السنة والشيعة: الحلول المنقوصة
د. خــالد الطــراوليالسنة والشيعة: الحلول المنقوصة كانت أيام السقيفة أياما حاسمة في مسار حركة التاريخ الاسلامي، ولعل كل حادثة وقول وفعل وصمت وحديث ومواقف وممارسات وقعت في ذلك المشهد العام والخاص، قد أعطي لمسار الأمة توجها معينا وعلاقات محددة بين أطرافه ومجتمعاته وأفراده وفرقه… كتب التاريخ اٍلاسلامي اذا علي وقع آثار هذا اللقاء المفصلي في حياة أمة وحضارة، وكانت أياما لها ما بعدها. ولعل تحول الاختلاف السياسي الي خلاف عقــائدي ودخول اللون الأحمر فيما بعد علي الخط، زادا هذه العلاقة ارباكا وتشرذما، وساهما في زعزعة استقرار الأمة وانقسام وحدتها الي فرق وطوائف، لعل أكثرها حساسية ووضوحا ما فرّق بين السنة والشيعة.لم تخل هذه العلاقة من لحظات تاريخية محددة ومتميزة مثلت نقاط توتر عالية في ظل حالة عامة اصطبغ أغلبها بهدوء مشرئب بالتوجس أو بالرضا بالقليل المتعارف عليه، تحت سطوة السياسة أو التقية أو الرضوخ. لقد كان لدخول البعد العقائدي في هذه العلاقة الأثر الكبير في تمزقها أو وقوفها علي جرف هش يكاد أن ينهار في أي لحظة من ليل أو نهار… لقد كانت السقيقة لحظة تاريخية، كانت انطلاقة التاريخ، وكانت الفتنة الكبري لحظة مميزة، وكان مقتل الحسين رضي الله عنه لحظة أخري، وكانت ثورات ومقتل أئمة آل البيت لحظات متجددة، وكان دخول التتار بغداد وحادثة الوزير العلقمي لحظة جديدة، وتتوالي هذه اللحظات التاريخية شرقا وغربا علي وقائع تكوّن امارات ودول شيعية أو تفككها.كانت هذه اللحظات تمثل نقاطا قصوي في هذه العلاقة في اعتمادها الصارخ والعنيد في استجلاب التاريخ والتعويل عليه في كسب شرعية التواجد ومصداقية المواجهة والخلاف، فيدخل هذا التاريخ بمعسكره الحامل لأدواته المقدسة والمعصومة وتدخل محاكم التفتيش علي الخط، ويستظل الجميع تحت رايات التكفير والتجهيل…تدخل الأمة مجددا هذه الأيام في هذه اللحظات التاريخية القصوي والخطيرة في العلاقة بين طرفي الأمة علي وقع مصالح متشابكة داخلية وخارجية، حُمل بعضها علي ظهر دبابة تحمل أرقاما غير وطنية، والبعض الآخر علي ظهر نياق يحملن يافطة اسلامية أو علمانية! ويُستدعي التاريخ مجددا من لياليه المظلمة ويعاد نسج قميص عثمان رضي الله عنه من جديد، ويقف أبو لؤلؤة علي خبث وفي مزاره وهو يمسك من جديد بخنجره لطعن الخليفة الثاني رضي الله عنه، ويسقط رأس الحسين الشريف مجددا بين صياح وعويل وضوضاء ودعوة آثمة للثأر ولو من جيل القرن الرابع عشر!لقد كتبت منذ مدة مقالا حول السنة والشيعة وضرورة الخروج من التاريخ لرأب صدع هذه العلاقة المتهاوية وحل هذه الأزمة المتعاظمة، اعتبرت فيه أن كل محاولة للتقريب والتعايش تكون مبنية أساسا علي الدعوات للندوات واللقاءات المشتركة وعلي نداءات التفاهم والتفهم لاختلاف الآخر وتميزه، ليست مجدية ولا تؤدي في أقصاها الا الي عقود مجاملات وبشاشة تملأ محيّا كل الأطراف وتنتهي بمجرد انتهاء اللقاء ومغادرة الجميع قاعة الحفل، ولا تزيد الأزمة في النهاية الا استفحالا وتشددا، خاصة بين عامة الناس، وان كانت تظل تطبخ في بعض الأحيان علي نار هادئة! ولقد رأيت في ذلك المقال أن سبب الفشل وان كان مقنّعا، يعود أساسا الي هذه الغفلة في استدعاء التاريخ مجددا ولو بدعوي الفهم والتفاهم والمصارحة، والبناء علي هذا الزخم الهائل من المقدس التاريخي الذي يستقرئه كل طرف لتدغيم أمسه وحاضره ومستقبله.ويتأكد لي هذا الرأي مجددا بعد اللقاء الذي وقع في الدوحة أخيرا وجمع العديد من علماء الأمة من كل الطوائف والذي شابته كثير من لحظات متوترة، ولم يخرج بنتائج حاسمة تنعكس مباشرة وبسرعة علي الأوضاغ الخطيرة التي تمر بها الأمة. ويزداد تشبثي بهذا الموقف واعتباره الأصلح ولعله الأسلم في معالجة هذه الأزمة المستفحلة باستبعاد اللجوء للتاريخ في محاولة التقريب بين الأطراف، فيما واكب اللقاء الأخير الذي جمع علي الهواء مباشرة الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ رفسنجاني، من سطحية وعدم نجاح في شفاء انتظار المشاهدين والاستجابة لتلهفهم. لقد لمسنا جميعا هذا الفشل حيث تجلي تناقض الخطابين، فبقدر ما طالب الشيخ القرضاوي بافصاح الطرف المقابل بكل وضوح ودون تردد عن رفضه لبعض المقولات والمواقف التي تطفح بين الحين والآخر لدي الشيعة وتجد لها مواقع داخل الكتب الصفراء والمعاصرة، وخاصة تجاه الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبقدر ما كان المطلب واضحا، بالقدر الذي كان رد رفسنجاني ديبلوماسيا وهادئا يدعو الي وحدة المسلمين ورأب صدع الهوة التي تمزقهم، دون التعرض لأي من تساؤلات القرضاوي، وبقي المشاهد علي تعطشه وانتظاره، وخاب أمل الجميع في الوصول الي هذا الشجب العام لكل ما يطال هذا المقدس من تطاول واستفزاز. كانت أطر التشخيص والتساؤل مختلفة، فكانت الأجوبة مختلفة، فبين الاطار العقائدي الذي انطلق منه الشيخ القرضاوي واعتبر خطورة ما يقع انطلاقا من توظيفه، وبين التشخيص السياسي الذي استند اليه الشيخ رفسنجاني وجعله يقرأ الأحداث في بعدها السياسي الضيق، ظهرت الفجوة وسقطت منهجيتان لعدم صلوحيتهما. سقطت منهجية المصارحة لأنها سعت الي فتح قنابل موقوتة وتستدعي اللجوء الي مقدسات حاسمة ومتناقضة، وسقطت المجاملة لأنها لا تستطيع الوقوف عند بابها وتقنع الطارق أن لا يجتاز العتبة، وهو لا يري دخول الدار الا مطية لما بعده وهو البيت العقائدي الذي يراه المنزل والمستقر.لم تكن المصارحة حلا ولم تكن المجاملة حلا، فكلاهما يصطدم بمقدس صلب وتاريخ أصلب ويصبح اللجوء اليه حتميا، حينيا ومباشرا أو بعد حين ومتأخرا وعلي مراحل، يعود اليه كل طرف ويستند الي رواياته ورجاله، فتقع المواجهة مصارحة أو مجاملة.لقد كانت أكثر لقاءات الشيعة والسنة نجاحا في التنزيل ما وقع في الستينات من القرن الماضي من قبول للمذهب الجعفري داخل جامع الأزهر واعتباره خامس المذاهب الاسلامية الفقهية، وتوقف التقارب والقبول في مستوي فقهي بسيط ينتهي عند العبادات وفقه الطهارة والرضاعة وما شابهها، وهو حل جميل وطيب لكنه لم يستطع ولن يستطيع أن يتجاوز هذه المحطة العبادية الضيقة دون حدوث أزمة، ولا أن يتبلور الي قبول كامل ومتبادل يملؤه الصفاء والوضوح كما هي الحال لبقية المذاهب الأربعة.ورغم هذا الدخول الفقهي الضيق لرحاب الأزهر الشريف، فقد بقي دخوله علميا بحتا وعباديا خالصا، وظل حذرا ولعله وقف عند الباب بالنسبة لمخيال العامة من المسلمين السنة، حيث لم يتجرأ أحد أن يفتح باب الفقه السياسي علي مصراعيه خوفا مما يحمله من أوجاع ومفارقات وخلافات جوهرية وقاسية.ان أربعة عشر قرنا لم تفلح في لمّ الشمل ولن تعيده القرون المقبلة اذا تواصل الاستناد لهذه المنهجية التي ظلت ترقب التاريخ من طرف خفي، هذا التاريخ الذي يحمل جراحا وتوترات ويستند الي مقدسات يعتبرها كل طرف أنها الحق ولا سبيل الي رفضها أو حتي تأويلها.تبقي المنهجية السليمة القادرة علي رأب هذا الصدع التاريخي في عدم اعتماده، واذا كانت القاعدة تقول ان من ليس له تاريخ لن يكون له حاضر ولا مستقبل، فانها تنتفي في حالنا ونحن ننسج علاقة الوفاق والتفاهم بين طرفي الأمة، واذا أردنا أن يكون لنا حاضر يجمعنا ومستقبل يوحدنا، فانه يجب ترك هذا التاريخ بعجالة ودون تردد.لن نستطيع تغيير هذا التاريخ و لامقدسات كل طرف، ولن نستطيع سوي قراءته من خلال ثقافة وعقلية ومقدس كل مجموعة، ولن نكون داخل التاريخ مجددا الا اذا كنا خارجه في هذه النقطة المنعزلة والأساسية في مشوار مجتمع وأمة وحضارة، وهي مفارقة غريبة ولا شك ولكنها تمثل حلا هيكليا ودائما يبني للحاضر ويؤسس للمستقبل علي وعي ورشد واحترام متبادل.ہ رئيس اللقاء الاصلاحي الديمقراطيتونس8