السنوار وعودة صورة البطل في وعي الفلسطينيين

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله ـ «القدس العربي»: يحق للفلسطيني أن يرى في مشهد استشهاد يحيى السنور، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس كما يشاء، إنها خسارة ثقيلة، لكنها تحمل أملا أكبر، ففعل السنوار وممارساته على مدى عام كامل، ومشهد النهاية البطولي، أعاد إلى الأذهان صورة البطل والقائد الشعبي، لقد «رسم الصورة الأثيرة في وعي الفلسطينيين» كما يقول وزير الثقافة الفلسطيني السابق عاطف أبو سيف.

لقد عرضت إسرائيل مكافأة قدرها 400 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عن مكان وجود السنوار، لكنه نجح ونجا وأفلت من الاحتلال خلال عدوان شامل على قطاع غزة، وصولا إلى أن استشهد في اشتباك مسلح مع جيش الاحتلال، وذلك قبل يومين من ذكرى الإفراج عنه من سجون الاحتلال في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2011 وذلك في نفس الشهر الذي أطلق فيه «عملية طوفان الأقصى» وقبل ثلاثة أيام من ذكرى مولده في 19 تشرين الأول/أكتوبر.
الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة، يرى أن السنوار مثل ربطا وثيقا بين السياسي والعسكري في/ وداخل حركة حماس، «فهو القائد الجامع للبعدين معا، فقط كان لذلك أهمية بالغة في فترة ومرحلة انقطاع الاتصال وتعقد الموقف الميداني خلال العام الماضي، فقد كان صانعا للقرار الميداني والسياسي وهذه قيمة مهمة».
وأضاف: «يمكن أن نرصد أن هناك بعدا سياسيا لهذا الرحيل، أعتقد أنه متصل بكل التحولات التي تسعى إسرائيل إلى أحداثها على مستوى حركة حماس من حيث البنية، أو على مستوى المشهد السياسي في الإقليم بشكل عام من خلال سياسة الاغتيالات المتلاحقة التي استهدفت إسماعيل هنية في إيران، أو حسن نصر الله في بيروت، وهذه التحولات تذهب عميقا إلى العودة إلى استراتيجية جز العشب ولكن على مستوى أعلى، فإسرائيل التي دأبت على التخلص من القيادات العسكرية في الصف الأول والثاني سابقا، نراها اليوم تذهب إلى التخلص من القيادات السياسية، وذلك من أجل إذابة القرار السياسي داخل فصائل المقاومة أولا، وخلق حالة من التشتت في المؤسسات والفصائل التي تستهدفها ثانيا، وخلق حالة من الصدمة تقود لهزيمة ومن ثم تطويع هذه الفصائل واخراجها بشكل مختلف ثالثا».
ويتابع: «هل ستؤتي السياسة الإسرائيلية ثمارها؟ الثابت أنها لم تؤتي ثمارها سابقا، ومن غير المتوقع أن تؤتي ثمارها بالشكل الذي تريده إسرائيل».
وحول عودة صورة القائد البطل الملهم يعود الباحث ربايعة للتذكير بصورة البطولة الرمزية التي صنعها الشباب المقاوم في الضفة الغربية منذ ثلاث سنوات، ويقول: «اليوم يلحظ أنها صورة توسعت وحملت العديد من القادة الفلسطينيين الذين أخذوا هذه المساحة الرمزية خلال هذه المواجهة، وحتى قبلها تحديدا من قادة المقاومة، فرحيل البطل وبقاء صورته، متصل ببعدين هنا (في حالة السنوار) الطريقة التي سقط فيها ربما تلخص كل الحالة النضالية الفلسطينية. وتلخص حكاية الشعب الفلسطيني. بالتالي هذه الصورة التي تعطي هذا الاستشهاد رمزيته، وثانيا، مسألة وجود القائد في الميدان، فالسنوار لم يكن قائد فصيل مرفه، بعيد عن ساحة القتال وعن فلسطين، بل كان قائدا ملتصقا بالميدان. ربما هذه ما بحث عنه الفلسطينيون بشكل عام. هذه الصور هي التي تعطي حدث الاستشهاد ثقله وقيمته».
ويتابع: «يضاف إلى السنوار رمزيته المستمدة من مساره النضالي المتصل بالخط الزماني الطويل منذ دخوله إلى السجون لعشرين عاما وحتى خروجه. لقد اختلف كثيرون معه على قراراته وأفكاره..الخ، لكن لا أعتقد ان هناك من اختلف عليه، وهو أمر حدث مع عديد من القادة الفلسطينيين، فحتى من رافقه في السجون ومن تواجد معه في ساحات النضال كلهم تحدثوا عن شخصية قيادية خاصة وفريدة من نوعها».

ثوري إلى أبعد حدود

أما أستاذ السياسة الدولية الأكاديمي في جامعة النجاح الوطنية حسن أيوب فيرى شخصية يحيى السنوار استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتحديدا فيما يتعلق بكونه رجلا مستعدا للذهاب في «مغامرة ثورية محسوبة» إلى أبعد حدودها، فقد استطاع أن ينقل معركة التحرير إلى أرض الوطن.
ويضيف أيوب: «كان يمتلك من الخبرة والدراية الأمر الذي جعل من مقتله بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي وكإنه أمام احتفال عارم، إنها المرة الأولى التي يبرز فيها قيادي فلسطيني يعمل على نقل معركة التحرير مع الاحتلال إلى الأراضي الفلسطينية».
ويستدرك: «هذا لا ينفي وجود تاريخ طويل من النضال الوطني الفلسطيني، لكن أعتقد أن واحدا من الأمور المهمة في عملية طوفان الأقصى، وما قبلها هو أنها أحدثت التغير في وجود ثورة فلسطينية مسلحة على أرض فلسطين منذ عام 1948 وهذا يحمل دلالات رمزية ودلالات على مستوى الثقافة والوعي».
ويشدد أيوب: «من الصعب تعويض شخصية مثل السنوار في صفوف المقاومة بكل فصائلها، ذلك لا يعني أن هذه المقاومة ليست قادرة باستمرار على تعبئة الصفوف بجديد المقاتلين والمناضلين والقادة الكبار، فكل ذلك حصل تاريخيا في حركة النضال الفلسطيني، لكن المختلف اليوم أننا إزاء مرحلة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث لم نكن نشهد هذه الدرجة من التواطؤ والتحالف الإقليمي ضد المقاومة الفلسطينية مثلما هو اليوم، فالمطروح اليوم هو تصفية كاملة للقضية، وما حديث نتنياهو الذي قال فيه يوم (أمس) عندما عرض صورة السنوار مقتولا حيث قال: (إن هذه الصورة التي سيكون عليها اليوم التالي في قطاع غزة) ولعلها المرة الأولى يتحدث فيها عن إمكانية اليوم التالي، وهذا يعني أن اليوم التالي سيكون على جثث وأشلاء الفلسطينيين وأولهم قادة المقاومة».

غير قواعد اللعبة

يستعيد المحلل السياسي ورئيس مركز مسارات هاني المصري تاريخ لقاء جمعه مع السنوار حيث يقول: «التقيت بالشهيد يحيى السنوار عدة مرات في غزة العزة والقاهرة، وله ما له وعليه ما عليه، ولكنه كان قائدا فلسطينيا عربيا إسلاميا حمساويا يتميز بالتواضع، يستمع أكثر مما يتحدث ويقبل النقد، ويجمع ما بين الواقعية والخيال، والسياسة والدين، والبعد الوطني عنده أكبر من البعد الإخواني، وهو غير قواعد اللعبة داخل حماس، وفي علاقة حماس مع مصر وحزب الله وإيران والإقليم».
ويضيف في معرض استرجاع ماضيه: «لم ينجح رغم محاولته الجادة بتغيير العلاقة مع السلطة رغم أنه أرسل عدة رسائل لرام الله فور توليه رئاسة حماس في القطاع بأنه سيقدم عرضا للوحدة الفلسطينية لا يستطيع الرئيس وفتح رفضه، ولكن الرسالة فهمت خطأ بأنها إشارة على ضعف حماس وقرب انهيارها».
ورأي المصري أن أهم ما ميز «أبو إبراهيم» أنه العقل المدبر لطوفان الأقصى الذي له ما له وعليه ما عليه، ولكنه غير قواعد اللعبة كليا في فلسطين والمنطقة وربما أكثر من ذلك، ولكن بدون توفر القدرة على إمساكها والتحكم بها، إنها تشبه «كومونة باريس» حيث كانت كما وصفها كارل ماركس قفزة إلى السماء، والكومونة هزمت ولكنها كانت بداية الثورات اللاحقة التي غيرت وجه أوروبا، بل والعالم كله.
ويختم: «عاش مناضلا وأسيرا وقائدا ومقاتلا واستشهد بطلا مقبلا وليس مدبرا».

اغتيال القائد أم الفكرة؟

يقرأ الباحث الفلسطيني عبود حمايل مشهد الاغتيال بطريقة مختلفة، حيث يقول: «يستمر الصهيوني، متأثرًا بإرث المستشرق الغربي، في الاعتقاد بأن اغتيال القائد هو الضربة القاضية للفكرة، أو انهيار المؤسسة التي تدير المعركة. هذا التصور، الذي يبتكر صورًا مضخمة عن النصر، يغفل حقيقة أعمق، وهي أن المقاومة ليست مجرد فكرة مؤقتة، بل هي فكرة تتجذر في الخلود».
ويضيف: «لا يزال الأوروبي يعيش في وهم أن مجتمعاتنا تُقاد من قبل أفراد محددين، وأن مصيرها يرتبط بشخصيات معينة. هذا الاعتقاد العنصري، المتعجرف، يدفعه إلى مبالغة في استهداف القيادات من خلال الاغتيالات، ويغرقه في فهم مشوه لأهمية تلك العمليات».
ويتابع معلقا على صورة النصر التي روج لها أحد الصحافيين الإسرائيليين، «الصورة كانت لقائد يقاتل على تخوم المعركة وذلك بعد عام من الأحاديث حول اختبائه في الأنفاق وتحصنه خلف درع من المختطفين».
ويرى الباحث حمايل أنها تعكس محاولة فاشلة لنقش سردية مزيفة عن قادة المقاومة في وعينا. «لكن هذه السردية لا تلبث أن تتهاوى، فهي مرآة تعكس الواقع المحتمل لقادة الاحتلال أنفسهم في حال تبدلت موازين القوى. أستذكر حين قال إيهود باراك ذات مرة إنه لو كان فلسطينيًا لكان مقاتلًا، والحقيقة أن باراك، في أغلب الظن، كان سيكون ضمن أولئك الذين يلعنون المقاومة من بيننا».
ويعلق حمايل على ظهور خطاب سياسي منذ السابع من أكتوبر، يصفه بإنه «بالغ الخطورة، فهو يسعى إلى تبرئة دولة الاحتلال من جرائمها، مقدّمًا الحرب التي شنتها على قطاع غزة بوصفها ردّ فعل طبيعيا على ما جرى في ذلك اليوم. هذا الخطاب، في جوهره، لا يكتفي بتبرير العنف والتدمير، بل يعيد صياغة الرواية التاريخية بطريقة تُخفي مسؤولية الاحتلال. فبعد أن استعادت دولة الاحتلال السيطرة على الأراضي التي تم التوغل عليها، لم تكن هناك ضرورة فعلية لاستمرار الحرب. كان لديها خيارات متعددة، من بينها المسار الدبلوماسي أو الحلول السياسية، أو ربما حتى البحث في خطايا الماضي ومحاولة إعادة بناء علاقة مختلفة معنا. ولكن في النهاية، اختار العدو ما اختاره، مُفضِّلًا تصعيد العنف والسعي نحو انتصار ساحق على أي مسار آخر».
ويكمل: «دعونا لا ننسى أن هذا كان خيارًا، وأن وجود الخيار يفترض إمكانية وجود خيارات أخرى، وفي هذا السياق، برز أيضًا خطاب سياسي آخر ينبذ أحداث السابع من أكتوبر بناءً على حجج متنوعة، مثل التسرع أو المغالاة، وكأن السؤال الأساسي الذي يشغل الفكر الفلسطيني يدور حول مسألة تكاد تكون منفصلة عن السياق التاريخي الفعلي: «هل كنا بحاجة إلى الحرب؟» وكأن هذا السؤال يفترض في جوهره أن الفلسطيني ليس لديه أسباب مشروعة لخوض الحرب، متجاهلًا أن الخيارات المتاحة أمامنا، في حقيقتها، تتأرجح بين القبول والتأقلم مع الاحتلال حتى لحظة الإبادة دون مقاومة، أو البحث عن وسائل وأدوات للمواجهة تتيح لنا بناء أفق مختلف».
ويرى حمايل أن السؤال هنا لا يتعلق بمجرد الاختيار بين السلم أو الحرب، بل هو سؤال عن البقاء، عن الدفاع عن النفس في مواجهة واقع استعماري يسعى إلى محو وجودنا بالكامل.
ويختم قائلا: «بطبيعة الحال، بينما ينشغل البعض في تقييم الحدث ذاته، سواء برغبة في العودة لما قبله، أو خوفًا مما يحمله المستقبل، أو شعورًا بأن الحدث انفجر في وجه الاحتلال في زمن الانكسار، أو ربما قناعة بأن دولة الاحتلال باقية للأبد وأنه من المستحيل هزيمتها، أو حتى نقدًا للتوقيت أو حجم العملية، لا يمكننا كفلسطينيين أن ندعي، إن كنا لا نزال فلسطينيين، أننا لم نملك الأسباب التي دفعتنا إلى المبادرة وإلى الحرب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية