الخرطوم ـ «القدس العربي»: السودانيون شاركوا في مليونية «الوفاء للشهداء» التي دعت لها لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، الخميس، في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، فيما جزمت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لن تستأنف المساعدات المتوقفة للحكومة السودانية إلا في حال إنهاء العنف واستعادة الحكم المدني بقيادة تعكس إرادة الشعب، مؤكدة أنها ستدرس اتخاذ تدابير لمحاسبة المسؤولين عن الفشل في المضي قدما في تحقيق أهداف الانتقال الديمقراطي.بينما نفذ عشرات القضاة وقفة احتجاجية أمام المحكمة القومية العليا وسط الخرطوم، وقدم رئيس القضاء – رئيس المحكمة العليا- وقضاة الاستىناف والمحكمة العامة والمحاكم الجزئية، مذكرة للمجلس السيادي، أكدوا خلالها على ضرورة التوقف فورا عن كافة أشكال الاعتداءات التي تقع على المواطنين عند الخروج في المواكب والتظاهرات.
وقالت السفارة الأمريكية في السودان، إن واشنطن حثت العسكريين على رفع حالة الطوارئ كإجراء هام لبناء الثقة.
وعقد الوفد الأمريكي في الخرطوم الذي يضم مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، مولي في، والمبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي، ديفيد ساترفليد، لقاءات عديدة مع الأطراف المدنية والعسكرية.
قلق عميق
وحسب بيان السفارة، الوفد الأمريكي عبر عن قلقه العميق بشأن تعطيل التحول الديمقراطي في السودان، وأدان بشدة استخدام القوة غير المتناسبة ضد المتظاهرين، خاصة استخدام الذخيرة الحية والعنف الجنسي وممارسة الاحتجاز التعسفي.
ودعا إلى إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في الوفيات والإصابات التي حدثت، ومحاسبة جميع المسؤولين عنها.
وقالت السفارة الأمريكية، أيضاً، إن القادة العسكريين أكدوا خلال اللقاء مع الوفد، التزامهم بالحوار الوطني الشامل، والانتقال السياسي، وتشكيل حكومة بقيادة مدنية على أساس التوافق، وأقروا بأهمية إنشاء واستدامة بيئة سلمية للسماح للعملية السياسية بالمضي قدما.
وجدد الوفد دعم واشنطن للعملية السياسية التي تقوم بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان بتيسيرها كوسيلة لمساعدة أصحاب المصلحة المدنيين السودانيين على تحديد طريقة مشتركة للمضي قدمًا للتغلب على المأزق السياسي في السودان، حسب البيان.
وأوضح البيان أن الوفد التقى بعائلات الذين فقدوا أحباءهم في أعمال العنف ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية.
وأعرب عن تضامن الحكومة الأمريكية مع العناصر المؤيدة للديمقراطية في السودان، وتعهد بالدعم المستمر للشعب السوداني في جهوده لتحقيق الحرية والسلام والعدالة.
إعلام المجلس السيادي أوضح في بيان أمس، أن الوفد الأمريكي التقى قائد الجيش بحضور نائبه محمد حمدان دقلو «حميدتي» وعضو المجلس السيادي الفريق ياسر العطا.
وأمن الجانبان على دخول الأطراف السودانية في حوار وطني شامل عبر مائدة مستديرة، يضم جميع القوى السياسية والمجتمعية باستثناء المؤتمر الوطني، للتوصل إلى توافق وطني للخروج من الأزمة الحالية، وأيضا تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة يقودها رئيس وزراء مدني لاستكمال مهام الفترة الانتقالية وإجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية لتواكب التطورات الجديدة وقيام انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية، حسب البيان
جرائم الانقلاب
وقال وزير شؤون مجلس الوزراء السابق، خالد عمر في بيان أمس، انه التقى الوفد الأمريكي، وقدم له شرحاً وافياً حول الجرائم التي ارتكبتها سلطة الانقلاب في مواجهة الحراك الشعبي السلمي.
وأكد خلال اللقاء على عدم وجود مخرج من الأزمة السياسية الراهنة إلا بالاستجابة لمطالب الشارع المتمثلة في إنهاء الوضع الانقلابي، وتأسيس إطار دستوري جديد ذي مشروعية شعبية يقوم على سلطة مدنية كاملة، وإجراءات شاملة للعدالة تنصف الضحايا بصورة لا لبس فيها.
والتقى الوفد أيضا عضو المجلس السيادي، رئيس الجبهة الثورية، الهادي إدريس، أمس في منزله.
واشنطن تدرس اتخاذ تدابير لمحاسبة المسؤولين عن تقويض الانتقال
وناقش المجتمعون، حسب وكالة الأنباء السودانية، مبادرة الأمم المتحدة والجهود المبذولة التي تهدف إلى دعم واستقرار السودان والمضي في التحول الديمقراطي.
وقال إدريس إن اللقاء اتسم بالجدية والوضوح وناقش اتفاق سلام جوبا والأحداث في دارفور، مؤكدا أنهم بصدد تكوين قوة مشتركة لحفظ الأمن والاستقرار هناك.
لقاء مع الإسرائيليين
وكان من المخطط أمس أن يلتقي الوفد الأمريكي مع الوفد الإسرائيلي الذي يزور الخرطوم، إضافة للقادة العسكريين.
الخبير الدبلوماسي الرشيد أبو شامة، رجح في حديث مع «القدس العربي» أن يكون اجتماع الوفدين الأمريكي والإسرائيلي بالقادة العسكريين، في إطار إيجاد تسوية تدعمها إسراىيل باعتبارها حليفة العسكريين، خاصة البرهان.
وزاد: أمريكا طوال الفترة الماضية عجزت عن الوصول لتسوية مع العسكريين لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي في السودان وإعادة المدنيين للسلطة، مشيرا إلى أنها استعانت بإسرائيل هذه المرة، باعتبار أنها قادرة على التفاهم بشكل أفضل من البرهان.
ولفت إلى أن إسرائيل إذا وجدت ضمانات بخصوص إكمال ملف التطبيع مع السودان، قد تدفع العسكريين نحو العودة للشراكة مع المدنيين.
وأكد أنه بشكل عام، الضغط الدولي، في الحد الأدنى سينجح في دفع الأطراف السودانية نحو المضي في العملية السياسية التي أطلقها رئيس بعثة الأمم المتحدة في الخرطوم فولكر بيرتس لحل الأزمة في البلاد.
أما المحلل السياسي أنور سليمان فأوضح لـ«القدس العربي» أن مبادرة البعثة الأممية التي لا تزال في بدايتها، يواجهها تحد كبير في ظل القمع الدموي الذي يحدث للتظاهرات الرافضة للانقلاب.
ورأى أن المبادرة إذا فشلت في حمل السلطة على احترام حق التعبير السلمي، ستفقد مصداقيتها واهتمام القوى الفاعلة داخلياً، وبالتالي لن يجدي الدعم الدولي في دفعها للأمام.
تظاهرات غير مركزية
في الموازاة، انطلقت التظاهرات التي كانت غير مركزية أمس، في عدد من أحياء مدن العاصمة، الخرطوم، والخرطوم بحري وأمدرمان، رفضا للانقلاب العسكري وللمطالبة بـ«القصاص للشهداء» وتسليم السلطة للمدنيين.
وتوجه الموكب الذي انطلق من منطقة جنوب الحزام، جنوبي مدينة الخرطوم، إلى منازل ضحايا الاحتجاجات في المنطقة وصولا إلى شارع الستين، شرق الخرطوم، المحدد كنقطة تجمع لتظاهرات الخرطوم، بينما نفذ المتظاهرون في مدينة أمدرمان وقفة أمام منزل الضحية، جون أشويل، وهو المواطن الجنوب سوداني المقيم في السودان الذي قتل برصاص الأجهزة الأمنية في أمدرمان مساء الأربعاء.
وأعلنت لجان مقاومة أمدرمان الإغلاق الكامل للمدينة، وأكدت في مخاطبة أمام منزل أشويل أن الشارع السوداني خرج ضد الانقلاب طلبا للحياة وليس الموت، وأنهم سيواصلون التظاهر السلمي وبناء المتاريس حتى إسقاط الانقلاب.
وفي مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، شارك الآلاف في موكب الوفاء للشهداء في ميدان المولد، بعدها توجهت التظاهرة لمباني النيابة العامة في المدينة، حيث سلمت لجان المقاومة، رئاسة النيابة، مذكرة نددت فيها بالعنف والانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين.
وطالبوا النيابة بالتزام جانب القانون كونها ممثلة النائب العام عن الشعب وحماة القانون وسلامة تنفيذه والتصدي لمسؤولياتهم حسب قانون النيابة العامة والقوانين الأخرى، توطئة لتقديم المحرضين والمنفذين للجرائم ضد المتظاهرين للمحاكمة أمام القضاء العادل.
القضاة ينددون
وفي الأثناء، نفذ عشرات القضاة وقفة احتجاجية أمس أمام المحكمة القومية العليا وسط الخرطوم، رفضا للانقلاب العسكري ودعما للتحول المدني الديمقراطي.
وجرى تقديم مذكرة للمجلس السيادي، أكدت على ضرورة التوقف فورا عن كافة أشكال الاعتداءات التي تقع على المواطنين عند الخروج في المواكب والتظاهرات.
وحسب المذكرة، القضاء هو الحامي للحقوق والمنوط به بسط العدل في البلاد.
وأضافت: ظللنا في السلطة القضائية نراقب عن كثب مآلات الأوضاع الأخيرة في السودان وما صاحبها من حالات قتل خارج نطاق القانون واعتداءات صارخة على أبناء وطننا إلى الدرجة التي لا يمكن السكوت عليها.
وأكدت أن التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي حق مكفول بموجب الوثيقة الدستورية والقوانين، مشيرة إلى أن واجب مجلس السيادة أن يبذل كل ما هو متاح وممكن لأجل حماية الشعب وصيانة حقوقه.
وأكد القضاة على أنهم لن يتوانوا أو يترددوا في اتخاذ إجراءات تكفل أو تساهم في حماية المواطنين وحفظ ارواحهم وصيانة حقوقهم المكفولة بموجب الدستور والقانون.
ودعوا المجلس السيادي لبذل أقصى جهد ممكن لأجل الخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة في أسرع وقت ممكن، صيانة لدماء وأرواح المواطنين وضمانا لسلامتهم، مؤكدين أن البلاد تمر بمنعطف خطير وبمرحلة بالغة التعقيد.