الخرطوم ـ «القدس العربي»: رغم الهدنة الإنسانية السارية، اشتدت وتيرة القتال بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في محيط القصر الرئاسي، وأنحاء أخرى من العاصمة السودانية الخرطوم، إضافة إلى معارك عنيفة تدور في مدينة الأبيض، غرب البلاد، حسب شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي». وبالتوازي، أصدر الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أمرا تنفيذيا جديدا يوسع صلاحيات الولايات المتحدة بالرد على العنف الذي بدأ في الخامس عشر من شهر أبريل/ نيسان بفرض عقوبات على الأفراد المسؤولين عن تهديد السلام والأمن والاستقرار في السودان وتقويض الانتقال الديمقراطي في البلاد باستخدام العنف ضد المدنيين أو ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان» حسب بيان نشر على الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض.
وقال الرئيس الأمريكي إن المعارك «يجب أن تنتهي» مهددا بعقوبات جديدة على الجهات المسؤولة عن إراقة الدماء.
واعتبر في بيان أن «العنف الدائر في السودان مأساة، وخيانة للمطالب الواضحة للشعب السوداني بحكومة مدنية وانتقال إلى الديمقراطية».
كذلك قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في تغريدة على حسابه في «تويتر» «نحن ملتزمون بإنهاء الصراع، وتعزيز المساءلة لأولئك الذين يهددون أمن السودان واستقراره ودعم تطلعاته الديمقراطية».
الصراع سيطول
في حين قالت مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية أفريل هاينز إن الصراع «سيطول على الأرجح» لأن كلا من الطرفين يعتقد بأنه قادر على تحقيق الانتصار عسكريا.
وقدمت هاينز تقييم المخابرات الأمريكية القاتم للقتال في شهادة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ. ويلقى التقييم بظلال من الشك على الجهود الدولية لإقناع الخصوم بإنهاء العنف الذي أودى بحياة المئات ودفع نحو 100 ألف شخص للفرار إلى الدول المجاورة وأثار شبح تفاقم أزمة إنسانية.
وأضافت هاينز في شهادتها «القتال في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من المرجح أن يطول في ظل اعتقاد كلا الجانبين أنه قادر على الانتصار عسكريا وأنه ليست لديه حوافز تذكر للجلوس إلى طاولة المفاوضات».
واسترسلت قائلة إن الخصمين يسعيان للحصول على «مصادر خارجية للدعم» وإذا توافرت هذه المصادر «ستفاقم، على الأرجح، الصراع واحتمال انتشار التحديات في المنطقة».
وحذرت من أن العنف المستمر فاقم «ظروفا إنسانية سيئة بالفعل» وأجبر منظمات الإغاثة على تقليص عملياتها وسط مخاوف متزايدة من «تدفقات هائلة من اللاجئين».
وميدانياً، قال شهود عيان لـ «القدس العربي» إنهم شاهدوا قوات من الجيش تتوجه إلى غرب مدينة الأبيض، لكنهم نفوا سيطرة قوات الدعم السريع على الحامية العسكري، في وقت يستمر الجانبان في تبادل الاتهامات بشأن خرق الهدنة الإنسانية المعلنة والتي من المقرر أن تستمر لأسبوع كامل.
وتمثل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان التي لديها حدود مشتركة مع الخرطوم، وعدد من ولايات دارفور، منطقة استراتيجية في القتال الدائر في البلاد، خاصة بالنسبة لقوات «الدعم السريع» حيث تعد أحد أهم منافذها للحصول على إمداد.
وقال شهود عيان تحدثوا لـ «القدس العربي» إن قوات تابعة للدعم السريع تحاول محاصرة المدينة التي يسيطر عليها الجيش منذ أيام، فيما فر المواطنون إلى منازلهم وسط حالة من الهلع وأغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها وتوقفت المواصلات، وسادت حالة من الترقب والذعر من اشتداد المعارك التي تجددت بين الجيش والدعم السريع، والتي أودت قبل نحو أسبوعين بحياة أكثر من 50 شخصا، فيما أصيب المئات هناك.
وأفاد الناشط الإنساني في مدينة الأبيض، أزهري صالح لـ«القدس العربي» بأن الاتجاه الجنوبي الغربي للمدينة شهد معارك، صباح الخميس، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة ثلاثة أطفال تم إسعافهم إلى مستشفى الأبيض التعليمي، مشيرا إلى إغلاق وإخلاء السوق الكبير في المدينة.
وأضاف: تجددت الاشتباكات في المساء وسط أنباء حول محاولة الدعم السريع محاصرة المدينة، وتحريك الجيش أسلحة ثقيلة.
وراح ضحية المعارك المستمرة بين الجانبين، والتي اندلعت منذ ثلاثة أسابيع، أكثر من 500 قتيل ونحو 5 آلاف جريح من المدنيين، وفق إحصائية لوزارة الصحة، ويرجح أن يرتفع عدد ضحايا مع استمرار القتال وضعف إمكانيات الرصد، بينما نزح أكثر من 334 ألف شخص. ويقدر عدد اللاجئين في دول الجوار بـ100 ألف وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
الرئيس الأمريكي قال إن العنف مأساة وخيانة لمطالب الشعب بحكومة مدنية
وقال شهود عيان لـ «القدس العربي» إن معارك طاحنة تدور بين الجانبين وسط الخرطوم، فيما احترق العديد من المحال التجارية في منطقة السوق العربي ومحطة جاكسون وتحولت إلى حطام. كما اندلعت معارك عنيفة صباح أمس في مدينة الخرطوم بحري، وتبادل الجانبان القصف بالطائرات ومضادات الطائرات، الذي راحت ضحيته طفلة في الخامسة من عمرها. كما أودت قذيفة بحياة مواطن في مدينة أمدرمان غربي الخرطوم، وسمع دوي انفجارات وأصوات إطلاق نار في منطقة جنوب العاصمة.
وقالت المواطنة رحاب الرشيد، والتي تسكن في حي الديم القريب من نطاق المعارك وسط الخرطوم، لـ«القدس العربي» : «الطائرات العسكرية تحوم فوق رؤوسنا، لم يتوقف دوي الانفجارات وأصوات الأسلحة الثقيلة والرصاص منذ البارحة، قلبي يكاد يقفز من مكانه، أشعر أننا سنموت جميعا في هذه الحرب».
أما المواطنة ستنا أحمد، فأوضحت لـ«القدس العربي» أنها وأسرتها فروا مثل الكثير من العائلات من منطقة شرق النيل في مدينة بحري شمال الخرطوم، بعد اشتداد القتال في المنطقة بشكل مرعب وانعدام خدمات المياه والكهرباء منذ اليوم الأول للقتال.
يأتي ذلك فيما يشدد الجيش الحصار على مقر القصر الرئاسي، وسط الخرطوم، الذي استولت عليه قوات «الدعم السريع» حيث تواصلت المعارك وتعالت أصوات الانفجارات، وسط تحذيرات من لجان المقاومة للمواطنين، بالالتزام بمنازلهم، والابتعاد عن أماكن الاشتباكات.
واتهم الجيش «الدعم السريع» بالهجوم على قيادة منطقة بحري العسكرية شمال العاصمة السودانية الخرطوم، مشيرا إلى أنه قام بالرد عليه وكبده خسائر فادحة.
وقال، في بيان أمس الخميس، إن قواته اشتبكت مع قوات الدعم السريع بعد محاولتهم الهجوم على قيادة منطقة بحري العسكرية، مضيفا: « لقد تلقى العدو عقابا حاسما وتشتت قواته ما بين قتيل وجريح وهارب، دمرت قواتنا عددا من العربات القتالية للمتمردين واستلمت خمس عربات تركها العدو في ميدان المعركة».
ودعا الجيش المواطنين إلى الابتعاد عن مواقع الاشتباكات وعدم التعامل مع الأجسام المعدنية الغريبة لحين وصول الفرق الفنية المتخصصة لسحبها والتعامل معها.
وفي رسالة إلى منسوبي «الدعم السريع» طالبهم بتسليم أنفسهم إلى أقرب معسكر للجيش، مع ضمان سلامتهم وضمهم للقوات المسلحة، داعيا إياهم إلى «إلقاء السلاح ووضعه جانبا ومغادرة الطرقات والبيوت والأزقة وظل الأشجار وعنابر المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه والعودة إلى أسرهم» حسب البيان.
كما رفض الجيش في بيان آخر، استمرار تدفق الأجانب وتجنيدهم بقوات «الدعم السريع» أو ما أطلقت عليها وصف «ميليشيا حميدتي».
ودعا الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية في بيان، في صفحته على موقع فيسبوك عناصر «ميليشيا حميدتي إلى التخلي عن احتلال بيوت ومنازل المواطنين أو اتخاذهم دروعا أو نهب ممتلكاتهم، أو نهب ذهب وموارد السودان وتهريبها إلى الخارج».
كما دعا إلى «عدم تحويل المستشفيات إلى ثكنات عسكرية وحذرهم من نهب البنوك وحرق الأسواق واستهداف محطات الكهرباء والمياه».
وحذرت قيادة القوات المسلحة السودانية عناصر» ميليشيا حميدتي»من التدرع بالمؤسسات الخدمية ومنعها من تقديم الخدمات للمواطنين، وناشدتهم إلقاء السلاح، ومغادرة الطرقات والبيوت وعنابر المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء وتسليم أنفسهم مع ضمان سلامتهم وضمهم للقوات المسلحة بموجب قرار القائد العام للقوات المسلحة.
جرائم عنف جنسية
كما اتهمت وزارة الخارجية قوات «الدعم السريع» بـ«تنفيذ جرائم عنف جنسي وتحرش واغتصاب ضد عدد من العاملات في منظمات العون الإنساني وارتكاب انتهاكات ضد أفراد ومقرات السفارات والمنظمات الدولية».
وقالت في بيان إن «الدعم السريع ارتكب انتهاكات واسعة تشمل النهب والترويع والتحرش واستخدام المواطنين دروعا بشرية والاعتداءات المتكررة على السفارات ومقار البعثات الاجنبية واستهداف طائرات الإجلاء» مطالبة المجتمع الدولي بـ«إدانة ما وصفته بـ«السلوك الإجرامي ومواصلة الضغط على قيادة الدعم السريع بوقف الحرب والانسحاب من المستشفيات والمناطق السكنية والتسليم للجيش».
وأضافت: أن «قوات الدعم السريع قامت بالهجوم على مقر السفارة الهندية في الخرطوم واقتحام مكتب السفير ونهب مقتنيات ثمينة ومصوغات ذهبية وسيارة رسمية وحواسيب ومبالغ مالية».
واعتبرت الاعتداء على السفارة الهندية استمرارا لما وصفتها بـ«انتهاكات قوات الدعم السريع المتمردة» على السفارات والبعثات الدبلوماسية دون أدنى اعتبار للهدنة المعلنة أو احترام القانون الدولي.
وأشارت إلى تلقيها بلاغات باعتداء الدعم السريع على العديد من المقار الدبلوماسية بينها السفارة الكورية والملحقية الثقافية السعودية، وكذلك مقرات إقامة الدبلوماسيين السويسرين والقسم القنصلي في السفارة التركية.
وأضافت: «تتواصل انتهاكات القوات المتمردة في احتلال المعامل المركزية والمستشفيات العامة وإفراغها من المرضى مما يهدد الصحة العامة وحرمان المواطنين الأبرياء من تلقي العلاج، والحصول على الدواء».
ونددت بدخول قوات الدعم السريع إلى «مستشفى حاج الصافي في مدينة بحري شمال الخرطوم وطرد المرضى، والاعتداء على مرافق صحية أخرى».
تصرفات «غير مسؤولة»
في المقابل، اتهمت قوات «الدعم السريع» الجيش بخرق الهدنة الإنسانية المعلنة بين الجانبين وبما وصفتها بـ« التصرفات غير المسؤولة من قيادات الجيش والنظام السابق المتطرفة». وقالت إن الجيش قام بالهجوم فجر أمس الخميس على عدد من مواقع تمركزها، وإن قواتها والأحياء السكنية تعرضت الى قصف عشوائي بالمدافع والطائرات، معتبرة ذلك تجاوزا سافراً للأعراف والقوانين الدولية والقانون الدولي والإنساني.
وعزت خرق الهدنة الإنسانية إلى ما اعتبرته «تعددا في مراكز القرار داخل الجيش».
وأعلن جنوب السودان الذي غالباً ما يقوم بوساطة في السودان أنّ طرفي النزاع وافقا على هدنة «من 4 الى 11 أيار/مايو».
وأكد الجيش موافقته على الهدنة شرط أن تلتزم بها قوات «الدعم السريع».
وفي وقت تكثفت الاتصالات الدبلوماسية في أفريقيا والشرق الأوسط، قال الجيش إنه اختار الاقتراح الذي تقدمت به الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (ايغاد) بسبب الحاجة إلى «حلول أفريقية لمشاكل القارة».
ورحب أيضا بالوساطات الأمريكية والسعودية بعد جولة قام بها موفده هذا الأسبوع شملت الرياض ثم القاهرة وجامعة الدول العربية.
وتعقد الجامعة العربية في القاهرة الأحد اجتماعين غير عاديين على مستوى وزراء الخارجية لبحث الحرب في السودان، حسب ما قال دبلوماسي رفيع المستوى. وسيبحث الاجتماع المخصص للسودان الوضع في هذا البلد «بأبعاده كافة، السياسية والأمنية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية» وفق المصدر.
وتعهد معسكر البرهان بتسمية موفد يمثله للتفاوض على الهدنة مع الطرف الآخر برعاية «رؤساء جنوب السودان وكينيا وجيبوتي».