الخرطوم ـ «القدس العربي»: «ما حيكسرونا. نحن صوتنا أعلى. ما حيهزمونا نحن أقوى أقوى» هتفت النساء الخميس، في الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات المنددة بالانتهاكات والاغتصابات التي تمت في تظاهرة الأحد الماضي (الذكرى الثالثة للثورة) وغيرها من التظاهرات.
وعلى عكس التوقعات بمشاركة نوعية ومحدودة في «موكب بطلات الثورة»، شارك الآلاف في التظاهرة التي دعت إليها «عضوات لجان مقاومة أمدرمان» في شارع الشهيد عبد العظيم في أمدرمان، رفضاً لما وصفوه بالعنف الممنهج والمقصود ضد النساء.
ورفع المحتجون لافتات وشعارات تؤكد على الدور الفاعل الذي ظلت تلعبه النساء في الثورة السودانية، وفي مقاومة كل أشكال الاستبداد والظلم والتمييز.
وكانت أبرز الهتافات: «الثورة ثورة شعب، والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والشارع فيه بنات. والجنجويد ينحل» «يا عزة أنت أساس شرفك محال ينداس» « الثورة دي ثورة بنات والعسكر للثكنات» وغيرها من الهتافات المنددة بالانقلاب والانتهاكات والاغتصابات التي حدثت في تظاهرة الأحد الماضي وفض اعتصام القيادة العامة في يونيو/حزيران 2019 والانتهاكات التي ظلت تحدث للسودانيين في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، خاصة النساء.
وبالتزامن مع التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في الخرطوم، نفذت لجان المقاومة في ولايات سنار وجنوب دارفور وجنوب كردفان وكسلا وغيرها من الولايات وقفات احتجاجية منددة بالانتهاكات ضد النساء.
وسلمت «حملة خشي اللجنة»، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، مذكرة عن انتشار العنف الجنسي الممنهج في السودان، بعد وقفة دعت إليها الحملة وشارك فيها عدد من لجان المقاومة والأجسام المطلبية والكيانات النسوية أمام مباني المفوضية السامية لحقوق الإنسان في شارع 15 وسط الخرطوم.
وحسب المبادرة «لعبت النساء السودانيات بمختلف خلفياتهن أدواراً مركزية ورائدة في العمل على التغيير السياسي والاجتماعي في السودان، وتصدوا بجسارة فائقة في مختلف مناطق البلاد للانتهاكات المنظمة من قبل نظام المؤتمر الوطني على مدار الثلاثين عاماً وما بعدها، من أدوار قيادية وتضحيات جسام خلال ثورة ديسمبر المجيدة».
ما مضمون المذكرة؟
ووفق المذكرة المقدمة لمفوضية حقوق الإنسان، فقد «استخدمت المؤسسة العسكرية في السودان عدة طرق لمنع النساء من المشاركة في الحراك المدني الداعم للديمقراطية وكانت النساء والفتيات المتظاهرات مستهدفات بشكل مُلاحظ في حالات الاعتداء الجسدي والجنسي والاعتقال والتعذيب داخل المعتقلات».
وأشارت إلى «تعرض النساء للعنف الجنسي الممنهج في فض الاعتصام وما تلاه من أحداث مؤسفة من تواتر لجرائم العنف الجنسي في دارفور وغيرها من مناطق السودان».
ووفق المذكرة «يحدث كل ذلك أمام منظومة عدلية ضعيفة وإطار قانوني عاجز عن معاقبة الجناة من ناحية، ومؤسسات عسكرية تستخدم العنف الجنسي كسلاح لمواجهة مقاومة العزل من المواطنات والمواطنين في السودان».
وقالت إن «النساء الآن يقفن للدفاع عن حقوقهم وأمنهم وسلامتهم خلال مشاركتهم السلمية في مسيرات الدفاع عن الديمقراطية والحقوق في مواجهة جرائم العنف الجنسي الممنهج، منذ ثورة ديسمبر وحتى اليوم».
ولفتت إلى «الانتهاكات التي حدثت الأحد، للنساء وفتيات السودان اللاتي خرجن ضمن الحشود الرافضة للانقلاب العسكري واتفاق البرهان/حمدوك المقنن للانقلاب العسكري».
وأكدت على «العنف الممنهج الذي تمت به مواجهة المواكب السلمية من قبل القوات الأمنية والعسكرية المختلفة (الشرطة ـ الجيش ـ الدعم السريع ـ جهاز المخابرات العامة)».
وحسب المذكرة «إحدى الناجيات طفلة في العاشرة من عمرها، تم اغتصابها من 10 رجال، على الأقل، يرتدون زي القوات الأمنية الرسمية، مشيرة إلى تقارير لجان الأحياء التي أفادت بتعرض عشرات الفتيات للتحرش وأنواع مختلفة من الاعتداء الجسدي والجنسي أثناء اعتقالهن ولاحقاً في مراكز الشرطة».
عنف ممنهج
وشددت على أن «كل أنواع العنف المذكورة أعلاه لم تكن عشوائية ولا وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنمط عنف جنسي ممنهج مبني على النوع الاجتماعي يمارسه النظام منذ عهد البشير بهدف كسر شوكة النساء وردعهن وضمان وجودهن خارج منظومة العمل العام وممارسة حقوقهن السياسية والمدنية».
واعتبرت «هذا العنف جزءاً أصيل من الإيديولوجيا التي لا تزال تنتهجها المؤسسة العسكرية في السودان والتي ترتكز على الفكر الإرهابي والأصولي الذي يقنن للعنف ضد المرأة في المساحات العامة والخاصة، حيث تصبح جرائم مثل الاغتصاب والاعتداء الجنسي أمرا واقعا مقننا بإطار قانوني يعمل على تجريم الضحية وعتق الجناة من المسؤولية القانونية».
المطالبة بلجان تحقيق
ولفت إلى «افتقار السودان كدولة لأبسط الحقوق الإنسانية والخدمات الضرورية من الإسعاف الطبي والدعم النفسي والبيوت الآمنة لضحايا وناجيات وناجين من العنف الجنسي، وذلك بسبب الإطار القانوني الجائر والمستمد من منظومة الحكم الإنسانية».
إدانات دولية لاستخدام العنف الجنسي لإسكات المحتجّات
وطالبت المذكرة بـ«تكوين لجان تحقيق مستقلة لتقصي حالات العنف الجنسي والجسدي التي تتعرض لها المتظاهرات والمتظاهرون وتقديم المتهمين لمحاكمات عادلة، بالإضافة إلى توفير الحماية للمتظاهرات والمتظاهرين وتوفير الخدمات الطبية العاجلة، والحماية، ودعم الضحايا والناجيات في الوصول للعدالة وفق إرادتهن».
وأيضا طالبت «المؤسسات العسكرية والأمنية بالتوقف فوراً عن استخدام كل أنماط العنف الجنسي والانتهاكات والقتل خارج القانون ضد المتظاهرات والمتظاهرين السلميين».
«سنواصل التصعيد»
وقالت عضوة لجان مقاومة جنوب الخرطوم، شاهيناز جمال، لـ«القدس العربي» إن الوقفة أمام المفوضية دعت إليها مبادرة (خشي اللجنة) وتوجهت بعدها التظاهرة إلى مدينة أمدرمان للمشاركة في موكب (بطلات الثورة) الذي دعت إليه عضوات لجان مقاومة أمدرمان ومنها إلى مدينة بحري للمشاركة موكب عضوات لجان مقاومة بحري، للتنديد بالانتهاكات وجرائم الاغتصاب التي تعرضت لها 13 سيدة خلال تظاهرة الأحد.
وأكدت «سنواصل التصعيد حتى يتم تسليم من نفذوا هذه الانتهاكات ومحاكمتهم».
أما عضوة تجمع كنداكات جنوب الخرطوم، نهلة إسماعيل، والتي شاركت في الوقفة الاحتجاجية أمام المفوضية، فقالت لـ«القدس العربي» : «خرجنا ضد العنف والانتهاكات ضد النساء التي امتدت طوال الثلاثين عاما الماضية، وللأسف حتى في ظل حكومة الثورة كانت الانتهاكات مستمرة ولم تتوقف، وبعد الانقلاب زادت أكثر، هذا عنف ممنهج ضد النساء ومقصود به كسر شوكة النساء وإسكاتهن، حتى لا يعلو صوتهن».
وأضافت «يجب أن يقف الجميع ضد هذه الانتهاكات، نحن النساء معركتنا طويلة مع الحكومة ومع المجتمع مع القوانين وداخل لجان المقاومة نفسها تجاه العقلية الذكورية».
كذلك أكدت الناشطة النسوية سارة موسى، المشاركة في الوقفة لـ«القدس العربي»: الوقفة، شجب وإدانة لما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان بصورة عامة، وما يحدث للنساء بشكل خاص والتعنيف المستمر الذي وصل لأقصى درجات الانتهاكات النفسية والجسدية والجنسية.
وطالبت الحكومة بإعلان موقفها من الذي حدث بشكل واضح، مشيرة إلى أن الوقفة أيضاً لـ«حث الجهات الخاصة بحقوق الإنسان للقيام بدورهم لحماية المتظاهرين السلميين، من الانتهاكات والاغتصابات والسرقات والنهب ورصد جميع الانتهاكات التي تحدث».
وأضافت «أعتقد أن العسكر قصدوا الحد من الحراك الثوري عبر العنف الجنسي والاغتصاب الممنهج، حتى يزيدوا مخاوف الأسر من الاغتصابات ضد الجنسين».
وطالبت الأجهزة الأمنية والحكومة بـ«عدم التنصل من مسؤولياتها» لافتة إلى أن الحكومة «تعرف قواتها التي كانت هناك جيدا، وإذا لم تكشف عن مرتكبي الانتهاكات، ويؤكدون أن ما تم مقصود ومدبر».
«لن نخاف»
الناشطة في قضايا النساء ذوات الإعاقة، فتحية عوض، أوضحت لـ«القدس العربي» أن «الانتهاكات والإقصاء ظلت تمارس ضد النساء عموما وضد النساء ذوات الإعاقة بشكل خاص، سواء كان عنفا من المؤسسات الذكورية أو القوانين وفي التعليم وفرص العمل وغيرها» لافتة إلى أن الوقفة «تعبر عن ذوات الإعاقة وعن كل النساء». وشددت على أن «الانتهاكات الأخيرة كان الغرض منها إسكات النساء وتخويفهن ورفع صوت الوصاية الذكورية».
وواصلت: «نؤكد أن ما حدث لن يخيفنا ونحن قويات ولن نخاف من هذا العنف الممنهج، نحن قادرات على انتزاع واقتلاع حقوقنا».
وفي السياق، أدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى كندا والنرويج وسويسرا، استخدام العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي كسلاح لإبعاد النساء عن المظاهرات وإسكات أصواتهن.
وقالوا في بيان مشترك أمس، خرجت النساء السودانيات وحلفاؤهن إلى الشوارع للتظاهر ضد العنف الجنسي والتحرش، بما في ذلك الاغتصاب، الذي حدث خلال احتجاجات الأحد.
وحثوا السلطات على إجراء تحقيق كامل ومستقل في مزاعم العنف هذه وضمان محاسبة الجناة بغض النظر عن انتمائهم.
وأكدوا على ضرورة منح السودانيون الحق في حرية التعبير السياسي والتجمع بمنأى عن العنف.
كما عبر المقرر الخاص المعني بالحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات «كليمان نيالتسوسي فولي، عن أسفه لاستمرار استخدام القوة والانتهاكات الجسيمة ضد المتظاهرين السلميين.
وقال في تغريدة، مساء الأربعاء، يجب أن تلتزم السلطات السودانية بضمان محاسبة المسؤولين عن عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي المسجلة ضد النساء المتظاهرات والقتل وإصابة المئات في مليونية الأحد.
وحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حدثت 13 حالة اغتصاب جماعي الأحد،، بينما أكدت التقارير الميدانية وبيانات وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل حدوث 9 حالات اغتصاب واغتصاب جماعي في محيط القصر الجمهوري في الخرطوم.