقط، بل نلحظ أيضا بين المقاطع السردية لسِيَر الأسماء الأبرز، تحليلا جديا لربط العلاقة التربوية والبيئة لهؤلاء، ومن ثم قياس مدى تأثير القضية الفلسطينية على تحول مسارات، واتباع خيارات ربما ظلت البيئة الأردنية والكويتية الأبرز فيهما للطبيعة الصحراوية والعلاقات الاجتماعية الخاصة والمنعزلة ضمن امتدادات هذه البيئة في الاردن وصولا إلى مناطق السعودية ومصر والعراق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية