بغداد ـ «القدس العربي»: عدّ رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، نهاية الرئيس الراحل صدام حسين، «درسا لجميع الحكّام» وفيما نفى استهداف السّنة بعد عام 2003 بذريعة إنهم جزء من النظام السابق، أشار إلى أن جزءاً منهم رفض العملية السياسية.
وفي حوار مع قناة «الجزيرة» تحدث عن تفاصيل ما وصفها «ظروفاً غير مثالية» مرت بها البلاد قبل العام 2003 وما بعده، وأقر بذات الوقت بوجود تراجع في الاقتصاد والتعليم والخدمات وسوء في الإدارة واستفحال ظاهرة الفساد.
صور مؤلمة
وقال: «عايشنا صوراً مؤلمة من الحروب العبثية والقتل والتهجير قبل 2003، بعدها استبشرنا خيراً بدستور جديد ثبّت الحقوق والواجبات، لكن بدأ فصل آخر هو الإرهاب والقتل الطائفي الممنهج» مضيفاً: «كنا يومياً نواجه مواقف أليمة في الشوارع والأسواق، وهو ما ترك أثره وصولاً إلى حلقة داعش، التي سيطرت على مساحات كبيرة من العراق».
وزاد: «خلال تلك المدة تم إنجاز الكثير، لكن المتوقع كان أن يجري إنجاز أكثر مما حصل» مشيراً إلى إنه «كان هناك تراجع في الاقتصاد والتعليم والخدمات، وكان من المفروض تقديم ما هو أفضل، ونقرّ بوجود سوء في الإدارة، واستفحال لظاهرة الفساد».
وأوضح أن «في انتخابات عام 2018، كان هناك عزوف وفي عام 2019، حدثت التظاهرات، وفي عام 2021، أيضاً شهدنا عزوفاً عن المشاركة في الانتخابات، وهذه رسائل استلمناها» مبيناً أن «هناك من تسبب في الفساد، وتواجد في السلطة واستخدم المنصب لأغراض حزبية وشخصية، لكن حين نتحدث عن بلد مرّ بهذه الهزّات العنيفة، فإن الظروف ليست مثالية».
قال إن العرب تركوا بلده طويلاً وعادوا له بعد الحرب ضد تنظيم «الدولة»
ولفت إلى أن «هناك من وقف موقفاً وطنياً وحافظ على المال العام. وبالأرقام تحقق الكثير في كل قرية ومحافظة ومدينة، وتغير الوضع».
وزاد: «أن يكون رئيس الوزراء من عراقيي الداخل، يفهمها الناس أنه قريب منهم وعاش معهم سنوات المحنة، وهذا لا يعني أن الإخوة الذين قدِموا من الخارج كانوا بعيدين عن المواطن، إنما بحكم طبيعة الحياة والأوضاع ربما لم يوفقوا في ترتيب الأولويات».
وتابع: «أعرف طبيعة المواطن العراقي. كنت موظفاً في مديرية زراعة ميسان منذ 1997، ولغاية 2003 ثم تدرجت بالعمل في مجلس المحافظة ومحافظاً بعد ذلك».
وواصل: «كنت في العاشرة من العمر واستذكر المجموعة التي كانت مع والدي، كانوا ذوي إيمان بمنهج الدعوة، وكانت مهمتهم إسلامية أكثر من كونها سياسية أو معادية للنظام. وعملوا على التبليغ الإسلامي ومساعدة العوائل التي تعرّضت للسجن» مبيناً إنه «جرى إمساك الحلقة وانتزاع الاعترافات، ووالدي كان في فرنسا للعلاج، وأُعيد دون إجراء عملية جراحية، وكان يعاني من قدمه، وجلب بسيارة إسعاف، وأُعدم، وهو على هذه الحالة».
وزاد: «تُرِكَت عائلتي بلا مصدر للدخل بعد إعدام والدي، واضطررنا للعمل في الظرف الأصعب، وهي سنوات الحصار من أجل إعالة أسرتي وفي مختلف الأعمال» مضيفاً: «حين توليت رئاسة هيئة المساءلة والعدالة تعاملت معها بمهنية صرفة، وطبقتُ القانون بحذافيره» مؤكدا «لم يكن لدي أي نشاط سياسي قبل عام 2003، وبعد ذلك التاريخ بدأت الأحزاب الإسلامية، بما فيها حزب الدعوة الإسلامية تتواجد وتحتضن عوائل الشهداء والسجناء، وتكلفت بمهام قائممقام مدينة العمارة لعملي وليس لانتماء حزبي».
حق طبيعي
ووفقاً لرئيس الوزراء العراقي، فإنه «حين نقول إن الأحزاب تجتمع فتشكل حكومة ائتلافية فهذا حق طبيعي، وأما من يأتي برغبة للسيطرة على مفاصل الوزارة فيأتي الوكيل والمستشار والمديرون العامون من نفس الحزب، فهذا خطأ» مؤكداً أنه «لا يجب أن نشترط الانتماء لهذا الحزب أو ذاك، وهذا ما نواجهه كسلبية من سلبيات المرحلة السابقة، وأنا متشدد في هذه الجزئية».
وفي ظل الأزمات الكبيرة التي مرّ بها العراق، رأى أن «الجميع قد استوعب الدرس، في بداية العملية السياسية» مؤكدا «قدرنا كعراقيين، بمختلف مكوناتنا وأطيافنا، أن نعيش معاً في هذا البلد، فلا مجال لإلغاء الآخر».
وعدّ «نهاية صدّام درسا لكل من يتواجد في الحكم، أن ينظر إلى مصير الطغيان والقتل والسرقة ويذهب بالبلاد إلى سياسات عبثية» موضحا إنه «قبل عام 2003 كانت هناك عصابة تسيطر على مقاليد الأمور، وكان التمايز موجوداً إلّا أنه مسيطر عليه بقوّة النظام، ولم يكن هناك شيء اسمه المشاركة والمكونات وحرية الأديان والشعائر».
وبين أنه «بعد 2003، ونتيجة الكبت ومصادرة الحقوق، ذهب الجميع إلى طرح المخاوف بتثبيت الحقوق في الدستور، وهذه من الإشكاليات التي يُشار إليها في الدستور» مؤكداً أنه «لا يوجد استهداف للمكون السنّي تحت ذريعة أنه جزء من النظام السابق، فقد تعرّض لظلم ذلك النظام مثل باقي العراقيين، وهناك مجازر ارتكبها النظام ضد عشائر وشخصيات سنية».
وأشار إلى أنه «بعد عام 2003، كان هناك جزء من المكوّن السنّي رافضاً لعملية التغيير ولا يؤمن بالعملية السياسية، ومع مرور الوقت آمن الجميع أن التغيير يجري من خلال العملية السياسية نفسها». ورأى أن، «في معظم دول العالم يكون منصب الوزير سياسياً، ويجب أن يترك ما دون الوزير للمهنية» مشددا بالقول: «يفترض بالقوى السياسية أن تراعي المواطنة وهناك مجالات يجب أن تُترك للمهنية وتُعطى الفرصة للعمل».
وأتمّ قائلاً: «نعيش اليوم في حرية تعبير وحق التظاهر والتعبير عن الرأي. إذ يمكن انتقاد رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية والحكومة ويكون المواطن في مأمن» منوهاً أنه «في كل المشاكل السياسية والأمنية منذ عام 2003، فإن ما هو إيجابي يتمثل في المحافظة على الانتقال السلمي للسلطة دورة بعد أخرى».
وأضاف: «ليست لدينا صلاحيات مطلقة، وهناك فصل بين السلطات، فلدينا سلطات قضائية وأخرى برلمانية. وكل المكونات تشارك في صنع القرار» لافتاً إلى إنه «قبل تشكيل حكومتنا كانت هناك تجاذبات سياسية خطيرة، لكن التنافس كان يدور في أروقة المحكمة الاتحادية وفي نصوص الدستور».
عامل قوة
وأكد أن «التنوع الموجود في العراق هو عامل قوة وليس ضعفاً» مشددا على وجوب أن «نضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار وما نتخذه من قرارات إنما يخص كل العراقيين».
ووجه السوداني عتبه على الدول العربية، وأشار إلى أن «أحد الأخطاء الاستراتيجية للعرب أنهم ابتعدوا عن العراق، وتركوه طويلاً واعترفوا بذلك خصوصاً بعد تهديد داعش» مبيناً أن «من وقف أمام عصابات داعش هم العراقيون، وقاتلوا نيابة عن العالم. وهنا أيقن الجميع بضرورة عودة العرب إلى العراق، وليس عودة العراق إلى العرب، فالعراق كان ولا يزال موجوداً».
ورأى أن «بطولة خليجي 25، كانت تعبيراً عفوياً عن طبيعة الشخصية العراقية».
وذكر: «نفهم طبيعة المواطن العراقي وهواجسه ومخاوفه، وبالتالي يمكن ترتيب أولوياته» مضيفا: «شرف كبير لي أن أكون في خدمة الشعب والعراق، وهي فرصة هيأها لي الله سبحانه وتعالى في أن أقدم شيئاً لأبناء شعبنا».
وبين أنه يعمل «17 ساعة في اليوم لأن العراقيين يستحقون الخدمة فقد ضحوا بكل شيء من أجل بلدهم».
… ويدعو للمراجعة من أجل استمرار منهج الإصلاح
واعتبر رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، أن ذكرى سقوط نظام صدام، يجب أن تدفع الحكومة على الاستمرار في منهج الإصلاح.
وقال في بيان: «تمر علينا الذكرى العشرون لسقوط النظام الدبكتاتوري البغيض الذي جثم على صدور العراقيين لسنوات طويلة، وتسبب بالكثير من المآسي والآهات لأبناء شعبنا الكريم، بمختلف انتماءاتهم وقومياتهم وعلى مر أجيال تعاقبت».
وأضاف أن «ذلك النظام أدخل بلادنا في حروب الكراهية والتوسع وأهدر فيها خيرة شبابنا ورجالنا، فضلا عن سلوكه القمعي الجائر الذي لم يسلم منه حتى الأطفال الذين ذهبوا ضحايا بممارسات لا إنسانية تدل على وحشية النظام وظلمه».
وتابع: «ونحن نحيي هذه الذكرى، فإننا نسترجعها والعراق يحكمه نظام ديمقراطي يشارك فيه جميع أبنائه، وفي ظل دستور كفل الحريات، وضمن التداول السلمي للسلطة، وأسس علاقات سوية مع جيراننا وباقي أمم العالم، تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة والتعاون».
وأكد أن هذه الذكرى «يجب أن تدفعنا للمراجعة من أجل استمرار منهج الإصلاح في العراق ليعود معافى من جراحه التي خلفتها سنوات الديكتاتورية والحروب ومآسي العنف والطائفية التي تغذى عليها أيتام البعث الصدامي، واهمين أنهم قادرون على كسر إرادة شعبنا الواحد».
وشدد على أن «هذا لن يتم ما لم يشعر المواطنون أنَّ العملية السياسية تسير في طريق تلبية تطلعاتهم وآمالهم في العيش بحرية وكرامة في جميع مناحي الحياة، وهو ما تعمل عليه حكومتنا الحالية التي اختطت لها مسارا إصلاحيا، من خلال برامجها التنفيذية الشاملة لكل القطاعات التي تمس حياة الناس».
كذلك، هنأ رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، العراقيين بـ«سقوط الديكتاتورية» مؤكدا عزمهم على ترسيخ حياة الحرية.
وقال في «تغريدة» عبر «تويتر» «عشرون عاما على سقوط الديكتاتورية والطغيان، عشرون عاما من أجل دولة ديمقراطية».
وأضاف: «أحر التهاني لجميع العراقيين وهم عازمون على ترسيخ حياة الحرية وتعزيز السلام وإعلاء كرامة الإنسان».
في حين، قالت رئيسة كتلة «الجيل الجديد» النيابية، سروة عبدالواحد، «لا يزال الشعب يبحث عن الأمان والاستقرار والتخلص من الفساد بعد مرور 20 عاماً على احتلال العراق» لافتة إلى أن «فدائيي الأحزاب حلّوا محلّ فدائيي صدام».
وقالت في «تغريدة» لها عبر «تويتر»: «بعد عشرين عاما ما زال الشعب ينتظر الرفاهية والحياة الكريمة. قبل عشرين عاما تخلص الشعب من فدائيي صدام ليحتل فدائيو الشخصيات والأحزاب محلهم، سواء في الإقليم أم بقية المحافظات».
وأضافت: «نعم يوم 9 نيسان /أبريل تحول مهم في تاريخ العراق، لكن من أدارَ سدة الحكم لم يرس بالشعب إلى بر الأمان، فما زال الشعب يبحث عن الأمان والاستقرار والتخلص من الفساد».
وختمت «لن أقارن، لكننا كنا نأمل الكثير».