لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: طالب مجلس حقوق الإنسان الأممي، الجمعة، بـ«عودة فورية» للحكومة المدنية في السودان بعد انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر حين تولى الجيش مقاليد السلطة في البلاد. وفيما تواصلت الاعتقالات ضد سياسيين معارضين للانقلاب، أكدت قوى «الحرية والتغيير» (المجلس المركزي) وتجمع المهنيين، رفضهما التفاوض مع «الانقلابيين».
واعتمد المجلس قرارا ندد فيه أيضا بـ«التوقيف الظالم» لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وكذلك مسؤولين آخرين مطالبا بأن يفرج العسكريون «فورا» عن «كل الأفراد المعتقلين بشكل غير شرعي أو تعسفي».
وكررت عدة دول ما أعلنه السفير البريطاني في جنيف سايمن مانلي، الذي ندد «بالتدهور الدراماتيكي لأوضاع حقوق الإنسان» منذ الانقلاب.
رسالة دعم قوية
وقال السفير الفرنسي في جنيف، جيروم بونافون: «فيما ينتفض الشعب السوداني سلميا ضد الانقلاب الذي يحاول كسر التحول الديمقراطي، توجه إليه المجموعة الدولية رسالة دعم قوية وتتعهد من خلال اعتماد هذا القرار بالإجماع بالسهر على عودة دولة القانون وإعادة الحكومة الانتقالية إلى السلطة واحترام حقوق الإنسان».
وقد عقدت أعلى هيئة لدى الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، جلسة طارئة بطلب من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والنرويج، وطلب المجلس أيضا تعيين خبير رفيع المستوى من قبل المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه يكلف بمراقبة احترام حقوق الإنسان في هذا البلد.
كان مشروع القرار ينص في بادئ الأمر على تعيين مقرر خاص، لم يجدد المجلس مهمته في تشرين الأول/أكتوبر 2020.
ويبدو أن الوضع على الأرض يتطور بسرعة، فقد أصدر القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قرارا الخميس بالإفراج عن أربعة وزراء احتجزوا إثر الانقلاب العسكري الشهر الماضي، في وقت يتصاعد الضغط الدولي لاستئناف مسار الانتقال الديمقراطي.
ودعت باشليه العسكريين إلى «الانسحاب لإفساح المجال أمام البلاد لإيجاد طريق التقدم نحو إصلاحات مؤسساتية وقانونية».
ونددت أيضا بسلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان، مثل إطلاق النار ضد متظاهرين، ما أدى، حسب قولها، إلى مقتل 13 منهم وجرح أكثر من 300، وقطع الإنترنت منذ الانقلاب ما يمنع السكان من الوصول إلى المعلومات. وأضافت «يجب إطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفا بهدف إقامة حوار والعودة إلى الحكم المدني».
قلق روسي
وعبرت روسيا من جهتها عن «قلقها من تفاقم الوضع في البلاد» معتبرة أن «من المهم تجنب أي تصعيد» لكن مندوب موسكو أكد أن الجلسة الخاصة كانت «تدخلا غير مقبول» في الشؤون الداخلية لبلد «وسابقة لأوانها». وشاطرته الصين وفنزويلا وجهة النظر هذه، وعلى غرار روسيا قررتا النأي بالنفس علنا عن الإجماع.
«الحرية والتغيير» و«تجمع المهنيين» يرفضان التفاوض مع العسكريين
وخلافا للتقليد المتبع، طالب نائب المندوب الدائم في جنيف، عثمان أبو فاطمة آدم محمد، في رسالة هذا الأسبوع بأن يصبح المتحدث باسم السودان، غير أن المندوب الدائم علي بن أبي طالب عبد الرحمن محمود يبقى الممثل الرسمي للسودان في المنظمة. لكن مريم الصادق المهدي، وزيرة الخارجية في الحكومة التي أقالها البرهان، وجهت كلمة للجلسة، مؤكدة أن «الانقلاب العسكري أثر على مسار ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، وأعاد السودان لماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان حيث تم وضع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قيد الإقامة الجبرية، واعتقال عدد من الوزراء والولاة وقيادات قوى الحرية والتغيير وممثلي المجتمع المدني، إلى جانب استخدام القوات النظامية السودانية للذخيرة الحية والقنابل المسيلة للدموع أثناء الاحتجاجات السلمية التي اجتاحت البلاد وأعمال القتل خارج نطاق القضاء، وعمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفية للمتظاهرين المسالمين من النساء والرجال ومطاردة واعتقال شباب لجان المقاومة في الاحياء وتعذيبهم، وهي أعمال قد تشكل جرائم ضد الإنسانية إضافة للحجب الشامل لجميع شبكات الإنترنت».
ثورة «محمية»
وبينت أن «عقد الجلسة الخاصة يرسل رسالة قوية للشباب السوداني المؤمن بالمدنية، بأن الثورة السودانية التي شهد العالم أجمع بسلميتها، محمية أيضا من قبل مجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي ومن قبل كافة الدول الداعمة للسلام والديمقراطية ولحقوق الإنسان».
وزادت: «نتطلع لوضع حد للانقلابات العسكرية في مختلف دول العالم وما يصاحبها من الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة، وقتل العديد من المدنيين في الوقت الذي تعجز الأجهزة العدلية الوطنية عن محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، عليه فإن اعتبار الانقلاب العسكري من الجرائم التي تقع في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية كما جاءت في المادة 8 مكرر بنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي فصلته في تعريف جريمة العدوان، أمر يحتاج التفعيل بصورة عملية».
ورغم الإفراج عن 4 وزراء، فقد تواصلت الاعتقالات التي تستهدف سياسيين معارضين للانقلاب، إذ أعلن المجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير» أن «ميليشيات الانقلاب العسكري اعتقلت مساء الخميس، عضو لجنة إزالة التمكين طه عثمان اسحاق، والأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني شريف محمد عثمان وعضو مكتبه السياسي حمزة فاروق، من أمام مقر البعثة الأممية عقب اجتماع ممثل الأمين العام الخاص إلى السودان فولكر بيرتس بالمجلس القيادي للحرية والتغيير».
وزاد أن « قوى الحرية والتغيير تحمل الانقلابيين المسؤولية الكاملة عن سلامة كافة المعتقلين، وتطالب بالإفراج الفوري عنهم».
ونددت بعثة الأمم المتحدة في السودان بما جاء في تقارير عن اعتقالات جديدة، ودعت إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين.
وقالت البعثة في بيان «هذه الاعتقالات تعرقل مساعي إعادة الاستقرار والعودة إلى مسار التحول الديمقراطي في السودان وتلغي أي أثر إيجابي لإطلاق سراح أربعة من الوزراء المعتقلين».
وتزامن ذلك مع تراجع الآمال بالتوصل لحل عبر الوساطاتـ فبعد أن أكد مصدر قريب من حمدوك في وقت متأخر أمس الخميس أن المحادثات تحرز تقدما، أكدت قوى «الحرية والتغيير» (المجلس المركزي) أن «الأنباء المتداولة عن تواصلها مع الانقلابيين أو قرب الوصول إلى اتفاق مع دولة رئيس الوزراء هي أنباء كذب، و ليست سوى محاولات يائسة تهدف لزرع الإحباط في الشارع السوداني المستبسل، والنيل من صموده ».
وزادت : «إننا إذ نحيي جماهير الشعب وقوى الثورة الحية واستمرار نضالها السلمي في الدفاع عن ثورة ديسمبر والانتقال المدني نجدد موقفنا المبدئي الصلب بضرورة محاسبة كل الجناة وأن لا تفاوض مع سلطة الانقلاب».
كذلك قال «تجمع المهنيين السودانيين» الجمعة، إن القوى الثورية قررت عدم التفاوض أو الشراكة مع المجلس العسكري.
وأضاف التجمع في بيان عبر فيسبوك: «رفعت القوى الثورية بكل مكوناتها راياتها: لا تفاوض، لا مساومة، لا شراكة».
وأردف: «نجدد التأكيد أن الإملاءات الخارجية التي تجافي إرادة جماهير شعبنا ومصالحه أو الحلول الفوقية من نخبة منبتة ومعزولة داخليا لن تجدي».
وتابع: «يخوض شعبنا الآن معركة مؤجلة مع ذيول ومخلفات نظام الإنقاذ، وقد حزم أمره أن لا مساومة فيها».
واستطرد: «على من يبحثون عن تسوية جديدة تعيد الانقلابيين إلى المشهد أن يدركوا أن جهودهم ستذروها رياح إرادة شعبنا الغلاب».
ومساء الخميس، أجرى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، محادثات هاتفية مع كل من حمدوك والبرهان.
وجاء في بيان للمتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس «تحدث وزير الخارجية أنتوني بلينكن الخميس مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، حيث شدد على الدعم القوي الذي تقدمه الولايات المتحدة للشعب السوداني الذي يسعى إلى الديمقراطية، ودعا إلى استعادة فورية للانتقال إلى الديمقراطية بقيادة مدنية».
وتابع البيان أن «الوزير جدد دعوته للإفراج الفوري عن جميع المعتقلين منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي وإنهاء حالة الطوارئ. وأكد أن العودة إلى التحول الديمقراطي في السودان ستسمح باستئناف شراكة قوية تشمل التعاون السياسي والدبلوماسي والأمني والاقتصادي بين البلدين».
وفي اتصاله مع البرهان، أكد أيضا على «ما ورد في اتصاله مع حمدوك وحث
البرهان على الإفراج الفوري عن جميع الشخصيات السياسية المحتجزة والعودة إلى الحوار الذي يعيد رئيس الوزراء حمدوك إلى منصبه ويعيد الحكم بقيادة مدنية في السودان».
ورحب «وزير الخارجية الأمريكي بالتزام قائد الجيش السوداني المعلن باتفاق جوبا للسلام والإعلان الدستوري، معربا عن أمله في أن يتخذ الجيش السوداني الإجراءات اللازمة للسماح باستئناف الشراكة الأمريكية السودانية التي تشمل التعاون السياسي والدبلوماسي والأمني والاقتصادي».
إلى ذلك، ذكر التلفزيون الرسمي الجمعة أن الجيش السوداني حلّ جميع مجالس إدارات الشركات الحكومية والمشاريع الزراعية القوميةـ في أحدث خطوة للمجلس العسكري فيما يبدو لإحكام قبضته على السلطة في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول.