الخرطوم ـ «القدس العربي»: رغم التحركات الداخلية الواسعة، والضغوط الدولية المتزايدة، لحسم الخلافات التي تصاعدت أخيرا، بين رئيس المجلس السيادي السوداني، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، ونائبه، قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلا أن العاصمة الخرطوم لا تزال تشهد انتشارا غير مسبوق لقوات متعددة وآليات عسكرية ثقيلة في محيط القصر الرئاسي والقيادة العامة للقوات المسلحة، بلغت ذروتها مساء السبت، وسط مخاوف من مواجهة وشيكة بين الجانبين.
ونقلت «رويترز» عن مصدرين عسكريين تأكيدهما أن جوهر الخلاف بين «حميدتي» والجيش هو عزوف قائد قوات «الدعم السريع» عن تحديد موعد نهائي واضح لدمجها في صفوف الجيش، في إشارة إلى أحد بنود الاتفاق الإطاري الذي وقع في ديسمبر/ كانون الأول ويمهد الطريق أمام انتقال يقوده المدنيون لمدة عامين وصولا للانتخابات.
غير أن مصادر مطلعة قالت لـ«القدس العربي» إن «حميدتي يطالب بأن يكون الإطار الزمني لدمج قواته في الجيش عشرة أعوام، الأمر الذي يرفضه قادة الجيش، ويرهنون المضي في العملية السياسية بعملية الدمج.
عناصر إضافية
وذكر المصدران أن الخلاف دفع «حميدتي» إلى نقل عناصر إضافية من قوات «الدعم السريع» من معقله الإقليمي في منطقة دارفور غرب السودان إلى الخرطوم خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وانبثقت القوات عما تُعرف بميليشيا الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع في دارفور في مطلع الألفية الثالثة. وأشار المصدران إلى أن الجيش تحت قيادة البرهان وضع المزيد من الجنود في العاصمة في حالة تأهب بدافع القلق من نوايا «حميدتي».
ولا تزال عمليات تجنيد ونقل المقاتلين من إقليم دارفور غربي السودان ومناطق أخرى، إلى محيط العاصمة مستمرة، وأكدت مصادر تحدثت لـ«القدس العربي» أن قادة الجيش والدعم السريع قاموا بحشد الآلاف من المقاتلين من المكونات القبلية والمجموعات المسلحة الموالية لكل جانب.
وقالت إن الجيش أعاد حشد قوات الدفاع الشعبي، الموالية للنظام السابق، والتي تشكلت مع بداية انقلاب الرئيس المعزول عمر البشير، في عام 1989، وتضم جهاديين، مدربين عسكريا، يمثلون الذراع المسلح لـ«للحركة الإسلامية» فضلا عن قوات مجلس «الصحوة الثوري» بقيادة موسى هلال، غريم «حميدتي» وقائده السابق، خلال حرب دارفور.
في الموازاة، أكد حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة «تحرير السودان» مني أركو مناوي، رفضه لتجريد قواته من السلاح، بينما تتصاعد عمليات التجنيد والتجييش في دارفور.
مصادر أكدت لـ«القدس العربي» أن «حميدتي» يطالب بعشرة أعوام لدمج قواته في الجيش
وقال خلال مخاطبته مؤتمرا لعودة النازحين، في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، إن الإقليم يشهد تحركات لإعادة قوات شاركت مع النظام السابق في حرب دارفور، معتبرا أي تحركات لتجييش القبائل مخالفة لاتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية المكونة من حركات مسلحة وتنظيمات معارضة في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
ووفق شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي» شوهدت ناقلات ضخمة محملة بالجنود متجهة من إقليم دارفور إلى الخرطوم نهاية الأسبوع الماضي، بينما أكد ناظر قبيلة الرزيقات في دارفور، محمد موسى مادبو، رفضه لحملات التجنيد الواسعة، التي تستهدف شباب عشيرته، من قبل الأطراف العسكرية.
وأوضح في بيان: «نعلن رفضنا التام لحملات التجنيد العشوائي لشباب القبيلة على يد جهات استخباراتية تعمل على تجييش القبائل لمزيد من الاحتراب، وإطالة أمد النزاع القبلي الذي حصد العديد من الأرواح البريئة» مطالبا قادة الإدارة الأهلية في قبيلته بعدم التعامل مع أي جهة تعمل على تجنيد الشباب دون الرجوع إلى النظارة، و«التأكد من أهداف الالتحاق بالمؤسسات العسكرية».
وحمّل من يقومون بعمليات التجنيد «مسؤولية نشوب أي نزاع أو فتنة نتاجا لهذا العمل» مضيفا: «بهذا البيان نكون قد أبلغنا الجهات الرسمية بالدولة عدم مسؤوليتنا عن أي تطورات تحدث في مقبل الأيام».
سيادة السودان
وتأتي التطورات الأخيرة بالتزامن مع ظهور الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» القيادي في النظام السابق، علي كرتي، في فعالية تنظيمية في ولاية الجزيرة وسط السودان، دعا خلالها أعضاء الحركة لترتيب صفوفهم والاستعداد لاستعادة السودان لـ«سيادته وعزته» على حد قوله.
وقال إن الحركة «قدمت طرحا سلميا لقيادة البلاد لبر الأمان في ظل الصراعات الراهنة، وأنها لن تنتظر طويلا» مؤكدا «اصطفاف الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني خلف الجيش».
يأتي ذلك رغم دعوة العضو العسكري في المجلس السيادي السوداني، ياسر العطا، لـ«ترسيخ دعائم الديمقراطية، وضمان عدم الانقلاب عليها عبر توقيع اتفاقات مع الإسلاميين» مطالبا بـ«نبذ القبلية والجهوية والعنصرية، والبعد عن خطاب الكراهية، وأهمية المساواة بين أبناء الوطن الواحد ورد المظالم ورفع الضرر».
«لا كبير على القانون»
وأكد أن «القوات المسلحة ليست لها مطامع في حكم البلاد، بل ساهمت في إنجاح ثورة ديسمبر منذ انطلاقتها، وأنها ستعمل على تسليم السلطة للشعب، وصولا لانتخابات حرة ونزيهة عبر صناديق الاقتراع، وتحقق تطلعات الشعب في الحرية والديمقراطية».
وأشار إلى أن «القوات المسلحة تعمل أيضا على ترسيخ الديمقراطية مع القوى الوطنية «المخلصة» مؤكدا أن «مسيرة بناء الوطن شاقة وعسيرة ولا بد من السير بتحد وروح لا تعرف الاستسلام». وشدد على «وحدة القوات المسلحة بقيادة ومؤسسة واحدة، وأنه لا كبير على القانون، وأن القوات المسلحة تعتز بواجباتها الدستورية التاريخية والعرفية».
وقال إن «الجيوش يهمها أمر الشعب، لا المصالح والمطامع الشخصية لقادتها، وإنه يجب أن يخضع هؤلاء لأوامر الدولة إلى حين دمجهم في الجيش» مضيفا: «الانتقال يستوجب مجلس وزراء وفق رؤية وأهداف متوافق عليها، يعمل فيه الجميع على حدود صلاحياته دون التدخل فيما لا يعنيه، بغرض وضع لبنة بناء مؤسسات الدولة التي لا يُهدد فيها ولا يبتز أي قائد الدولة ومؤسساتها بامتلاكه جيشا» فيما يبدو أنها إشارة إلى (حميدتي)».
مع ذلك، يؤكد قادة في «الحرية والتغيير» على نجاح الجهود الداخلية والخارجية لتهدئة الخلاف بين البرهان و«حميدتي».
وقال أربعة من قادة التحالف لـ«رويترز» من دون كشف هويتهم، إن «حميدتي يشاطرهم الآن فيما يبدو هدف مجيء حكومة مدنية ومعارضتهم لأنصار البشير بما في ذلك في داخل الجيش».
وأوضح أحدهم أن «استعدادهم للعمل مع حميدتي أو البرهان مرهون بإحراز تقدم» مضيفا أنهم «سيعودون إلى صفوف المعارضة إذا لم يلتزم أي منهما بالاتفاق».
وكان البرهان قد أكد خلال مخاطبته احتفالات زواج جماعي السبت في الولاية الشمالية، أن قيادة البلاد «تعمل على تأسيس حكم مدني مما يحتاج إلى المساندة والدعم من القوات المسلحة والشعب على السواء، والعمل على تقويمه ومنع انحرافه عن الطريق القويم ومنع قيام أي حكم متسلط مستقبلا».
وقال إن «القوات المسلحة ستكون إلى جانب الشعب على الدوام، لأنها منهم وهي العمود الفقري للدولة ومواطنيها».
وبداية الأسبوع الحالي، اجتمع البرهان و«حميدتي» للمرة الأولى منذ أسابيع، فيما بدا أنها محاولة لإنهاء التوتر بين الحاكمين الفعليين للبلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 والذي أطاح بالحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك.
ومنذ فبراير/ شباط الماضي استهل قادة الجيش السوداني تصريحات شددت على ضرورة دمج قوات «الدعم السريع» في الجيش، في أقرب وقت ممكن، بالإضافة إلى إعلانهم عن تحفظات بشأن الاتفاق الإطاري الموقع مع قوى مدنية بقيادة «الحرية والتغيير» في 5 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
التحشيد العسكري ومخاوف الصدام، تتزامن مع تسارع وتيرة الاجتماعات بين أطراف العملية السياسية الجارية في البلاد. كما أنه من المنتظر أن يصل إلى الخرطوم، خلال اليومين المقبلين، مسؤول أمريكي رفيع لدفع الأطراف العسكرية نحو التهدئة.
وقد شهد القصر الرئاسي أمس الأحد اجتماعا جديدا للعسكر والمدنيين الموقعين على الاتفاق الإطاري، بعد أيام قليلة من اجتماع انعقد في «بيت الضيافة» المرفق بمباني القيادة العامة للقوات المسلحة، وسط الخرطوم، نهاية الأسبوع الماضي، سبقه آخر بين البرهان و«حميدتي» مطلع الأسبوع ذاته.
اتصالات وتفاهمات
وحسب المتحدث الرسمي باسم العملية السياسية، خالد عمر، فإن لقاء الأمس هو «أولى اجتماعات الآلية السياسية المكونة من أطراف الإطاري والمعنية بصياغة الاتفاق السياسي النهائي» مشيرا إلى أنه جاء نتيجة «الاتصالات المتواصلة منذ انعقاد اجتماع 15مارس/ آذار الماضي الذي أنتج تفاهمات رئيسية تذلل العقبات التي تعترض مسار العملية السياسية».
وبالتزامن، أطلقت القوات النظامية عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بكثافة على التظاهرات، والتي توجهت، أمس الأحد، نحو مباني القصر الرئاسي، بدعوى من تنسيقيات لجان المقاومة الرافضة للتسوية مع العسكر، طالب خلالها المحتجون بإسقاط قادة انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 والقصاص لضحايا التظاهرات.