‘السنوات السوداء’ لهجرة اليهود المغاربة نحو إسرائيل

حجم الخط
0

فيلم ‘وداعا أمهات’ للمخرج محمد إسماعيل:

سعيد فرديينحو المخرج المغربي محمد إسماعيل، في توقيعه السينمائي الجديد ‘وداعا أمهات’ منحى توثيقيا لأحداث ووقائع بعينها، محملة بملابسات وتداعيات، شهدتها فترة زمنية مهمة من تاريخ المغرب. ويتعلق الأمر بهجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل سنوات الستينات، في تناول سينمائي شيق بمفاجآته لسيرورة ومحطات ومنعطفات مفصلية، طبعت حياة فئة اجتماعية إنصهرت في نسيج المجتمع المغربي، تأثرت بتقاليده وعاداته وأثرت فيه وفي طبيعة العلائق وأنماط العيش داخله.

تجاذب نزعتي البقاء والرحيليستند محمد إسماعيل في بناء فيلمه ‘وداعا أمهات’ على حقائق تاريخية وظفها بشكل فني في قصة بسيطة بأحداثها ووقائعها، قصة مؤطرة في سياق تاريخي عرف فيه المغرب ومنذ عدة قرون كبلد للتسامح وتعايش الأديان، حيث عاش المسلمون والنصارى واليهود في أمن وسلام، إلى الحد الذي نسجوا فيه علاقات إنسانية، تميزت بطابع أخوي قل نظيره دون تمييز بين الأديان.

يتناول فيلم ‘وداعا أمهات’ لمحمد إسماعيل طبيعة العلاقة بين أسرتين لأحداث مبنية على وقائع حقيقية، واحدة مسلمة والثانية يهودية من خلال حسن الجوار والصداقة التي تجمع بينهما، والفيلم بذلك يعرض لخطاب / discoure يحتفي بالقيم الأخوية والمبادرات الاجتماعية التي تجسد روح التعايش والتسامح والوفاء التي تربت عليها الشريحتان المسلمة واليهودية عبر عدة قرون، فتنسج علاقة حب بين شاب مسلم وفتاة يهودية ستقبر في بدايتها بواسطة والدين محافظين، وستتطور الأحداث في منحى يزاوج بين الكوميديا والتراجيديا.. العائلة اليهودية ستجد نفسها في مواجهة موجة كبيرة وجارفة للهجرة والترحيل بين صفوف اليهود بضغط وتوجيه من طرف مصالح الهجرة الإسرائيلية، ستنتهي بمغامرة لعائلات يهودية مغربية سيجري ترحيلها عبر البحر في باخرة لن تصل أبدا إلى وجهتها.’وداعا أمهات’ موضوع معقد ومؤثر موقع بكتابة سينمائية راقيةفتح محمد إسماعيل في ريبرتوار السينما المغربية بفيلمه ‘وداعا أمهات’ نافذة أخرى بخصوص موضوع الهجرة في السينما المغربية، وذلك عبر كتابة سينمائية، تتوسل توظيف آليات النبش والتنقيب في الجزئيات والتفاصيل للحياة اليومية لفئة اليهود المغاربة، من خلال حركة اليهود المغاربة نحو إسرائيل.

وركز المخرج في رؤيته السينمائية لـ’وداعا أمهات’ على أسر يهودية تحمل الجنسية المغربية، تصطدم بواقع طارئ عليها وهو الهجرة إلى إسرائيل، وفي فترة تزامنت مع أوج الصراع العربي ـ الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، ودخول المقاومة الفلسطينية على خط التماس المباشر مع الكيان الإسرائيلي.

ولعل زمن السرد السينمائي الذي ركبه مخرج ‘وداعا أمهات’ فترة الستينات والمغرب خارج على التو من استعمار فرنسي بسنوات محسوبة ومحدودة، يوحي بأن محمد إسماعيل قد تخلص على الأقل من راهن موضوع هجرة الشباب العاطل صوب الضفة الأخرى، إلى أوروبا طمعا في حياة أفضل في الجنة الموعودة، كما سبق له وعالج ذلك في فيلمه المميز ‘وبعد’. في المقابل تبدو رؤية محمد إسماعيل في مسلك الكتابة السينمائية التي اعتمدها في ‘وداعا أمهات’ وإن كانت تبدو وللوهلة الأولى أنها توظيف توثيقي، يستند إلى التذكر والاسترجاع لمحطات كبرى وقوية من تاريخ اليهود المغاربة واليهود بشكل عام، لكنه مع توالي أحداث ووقائع قصة تحكيها متواليات مشهدية، تتعدد فضاءات وأمكنة سردها في قالب فني وتقني مغاير عما اعتمده المخرج حسن بنجلون في فيلمه ‘فين ماشي يا موشي’. ونكتشف هذا التميز أو الاختلاف عندما نحلل ونستقرئ طريقة التناول والمعالجة لكل واحد منهما، وكذا بالنسبة للبناء السينمائي للفيلمين معا.

فمحمد إسماعيل المعروف عنه تعوده على مقاربة ظاهرة الهجرة بكل أنواعها وتلاوينها بما فيها الهجرة السرية وويلاتها، ففي ‘وداعا أمهات’ نلمس توظيفا ذكيا للأحداث المسرودة سينمائيا، وهو ما يشير إليه المخرج عند حديثه عن المستوى الفني والتقني للفيلم الذي خص به وسائل الإعلام بالقول: ‘قمنا باختيار دقيق للديكورات التي ستجري فيها أحداث الشريط عبر مختلف المدن التي شهدت في الماضي كثافة سكانية يهودية مهمة وهذا عامل يزيد من واقعية الفيلم، كما صورنا في بعض الأماكن التي تركها اليهود الذين هاجروا، ديكورات تنبض بالحياة وكأن سكانها لم يغادروها إلا في الأمس.. لقد تم القيام بعمل جبار على مستوى اللباس والأكسسوارات والسيارات المستعملة من أجل أن نجعل المشاهد يعيش فترة الستينات بكل أبعادها وطقوسها’. وهي تقنيات سينمائية تجعل المشاهد / المتلقي وهو يشاهد ويتابع مشاهد ‘وداعا أمهات’ مشدودا لتلك المشاهد ومتأثرا ومنفعلا بها في دواخله، للتوظيف الجيد والمؤثر للصورة التي تمزج بين الصورة الثابتة والمتحركة في نفس الآن، وكذا لسحر وجاذبية الممثلين المتحاورين، حيث أشرك المخرج محمد إسماعيل في تشخيص أدوار شخصيات ‘وداعا أمهات’ الممثل رشيد الوالي إلى جانب مارك صامويل، سعاد حميدو، نزهة الركراكي، حفيظة قسوي، كريستيان دريو وأحمد العلوي وآخرين… إضافة إلى التوظيف الموسيقي الموفق داخل مشاهد ولقطات الفيلم.

موضوع إنساني غير مسبوق تطرقه السينما المغربيةوحول هذا العمل السينمائي سبق أن قال محمد اسماعيل للصحافة والمهتمين: ‘ان شريط ‘وداعا أمهات’، يتناول موضوعا معقدا ومؤثرا، حيث يستحضر فترة كانت تتميز بتعايش وصفاء كبيرين مع وجود طائفة مهمة من اليهود بالمغرب، إذ نسجت وطيلة عقود علاقات أخوة اتسمت بالانسجام بين اليهود والمسلمين.. وهو موضوع إنساني لم يسبق التطرق إليه في السينما المغربية’، وأضاف موقع ‘وداعا أمهات’: ‘ان ما تكتسبه هذه الفترة من أهمية من حيث غناها على مستوى الأحداث، هو الذي حفزنا إلى إنجاز هذا العمل.. ركزنا بشكل كبير على فترة الستينات الموصوفة بـ’ السنوات السوداء لهجرة اليهود’ والمتميزة بنوع من الصعوبة لأنها تمثل الدفعة الأولى لبداية الهجرة السرية لليهود المغاربة’.* ناقد فني/ المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية