نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: عاد المجتمع الدولي ينشغل بمسألة الانقلاب في السودان الذي قام به الثنائي عبد الفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي، الذي أطاح بالشراكة مع المكون المدني للسلطة الانتقالية في السودان يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021. لقد فشلت محاولة البرهان احتواء الرفض الشعبي والأفريقي والدولي للانقلاب بإعادة عبد الله حمدوك لمنصب رئيس الوزراء يوم 22 تشرين الثاني/نوفمبر الذي اكتشف بسرعة أن البرهان يريد أن يستخدمه لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي فانسحب من المشهد بسرعة مساء الأحد 2 كانون الثاني/يناير قائلا إنه حاول تجنيب البلاد «خطر الانزلاق نحو كارثة» مشيرا إلى أن البلاد تمر الآن في منعطف خطير يهدد بقاءها على حد تعبيره.
كان رد الشارع السوداني استئناف المظاهرات الجماهيرية الحاشدة التي يطلق عليها المنظمون «المسيرات المليونية» وجاء الرد عليها كما عودنا عساكر الانقلابات، بالحديد والنار حيث بلغ عدد الضحايا نحو 60 شخصا منذ بداية الانقلاب حتى اليوم.
دور الأمم المتحدة
لا يكاد يمضي يوم في الأمم المتحدة من دون أن تثار مسألة الأوضاع في السودان ومشاكله المعقدة والمتعددة وأخطرها الوضع السياسي بعد الانقلاب. وكان أول المنتقدين للتطورات التي أعقبت استقالة حمدوك مبعوث الأمين العام الخاص للسودان، فولكر بيرتس، والذي أصدر بيانا الاثنين 3 كاموم الثاني/يناير، أكد فيه أنه يحترم قرار رئيس الوزراء، ويشيد بالإنجازات التي تحققت تحت قيادته، إضافة إلى الإنجازات الكبيرة التي حققها خلال المرحلة الأولى من الفترة الانتقالية. وفي بيان لاحق أعرب بيرتس عن قلق عميق إزاء عدد القتلى والجرحى من المدنيين في سياق الاحتجاجات المستمرة. وحث قوات الأمن على التقيد بالتزاماتها بموجب القانون الدولي والتمسك الصارم بحقوق المتظاهرين في «حرية التعبير والتجمع السلمي» ودعا إلى تقديم مرتكبي العنف إلى العدالة.
الأمين العام للأمم المتحدة، من جهته، أصدر بيانا مساء الإثنين أيضا، حول التطورات الأخيرة بعد استقالة حمدوك حيث أدان فيه استمرار العنف الذي يستهدف المتظاهرين ودعا قوات الأمن السودانية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والتقيد بالتزاماتها فيما يتعلق بالحق في حرية التجمع والتعبير. كما أشار الأمين العام في بيانه بعد استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إلى أسفه لعدم وجود تفاهم سياسي حول سبل المضي قدما على الرغم من خطورة الوضع في السودان. كما ناشد جميع أصحاب المصلحة «على مواصلة الانخراط في حوار هادف من أجل التوصل إلى حل شامل وسلمي ودائم. إن تطلعات السودانيين إلى انتقال يقود إلى نظام ديمقراطي أمر بالغ الأهمية، وستظل الأمم المتحدة على استعداد لدعم هذه الجهود».
وكان مجلس الأمن قد اعتمد يوم 3 حزيران/يونيو 2020 القرار 2524 والذي تم بموجبه إنشاء «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان» (يونيتامس) بهدف تقديم الدعم للسودان، من خلال مجموعة من المبادرات السياسية والمتعلقة ببناء السلام والتنمية خلال الفترة الانتقالية وصولا إلى تكوين حكومة مدنية ديمقراطية والانتقال إلى مرحلة يسودها السلام، ثم التعافي الاقتصادي. ونظرا للتطورات الأخيرة التي شهدها السودان، أصبحت بعض الأمور أكثر صعوبة خاصة الانتقال الديمقراطي والتعافي الاقتصادي. فهناك تساؤلات حقيقية يطرحها المجتمع الدولي الآن حول ما إذا كان السودان لا يزال أو سيكون قادرا على العودة إلى المسار نحو التحول الديمقراطي كي يكون مؤهلا لتسلم المساعدات الدولية والتي ستساهم في النهوض الاقتصادي.
لقد انخرطت الأمم المتحدة في جهود واسعة ومعقدة للوساطة بين الأطراف والتي أسفرت عن إعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى منصبه لعل الأمور تسير ولو ببطء نحو خريطة الطريق التي اتفقت عليها الأطراف للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة عام 2023 تنتهي بعقدها المرحلة الانتقالية. لكن الواضح أن العسكر لا يريدون أن يشاركهم أحد في الحكم. فمنذ استقالة حمدوك وحتى هذا اليوم والمظاهرات الشعبية متواصلة ومتعاظمة والقوى الأمنية تواجهها بالقوة والعنف وهو ما يزيد من عزلة الانقلابيين داخليا وخارجيا.
الانقلاب في الحقيقة عقد كثيرا من القضايا المزمنة في السودان وسنمر على ذكر ثلاث مسائل:
الوضع في دارفور
نتيجة للأوضاع التي تمر فيها الخرطوم واستغلال حالة تراخي الحكومة المركزية وانخراطها في نزاعاتها الداخلية تفاقمت الحالة الأمنية في دارفور حيث قام الأهالي وبعض العناصر المسلحة بنهب ثلاثة مخازن تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في الفاشر شمال دارفور، على مدار ثلاثة أيام من 28 -31 كانون الأول/ديسمبر. ووفقا للبرنامج، تم الاستيلاء على أكثر من 5.000 طن متري من المواد الغذائية، كما قام مئات من اللصوص بتفكيك هياكل المستودعات. أعلن بعدها برنامج الأغذية العالمي تعليق أنشطته في شمال دارفور حتى إشعار آخر، ما يؤثر على الأحوال المعيشية لنحو مليوني شخص.
وقالت منسقة الشؤون الإنسانية في السودان، خاردياتا لو ندياي، إن واحدا من كل ثلاثة يحتاج إلى مساعدات غذائية في دارفور. ولذا فالأمم المتحدة قلقة للغاية بشأن التقارير الواردة من ولاية شمال دارفور عن تعرض المستودعات الإنسانية والمساعدات الغذائية المخصصة للأشخاص الأكثر ضعفا في السودان.
إضافة إلى ذلك أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن قلقها العميق إزاء تصاعد العنف القبلي في دارفور وجنوب كردفان، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 250 مدنيا وإصابة 197 وتشريد أكثر من 50 ألف شخص منذ ايلول/سبتمبر الماضي.
العنف الجنسي
ومن المشاكل المضافة التي جاء بها الانقلابيون وحماتهم من رجال الأمن ما جاء في تقرير ممثلة الأمين العام الخاصة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، براميلا باتن، يوم 2 كانون الثاني/يناير الحالي، حيث أعربت عن قلقها البالغ إزاء الوضع في السودان في أعقاب التقارير التي أفادت بارتكاب قوات الأمن العنف الجنسي والتحرش الجنسي ضد النساء والفتيات أثناء المظاهرات التي شهدتها العاصمة الخرطوم. كما أعربت باتن، عن قلقها العميق بشأن التقارير الموثوقة في استخدام الاغتصاب والاغتصاب الجماعي للنساء والفتيات كوسيلة لتفريق المتظاهرين.
وقالت المتحدثة باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ليز ثروسيل، إن المكتب المشترك لحقوق الإنسان في السودان تلقى ادعاءات بتعرض 13 امرأة وفتاة للاغتصاب أو الاغتصاب الجماعي، فيما تعرضت النساء اللائي كن يحاولن الفرار من المنطقة المحيطة بالقصر الجمهوري إلى التحرش الجنسي من قبل قوات الأمن. ودعت المفوضية إلى إجراء تحقيق سريع ومستقل وشامل في حوادث الاغتصاب والتحرش الجنسي، فضلا عن التقارير التي تؤكد وفاة وإصابة المتظاهرين نتيجة الاستخدام غير الضروري أو غير المتناسب للقوة.
الموقف الدولي من الانقلاب
بشكل عام يرفض المجتمع الدولي أسلوب الانقلابات. والقارة الأفريقية التي عانت أكثر من غيرها من كثرة الانقلابات العسكرية، اتفقت من خلال الاتحاد الأفريقي ألا تعترف بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة. وقد نجح الاتحاد في عزل كثير من الانقلابيين لكن ليس جميعهم.
لكن لم أر موقفا موحدا تقريبا من انقلاب مثلما توحد المجتمع الدولي في رفض انقلاب البرهان لدرجة أنه شعر بأن الدائرة تضيق عليه فقبل بتقديم بعض التنازلات من بينها عودة حمدوك لموقعه السابق لكن سرعان ما تبين أنها خدعة لامتصاص النقمة وكسر العزلة. لقد رفض الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي، وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الانقلاب. وكذلك رفضت الإدارة الأمريكية الانقلاب وجمدت مساعدات مالية بقيمة 700 مليون دولار ولحق بها البنك الدولي الذي جمد صرف أموال المساعدات للسودان.
ومن متابعتنا للشأن السوداني داخل منظومة الأمم المتحدة ومن مراجعة كافة البيانات الصادرة عن المسؤولين الأممين والأفارقة هناك شروط محددة لا يمكن العودة إلى المسار الطبيعي إلا باعتمادها فعلا لا قولا:
– عدم استخدام القوة المسلحة في التصدي للمظاهرات الشعبية والتي طابعها سلمي، وضمان الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير. إن استخدام القوة سيزيد من عزلة الإنقلابيين ويقرب نهايتهم؛
– يجب تقديم كل من ارتكبوا انتهكات فظيعة بحق المتظاهرين السلميين بما في ذلك استخدام السلاح وسلاح التحرش والاغتصاب إلى العدالة ومحاكتهم محاكمة عادلة؛
– يجب الإفراج عن جميع المعتقلين لدى السلطات العسكرية وإعادة المسؤولين إلى مواقعهم؛
– يجب فتح حوار وطني شامل أمام كافة أطياف الشعب السوداني وقواه السياسية والعمل على عدم إقصاء أي مجموعة أو حزب أو تجمع؛
– يجب توفير الحماية لمؤسسات ومخازن وأصول الأمم المتحدة المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية وخاصة في دارفور؛
– يجب إعادة الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية على أساس الوثيقة الدستورية وغيرها من الوثائق التأسيسية للمرحلة الانتقالية، والالتزام بها وباتفاقية جوبا للسلام، والتي تدعم التحول الديمقراطي في السودان؛
بدون هذه الشروط لا نرى أن الاعتراف بالانقلاب والانقلابيين أمر ممكن في المرحلة المقبلة. إن الاستمرار في هذا النهج الخطير سيؤدي بهم وبالسودان إلى الهاوية. فهل يحاول قادة الانقلاب أن يتوقفوا قليلا ويستمعوا إلى صراخ شعبهم لا نصائح محور الشر الذي يعمل على تعزيز الاستبداد في المنطقة العربية وتجيير ذلك كله لصالح الكيان الصهيوني؟