د. علي حمد ابراهيم
الصيغة الغامضة التي تم التوصل اليها بخصوص دخول القوات الدولية الي دارفور لم توقف ولن توقف الجدل حول هذا الأمر. عليه دعونا نناقش المشير البشير بهدوء في حكاية المواجهة التي قال انه قررها ضد الامم المتحدة بعد أن حسبها جيدا). فضلت اللقب العسكري علي اللقب السياسي لأن الرئيس قال ان بلاده في حالة حرب مع الامم المتحدة ومع كل من يؤيد القرار الأممي حول دارفور رغم أن قرار اعلان الحرب لا يحتاج لزي عسكري ولكن هذا هو فهم الناس في العالم الثالث). قال الفريق البشير أنه اختار المواجهة ضد المجتمع الدولي لأن في المواجهة احتمالين: الاحتمال الاول هو أن يبقي السودان بعد انتهاء المعركة. والاحتمال الثاني فهو أن ينتهي السودان في وبعد المعركة. أما القبول بالقوات الدولية فنتيجته واحدة هي أن ينتهي السودان اثناء او بعد المعركة. لن تصدق الملايين من ابناء السودان، حتي الذين حشدتهم الحكومة في مسيرات من حجم ما ومن فئات ما، لن يصدقوا أن الفريق الرئيس البشير ـ في قرارة نفسه ـ مقتنع بأن الامم المتحدة آتية لكي تستعمر السودان. فالرئيس البشير رجل دولة ورجل الدولة يعرف أن الأمم المتحدة ليست دولة تملك الاساطيل الحربية التي يمكن أن تحتل بها الدول. ويعرف اكثر أنه ليس من مهام الامم المتحدة القيام بعمل كهذا. ويعرف كذلك أن الأمم المتحدة موجودة في السودان منذ عقود لكي تعين محتاجيه وتطعم جائعيه وتكسوهم، وتقيم لهم المعسكرات الواقية وتعالجهم بالمجان. حدث ذلك ويحدث منذ زمن برنامج شريان الحياة الذي توصلت اليه حكومة الديمقراطية الثالثة مع الامم المتحدة، الذي كان لي شرف المساهمة في تنفيذه عندما انتدبتني الخارجية للعمل كمستشار لمفوضية الاغاثة واعادة التعمير التابعة لمجلس الوزراء والتي كان يشرف عليها ويديرها الرجل الكفء والنظيف كامل شوقي.
هذا الدور الاممي في السودان استمر الي يومنا هذا. بل وزاد قوة في السنوات الاخيرة عندما قامت الامم المتحدة باعباء اضافية في عملية السلام التي انهت حربا طويلة ودامية، وقدمت الامم المتحدة المال والخبراء والرأي الفني للمتفاوضين، وتوسع دور الامم المتحدة في الوقت الحاضر في السودان عموما. فهي موجودة في الجنوب، وفي الشرق، وفي الغرب بل وحتي في ضواحي الخرطوم وفي قلبها النابض والمائج وفي مطاراتها. بينما أصبح مكتب مندوبها الدائم، اصبح قبلة للشاكين من جور وبطش زمانهم. ويتضرع البوليس الأممي بزيه المميز في شوارع الخرطوم دون ان يثير حفيظة أو امتعاضا من أحد من السودانيين لأن الجميع يعرفون ويدركون الدور المفصلي الذي تقوم به الامم المتحدة في بلادهم. الرئيس البشير يدرك هذا كله واكثر. ولكنه يلعب بـ(الكرة) مع الامم المتحدة. ويزايد عليها بحكاية الاستعمار هذه لقناعة يحملها في جوانحه وخاطره تقول ان لهذه القوات مهمة اخري غير منصوص عليها علنا ولكنها مقررة ضمنا، لها علاقة بمحكمة الجنايات الدولية، وقائمة الواحد وخمسين فردا المطلوبين للتحقيق من قبل هذه المحكمة. دعونا نسلم مع الرئيس البشير جدلا أن هذه القوات مكلفة فعلا بمهمة سرية اخري غير مهمتها المعلنة. ودعونا نسأل: ألا يستحق بقاء السودان وشعبه أن يمثل بضعة افراد امام هذه المحكمة ليردوا علي تهم قال رئيس المحكمة نفسه انها تبقي مجرد تهم لم تثبت جنائيا. واذا كان مثول هؤلاء الافراد امام المحكمة يبعد عن السودان شبح الفناء الذي تحدث عنه الفريق البشير ألا يستحق السودان بشعبه الكريم وبقدراته وتاريخه وتراثه، ألا يستحق أن يأخذ الرئيس البشير في تقديره هذا الامر ويدع الامور تسير في مجراها الطبيعي. سلامة السودان هي الاولي من سلامة بعض مساعدي الرئيس البشير. أن يقول الفريق البشير لشعبه أن هناك احتمالا بنهاية السودان من جراء المواجهة التي قررها ضد الاسرة الدوليه، فانه يجرح خواطر شعبه. فالوطن شيء عزيز. والشيء العزيز عندما يفقد، فلن يعود. ان احتمال ضياع السودان في مواجهة غير محسوبة حتي اذا كان بنسبة لا تتعدي الواحد بالمائة، فان الامانة الوطنية تقتضي ان لا يخاطر الرئيس البشير به. إن سلامة الوطن لا ترهن ولا تقايض بسلامة بضعة افراد مهما علت مقاماتهم. ان ابناء السودان بملايينهم وتراثهم وخيراتهم لن يسمحوا بضياع بلدهم. ويحزنهم أن يتحدث الرئيس البشير عن نهاية بلدهم المحتملة نتيجة للمواجهة التي يريد الدخول فيها ضد الاسرة الدولية دون ان تختلج عضلة لسانه. ويحزنهم اكثر أن يؤخذ بلدهم رهينة من أجل حفنة من الافراد. ان الامل ما زال معقودا علي أن تسود الحكمة، وأن يسود صوت العقل والتعقل. خصوصا أن القرار الغامض الاخير لا يلغي حكاية (لاهاي)، فهي آتية كالقدر المحتوم. فمحكمة لاهاي قضية اخري منفصلة ومستقلة ولم تعد لها صلة بقرارات مجلس الأمن او الجلبة السياسية الدائرة حول القوات الدولية لدارفور. فبعد تشكيلها اصبحت المحكمة هيئة مستقلة لا تخضع الا لقانون وحيثيات تشكيلها. وهي محكمة لها وسائلها الخاصة للوصول لمن تريد الوصول اليهم. ولديها البوليس الدولي والاستخبارات الدولية التي تقدم لها الخدمات التي تريدها. ووجود القوات الدولية في دارفور من عدمه لا يؤثر علي مهمتها سلبا او ايجابا. فاذا لم تدخل القوات الدولية الي دارفور لا يعني ذلك ان المتهمين الذين تهتم حكومة السودان بأمرهم كثيرا، لا يعني انهم اصبحوا في مأمن من المساءلة اذا رأت المحكمة ان هناك اسبابا للمساءلة. كما لا يعني وصول هذه القوات الي دارفور ان هؤلاء المتهمين اصبحوا يواجهون المهالك. ما يدور حول هذه الامور في السودان فيه تبسيط مخل وقصر نظر أدي ويؤدي الي تعقيدات كثيرة قد تضر بجميع الاطراف ولا تفيد احدا من هذه الاطراف.
ان الرئيس البشير يستطيع ان يجعل حجته ضد دخول القوات الاممية نافذة في حالة واحدة هي أن يفرض جيشه الأمن في طول الاقليم وعرضه، وأن يستطيع حصر وجمع حلفائه الجنجويد وتجريدهم من سلاحهم رغم ان ذلك السلاح الذي كان عضدا لهذه القوات في الامس القريب. هذا التصرف قد يبدو صعبا من نواح اخلاقية ونفسية ومبدئية. ولكنه المخرج الوحيد المطلوب والمقبول لدي الاسرة الاممية ان الجنجويد ـ مع الاسف الشديد ـ هم بضاعة فاسدة صنعت ذات يوم في الخرطوم. واصبحوا ماركة مسجلة باسم حكومة السودان. وطالما أن الامر كذلك، فان عملا عسكريا يدمر الجنجويد لن يحدث الا اذا حزمت الحكومة السودانية امرها وارادتها بقوة شديدة قد تعاني من جرائها من الم نفسي شديد. نعم الصانع قد يتخلي عن سلعته القديمة متي وجد البديل الاجود والاقل تكلفة والاكثر رواجا. وعزاء حكومة السودان اليوم انها تجد البديل للجنجويد في السلام والاستقرار في المنطقة وليس اعظم قيمة من بديل يأتي بسلام حقيقي بعد جراحات عميقة ومهلكة. وربطا علي هذا، فيمكن القول باطمئنان ان علي حكومة السودان شطب صفحة الجنجويد من السجل المدني والحربي السوداني الي الابد. وفتح سجل جديد من الاستقرار في دارفور التي لم تكن تعرف مساوئ الاغتصاب.. بخلاف هذا، واذا ظل الجنجويد طلقاء يقتلون ويخربون، فان شبح المأساة يظل يتعاظم مع فجر كل يوم جديد. ويتفاقم مع ذلك الخطر علي الوطن الممتد مثل سجادة التاريخ. هذا الوطن الذي كان اسمه السودان القومي المتحد، واوشك الآن ان يصبح السودان الجديد الاثني الممزق. هذان هما الطريقان المفتوحان للمدلجين في ليل السودان الطويل، فلينظر ابناء السودان بتبصر اي الطريقين يسلكون.